آلان طاسو يُخاطب الشخص الغائب والمجرّدات والجماد

28 كانون الثاني 2016 | 13:19

المصدر: "النهار"

  • رلى راشد
  • المصدر: "النهار"

"مناجيات قارع الجرس أو بتعبير آخر واضع كلمات أوبرا الضباب"، عنوان مديد أفقياً يحيل على مجموعة قصائد للشاعر اللبناني-الفرنسي آلان طاسو صادرة بالفرنسية وتذهب في وجهة عمودية، أي صوب الأعماق.

ها نحن نتقرّب من ثلة من الوقفات المتلاحقة التي تمارس الحيلة موحية أنها تتمسك باستقلاليتها، ولا تلبث أن تبيّن وفي أكثر من مفصل، انها كرزمة، واحدة ومتّحدة من جهة، وأنها جامعة ومنقسمة على نفسها، من جهة ثانية، غير انها وفي جميع هذه الهيئات متروكة إلى ما يشبه الإستباحة على أهواء الوجود، من خلال محطات خُبزها الحبر والرسم والمخطوط والصورة الفوتوغرافية، وموقدها أبجدية الكلمات.
بين دفّتي المجموعة نُزعت الهوية عن جميع القصائد التي حُرمت من نسب لتظلّ لقيطة بالمعنى الأكثر نبلاً، ذلك انها لا تريد أن تمتّ إلى شريعة الأجداد بل أن تنفتح على إمكان الإلتصاق بجذور الأفكار كلها. تغدو القصيدة الآتية بلا عنوان بهذا المعنى من المخلوقات الموغلة في الفكر - وإن كانت من دون رأس - ذلك أن الرأس اختصار بديهي للتمرين العقلاني، في حين أن في متن الجسد ما يتعداه.

لا خشية في المجموعة من الدنو من مفاهيم جمة باعثة على الأرق ذلك أنه ومن طريق مواجهة المحجوب والمخيف، يقدر المرء على مخاواة هشاشته. ها نحن نقلّب في اكتمال مسار العالم وسيلانه وفتنة المرايا والإنفعال واللامتناهي كما في المنيّة، وليس من باب المصادفة تاليا أن يضمّن طاسو مؤلفه إطلالات فوتوغرافية على مقابر قديمة قائمة في مدينتي سالزبورغ وميونيخ. ثمة كليشيهات أخرى تتقدّم أفقيا وكأنها نقيض الإنحدار صوب المقار الأخيرة وتتمهل متعالية عند سقوف الكنائس، لكن ونظرا إلى ان الحقيقة أخرى دوما، لا يلبث الشاعر أن يكتب عن إحدى هذه الكنائس من الطراز الباروك في بافاريا الشرقية التي تقبض على ترانيم الأطفال المنبعثة ككورس القداديس الجنائزية.

القصائد تكريم لقدرة الفرنسية على التحليق في ضوء الكلمات الساطع، والحال ان الشاعر انتقى قاموسه بعناية فائقة وعمد إلى تصفيته من الشوائب، فأتت الكلمات محمومة، تدين إلى وظيفة الكلمة الأكثر أهمية، أي التأويل. وها إن طاسو يلفت في هذا المنطق "تشيد الكلمات المتاح بينك وبين العالم الحانق" ويزيد في مكان آخر "نبسطُ الكلمات دوما في مناخ فقدان وعي المرء الذي نُزعت عنه إنسانيته".
تشير الدلالات التاريخية إلى أن قارع الجرس الميكانيكي الذي يحيل إليه عنوان المجموعة كان نسخة مطوّرة من قارع الجرس البشري الذي لعب في ما مضى، دور حامي برج الساعة. ها هنا إذا تنويع ميكانيكي معاصر على نسق بشري غابر. ها هنا إنسان الراهن الآلي يتبدّى كصورة باهتة عن نفسه وجرى اعتقالها في شرك الزمن.

نقلّب صفحات المجموعة فنتعثر بالدراويش وهؤلاء أيضا أسرى الوقت وصانعوه ذلك ان في وسعهم أن يوقفوه لبرهات، ووفق إيقاعهم. وها هنا لقطة إضافية لعملاق بهوية أطلس ينوء تحت ثقل السماء التي يسندها بغية أن يقيها السقوط وسحق الأرض. أطلس هو ربيب الزمن أيضا والحال أنه يستدرج طاسو إلى التأمل في حركة الوقت: "عند خروجه من الزمن، كتبَ في السماء حكايات من دون رسوم تصويرية" .
آلان طاسو، الشاعر، يكتب في فن الكلمة بل في مغزاها خصوصا. يريد بلوغ خيط الكلام إلى طرفه. وبينما يبدو من العسير عنده الذهاب الى المرئي، يوحي ان الخابىء أكثر وضوحا، فيلفح المجموعة قسط من الجمال وشيء من الروحانية المشبعة بالفلسفة والبعد الميتافيزيقي.
يكتب طاسو "ثمة أحدهم دوما، حين يختفي العالم" فيجعل من المجموعة رديفة المناجاة في أوجها لتنفلش على هذا المنوال كمخاطبة الشخص الغائب والمجرّدات والجماد، إزاء الاستحقاقات الداهمة.


roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard