كاداريه خاسرٌ لا محال

23 آذار 2016 | 22:03

المصدر: النهار

وضع اسماعيل كاداريه خريطة طريق لجميع الكتّاب حين أصرّ على تحديد وجهة وحيدة ممكنة جازما ان الديكتاتورية والأدب، أمران غير متجانسين.

كاداريه الذي تسلّل تحت عباءة الكاتب "الوطني" بنى عمارته النثرية على هذا التنافر بين الكبت الفكريّ الذي مارسه بعض أنساق السلطة وبين البوح الملحّ الذي أدان له الباقون في مسقطه النابت في خاصرة اوروبا الشرقية وحيث قُذف بشعب الى مقدمة التمرّد ضد السوفيات، خلال الحرب الباردة.
ثمة إستحالة في أن يصير الحدث التاريخي باردا حين يتعلّق الأمر بسرد إسماعيل كاداريه الألباني المقروء في العالم، ذلك أن الحيثية التاريخية عنده في حال إتقاد وثمة شخوص من حولها ينفخون هواء في رماد الحقيقة الموثّقة. وربما يُقدّر للحدث التاريخي أن يصير ملابسة شخصية او قدراً عائلياً حتى.
لا تناهض روايته "فتاة في المنفى" المنقولة حديثاً إلى الإنكليزية لدى "بنغوين بوكس" المنطق النثري العام، وإذا كان لا مناص في أحيان كثيرة من أن تُطعّم المأساة عند كاداريه بشيء من الغرابة وعناصر تنافي العقل وتغازل الخرافة والنفس الملحمي الخاص، فإن النبرة المستخدمة في هذا النص على قدر من الحلم والكآبة والواقعية في آن معاً.

تعيّن على "فتاة في المنفى" انتظار سبعة أعوام ليتسنّى لها أن تولد بالإنكليزية وليواصل كاداريه قصّ الحلقات التي صاغت مسار بلاده المكوية بالإستبداد الرسمي تماما مثل أماكنها التي باتت هدفاً للملاحقة. صارت المقاهي مثلاً تُذكر "بحسب أسمائها قبل الحملة العقائدية التي استهدفتها".
ربما يذهب البعض إلى رصد بعض الترف في تعامل كاداريه المحليّ مع التاريخ، غير ان هذا المنحى لا يمكن سوى أن يستحيل المقياس في وسط أسلوب يمتهن ملء النواقص في المقترب اليقيني الجماعي.
وإذا كان يهدي روايته إلى "النساء الألبانيات الشابات اللواتي ولدن ونشأن وصرفن يفاعهن في المنفى الداخلي"، فلأنه يشيد الرواية حول امرأة بإسم ليندا ب. غير المكتمل والتي وجدت فاقدة الحياة. لا يلبث أن يصير موتها بيانا ظنياً يشكك في براءة المؤلّف روديان ستيفا بعدما وجد أحد كتبه الى جانب جثتها وهو يحمل إهداءه.

"الخَلَف" و"مناخ جنون" و"أيام الاحتفال الصاخب" بعض المحطات في محاولة كاداريه مدّ الأحياء بالحريّة والموتى بقدرة البوح. لهذا السبب يكتب في "الفتاة المنفيّة" عن "سلاسل السلطة الأثقل من سلاسل الموت" وعن تقهقر الجسد الخلاصيّ للمفارقة، في حالة الحصار الذي تعاني منه ليندا المعاقبة بالنفي إلى خارج العاصمة تيرانا. نقرأ "مثّل إجراء التصوير الشعاعي للثدي فرصة ليندا الوحيدة لكي تقصد عاصمة أحلامها. في تعبير آخر، تمثّلت فرصتها بإمكان أن تبين الصور وجود مرض".
النبرة عند كاداريه صارمة وتجاوزية أيضا، ذلك انها تبلغ درجة التلاقي الكامل مع التراجيديا. ولا مباغتة تاليا في متابعته يجنح صوب الأسطرة وتحديداً صوب أسطورة أورفيوس وأوريديوس الإغريقية طامحا لتفسير قطعة في الحكاية ظلّت في رأيه مبهمة.
في "فتاة في المنفى"، يلوذ كاداريه بدور الكاتب المجرّب والمغامر والبائس، ونراه يستغيث بأسلوب يتّخذ شكل السؤال: "هل سيصغون لي في أحد الأيام؟" ويوهمنا أنه ينتظر جوابا. أما الواقع ففي مكان آخر. يحاول الكاتب أن يستنبط متساويات سرديّة موائمة لما يدور في ذهنه، يلقيها على الورق ويتمهّل علّها تحدث ثقباً في جدار تلبّد بالكسل. غير انه يعرف انه خاسر، لا محال.


roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

 

علاء أبو فخر: الحكاية الجارحة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard