عن السيدة الأكثر وَحدة وتعاسة في العالم

20 آذار 2016 | 09:50

المصدر: "النهار"

تأتي رواية "فندق البحيرة" بخديعة ماكرة، ذلك أنها تتلبس بهيئة الرواية الرومنطيقية بينما تشكّل المثال الأكثر تعبيراً عن مناهضة الرومنطيقية. يبدأ السرد من لحظة وحدة وينتهي عندها أيضا، كأننا في حلقة، وكأن ثمة رغبة في القول إن المكوث الأنثوي في الإنعزال ليس فكرة مقيتة تماما بل فكرة تستحق أن تخضع للتمحّص.

صوب منتصف الثمانينات من القرن العشرين وهو تاريخ صدور هذا النص التخييلي الذي جلب لكاتبته البريطانية أنيتا بروكنر جائزة "مان بوكر" الأدبية، كان الزمن سخياً فسمح لساكنيه بالإحتفاء بذواتهم، فرادى. وإذا قُدّر لبروكنر أن تجيء إلى الكتابة متأخرة في الثالثة والخمسين وفي أعقاب تجربة أكاديمية متقدمة كان محورها تاريخ الفن، فإنها جنّبت تجربتها التأليفية، وبنتيجة ذلك، التجريب النفساني المجاني والتأتأة السردية. قدِمت إلى بيئة الروائيين من طريق نص اختمر في مرتع الحياة الفعلية لا المتصوّرة، نص عن امرأة ولامرأة، على السواء.

ها هي إديث هوب السيدة التي تستوطن رواية بروكنر "فندق البحيرة" وفي مطلع السرد تقف في محاذاة النافذة في فندق هادىء في "المنفى الوجيز" وتبدأ رحلة لملمة الذات المشتتة واكتشاف ما تريده فعلاً. تلوذ مؤلفة الروايات الرومنطيقية إديث بالفندق القديم الطراز لاجئة من حياتها على نسق النزلاء الآخرين. ذلك ان السيدة الجديّة والمدركة والتي يعتقد أصدقاؤها انها تجاوزت سن التكتم والكاتبة التي تخفي هويتها من طريق إسم أدبي مستعار والتي تجيد الطبخ وتسلّم المسودات قبل الموعد المحدد وتوقّع أي ورقة توضع أمامها، والكاتبة التي تتردّد في الإتصال بناشرها متذمّرة بغية فرض شروطها، ستُجبر على الخيار الأصعب، على تحديد مسار قصتها الواقعية.

ربما لا تضجّ نصوص بروكنر بالحوادث غير انها تعوّض عن هذا النقص الباين من طريق البنية المتينة والجمل العميقة الغائرة في الدواخل البشرية. والحال أن هذا المنحى جلي بدءا من السطور الأولى، كما في روايتها الأولى "بداية في الحياة" حيث نقرأ في الجملة الإفتتاحية "أدركَت الدكتورة فايس وفي سن الأربعين أن الأدب أفسد حياتها". ها هنا أيضا تعتقل الدكتورة فايس المتخصّصة بالأدب الفرنسي في حلقة الوحدة، فتجري رحلة فرار إلى باريس، على نسق إديث الهاربة إلى "فندق البحيرة"، غير انها لا تلبث أن تُضطر إلى تسديد فاتورة الإلزامات الإجتماعية التي تستبد بمعيشها. فايس وهوب سيدتان فطنتان ومتحفّظتان عاطفياً تؤمنان أنه يجب إعلان الآمال والأماني لتزجّ في مسار التحقق، غير انهما تخلصان إلى التسليم بأن الصيغة غير ناجعة.
لا يمكن شخصيّات بروكنر النسائية المؤمنات بالبراءة التنقيب في الحياة الباطنية من دون المجازفة ببلوغ الخيبة. يعتنقن العيش في انعزال في معظم الأحيان فيدركن أن الإنسحاب الجالب للطمأنينة يجعلهن في الوقت عينه على تعاسة. في أعقاب نيلها جائزة "مان بوكر" الأدبيّة إنبرت بروكنر التي بقيت عازبة وتمسّكت بالعيش وحيدة لتلقّف الحالة المتخيّلة فأعلنت انه ربما يدرج إسمها في سجلات "غينيس" للأرقام القياسية كالمرأة "الأكثر وحدة وتعاسة في العالم".

رحلت بروكنر قبل أيام قليلة ولا شكّ في أنها لن تبيت في سجلات "غينيس" وإنما في الموسوعات الأدبية الأنغلوساكسونية ككاتبة تناولت باحترام كلي، يلامس الخشوع أحيانا، توق شخصياتها إلى تحقيق السعادة الفردية. حلا لبروكنر استقاء الخيبات واليأس الساكن من فقد البراءة، فرسمت ملامح متمردات هنّ في قرارة وعيهن مراهقات مضلّلات جرّبن الثورة كترفيه لا أكثر.

roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard