السموم في البحر... أين يسبح اللبنانيون؟

29 شباط 2016 | 18:39

المصدر: "النهار"

فشلت الحكومة "المعجزة" بتكوينها في حلّ أزمة النفايات. وزير البيئة محمد المشنوق سحب يده من الملف باكراً، وزير الزراعة أكرم شهيب بذل المستحيل بـ"صبر" انفجر بتسليمه الأمانة إلى مجلس الوزراء، وعادت اللجنة الوزارية إلى اجتماعاتها، وإلى المطامر مجدداً بعدما شهد الملف رحلة مخاض طويلة، لم تولّد إلا الفضائح المالية والسياسية والطائفية منذ الاعلان عن المناقصات، مروراً بالتداول بأسماء المطامر واستخدام المحارق، وصولاً إلى فضيحة التزوير في طرح الترحيل "الفضائي".

لم نأكل الحشائش أو القطط كما فعل السوريون في مضايا أو داريا، ولا يزال الغذاء أمامنا، ولسنا كحال ابناء الفوعة وكفريا، لكن حياتنا في خطر وأطفالنا المتضرّر الأكبر. نسبة الديوكسين المسرطِن ارتفعت في أجواء المناطق التي تشهد عمليات حرق للنفايات. البعوض والحشرات شكلت "إمارات" في بعض شوارعنا، مياهنا الجوفية في خطر، أما الأنهر فباتت مزينة بسدود سامة ومسرطنة، حتى الهواء النظيف سلبته منا سياسة العجز والفشل وبات كريهاً ومضراً، ولم يعد أمام البلديات أي حلول سوى تجميع أطنان النفايات في الشوارع، مستخدمة الرداء الأبيض (الأكياس) لتغطي به السموم السوداء، وعلى الرغم من ذلك لم نشهد أي محاسبة، حتى الشعب اللبناني بات كـ"التمساح" القادر على الصبر وتحمل الضربات تحت قاعدة "ما في باليد حيلة"، لكنه في الوقت نفسه قادر على قطع الطرق وحرق الإطارات والتجمهر من اجل الدفاع عن صورة زعيم سياسي، أو حمل السلاح لمواجهة مشروع الطرف الآخر، ويصرف نظره عن الكارثة، والمهم بالنسبة إليه أن "النفايات خارج منازلنا".
"طفح الكيل" ولا يمكن السكوت عمّا يحصل. جمهوريتنا، برّها وبحرها وجوّها في خطر، والصمت عن الفضائح والكارثة التي تحلّ بنا سيسجّله التاريخ كفضيحة شارك في ارتكابها الشعب المقيد في فكره، منتظرًا الأوامر كي يتحرك، والمصيبة الأكبر انه إذا تحرك تنخره السياسة والحملات الضائعة، وتتحوّل المطالب من معالجة أزمة نفايات إلى تعديل قانون الإيجارات أو إجراء انتخابات، كلها مطالب محقّة، لكن فلنبدأ بصحّتنا أولاً.


الثروة البحرية في خطر
فصل الشتاء يستعدّ للرحيل بعدما قام بمهمته محولاً النفايات إلى سموم تصبّ بأكملها في البحر، ومنها وصلت إلى المياه الجوفية، وإذا استمرت الأزمة على حالها لا نستبعد أن يحذّر الأطباء أو العلماء من السباحة في بحرنا، خصوصاً في أيّ خليج تتجمّع فيه السموم، ويتطرّق الاستاذ في علوم البحار في الجامعة الاميركية عماد سعود إلى الأضرار التي تصيب البحر جراء أزمة النفايات، ويوضح لـ"النهار": "النفايات مكوّنة من مواد عضوية تتفكّك، وأخرى لا تتفكّك كالبلاستيك والزجاج والحديد، والمكوّن الثالث هي مواد سامة التي تنتجها المعامل والمستشفيات، وبعد تساقط المطر على النفايات تتشكل الرواسب السامة وتصل عبر المجاري والأنهر والسواقي إلى البحر وهنا المشكلة".


ويلفت إلى ان "المواد السامة من النفايات ستقضي على الثرورة البحرية، فعندما تصل إلى الأسماك ستقتلها او تُحوِّل السمكة إلى حاملة لهذا السم، فإذا كانت كبيرة بإمكانها أن تتحمل السموم، لكن الكائنات البحرية الصغيرة أو الدود والحشرات ستموت"، ويتابع: "المواد العضوية عندما تصل إلى البحر وتبدأ بالتفكك، تتحول إلى ما يشبه السماد العضوي، وذلك يؤثّر على نسبة الاوكسجين في المياه، ومن شأنها تشجيع تواجد الطحالب والبكتيريا، ومن المعروف أن الطحالب تسحب الاوكسجين من المياه ليلاً ما يضرّ بالثروة البحرية، وبالتالي ستقضي على نفسها ايضاً، أما الأجزاء الصغيرة من المواد البلاستيكية مثلاً بحجم (مايكرو) فإن الأسماك الصغيرة ستحسبها غذاءً وبالتالي ستموت، او ستعلق في خراشيم الأسماك الاكبر، اما المواد الكبيرة فقد تأكلها السلاحف وتعلق في معدتها فتموت".


على البشر والاقتصاد
لا ينحصر التلوث بالتأثير على الثروة البحرية، بل "يتجاوز ذلك إلى مولدات الطاقة والكهرباء، لأن الشركات تستخدم مياه البحر لتبريدها، وبالتالي ممكن وصول النفايات العضوية إليها أن يعطلها، والأمر نفسه بالنسبة إلى محركات المركبات، فضلاً عن التلوث الجمالي للبحر"، وفق سعود الذي يؤكد ان "تلوث البحر من شأنه ان يؤثر على الاقتصاد والسياحة، خصوصا عندما يسبح اللبناني في مياه النفايات ويشم رائحتها البشعة والملوثة".
أما الأماكن الأكثر ضرراً على المواطنين، فهي "الخليج"، ويوضح سعود: "في الخليج، حيث لا تتداخل المياه وتتغير مع الخارج فإن النفايات ستستقرّ مكانها وتكون مكثّفة ومركّزة في مساحة صغيرة وتؤثر على المواطنين. لكن السباحة تكون اقل ضرراً على المواطنين في الشواطئ المفتوحة، حيث تتغيّر المياه جراء المدّ والجزر والأمواج"، ويقول: "ليس مسموحًا السباحة في الشواطىء البحرية المغلقة، لكن في شكل عام فإن الخطر سيكون قائماً، وفي شكل عام إذا كان هناك مواد مستشفيات طبية او كيميائية، أو نفايات معامل كالدهانات مثلاً فإن الخطر يبقى قائماً".
ويسأل سعود: كيف سأرسل أولادي إلى البحر هذا العام، وبات التحذير من الخطر في بلدنا "مثل قلّته، ولا حياة لمن تنادي"، فهل هناك اكثر من التحذير من ارتفاع نسب الديوكسين المسرطن؟" ويؤكد وفقاً لمعلوماته أن "هناك بلديات تتقاضى الأموال مقابل السماح للشاحنات برمي النفايات في أنهر بلداتهم، وبالتالي تصل السموم عبرها إلى البحر".


حجم الكارثة مجهول
خبير المياه بلال جوني سبق وحذر أيضاً من المتساقطات على النفايات، ويؤكد لـ"النهار" أن "المياه الجوفية في وضع كارثي، ولم نستطع أن نستبق الكارثة، وقرعنا ناقوس الخطر واليوم لم نعد نعرف حجم الكارثة التي نحن مقبلون عليها جراء ذلك"، ويضيف: "نفاياتنا لا تلوث بحرنا فحسب، بل قد يؤدي الأمر إلى تحرك من الدول البحر المتوسط المتأثرة ايضاً".
"اليوم اصبحنا نسمع بأمراض جرثومية لم نكن نسمع بها من قبل، والتسمم غذائي كان شائعاً بالصيف لكننا بتنا نسمع به في فصل الشتاء، ما يؤكد ان الوضع كارثي" وفق جوني الذي يعطي المثال على تلوث البحر بتكديس النفايات في نهر بيروت، ويقول: "كل رواسب هذه النفايات تصل إلى بحرنا، ونحن نعود فنأكل الأسماك الملوثة". ويختم قائلاً: "قال لي أحد الأطباء: لا نستطيع أن نتوقع ماذا يمكننا أن نشهد من امراض جرثومية جراء استمرار الأزمة".


mohammad.nimer@annahar.com.lb
Twitter: @mohamad_nimer

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard