بريطانيا تعلّق وحدة أوروبا على خيط استفتائها

7 كانون الثاني 2016 | 20:37

المصدر: "النهار"

الصورة عن "رويترز"

عندما ينظر البريطانيون شرقًا خلف المانش لا يرون في المقلب الآخر من اليابسة إلا المشكلات والمتاعب، فالقارة الأوروبية شهدت طوال عام 2015 سيلاً من الازمات: مشكلات مادية حادة في منطقة الأورو واقتراب اليونان من حدود الافلاس، وصول اعداد اللاجئين الى ارقام قياسية تهدد الاستقرار، هجمات ارهابية بثّت الفزع والخوف بين السكان الآمنين، الامر الذي جعل وحدة القارة واتحادها في حال يرثى لها. ولأن معالجة أي من هذه المشكلات لا تبدو مجدية، كثُر الحديث عن معنى وجود الاتحاد الأوروبي. وهذا ما يدفع بالكثير من الناخبين البريطانيين الى التساؤل عن جدوى بقاء بلادهم في اطار اللحمة الاقتصادية والسياسية مع الدول الواقعة خلف القنال وماهي مكاسبهم من ذلك؟

ومع اعلان رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في خطاب موجه للأوروبيين رغبته في إعادة التفاوض على شروط بريطانيا ووضعها في الاتحاد الأوروبي، وطرح نتائج هذا التفاوض في استفتاء عام، بعد نجاحه في الانتخابات، وضعت لندن أوروبا أمام مفترق طرق صعب جدًّا، وفي وقت غير مناسب على الإطلاق، ذلك ان خروج بريطانيا من الاتحاد في حال كانت نتيجة الاستفتاء ايجابية، فإن نهاية الوحدة الأوروبية تكون على الابواب.
تاريخيا، لم تكن بريطانيا مؤيّدة لقيام الاتحاد الأوروبي الذي انطلق باتفاق روما الذي تمخض عنه قيام المجموعة الاقتصادية الأوروبية عام ١٩٥٧. لكنها حاولت الانضمام عامي ١٩٦٣ و١٩٦٧، بيد ان المحاولتين تعرّضتا للصد من الفرنسيين بقيادة شارل ديغول، الى ان تمكنت من الانضمام عام 1973. وبعد سنتين طرحت فكرة الانضمام على استفتاء عام انتهى باستمرار بريطانيا في الاتحاد الأوروبي. الى ذلك ظلّ التساؤل المطروح والنقاش الدائر سياسيا بين المحافظين والعمال، وبين الجميع داخل بريطانيا، عما إذا كان على لندن البقاء داخل الاتحاد الأوروبي أم خارجه، حتى صار المجتمع السياسي منقسمًا حول هذه القضية بالتحديد.

لكن ماذا يريد كاميرون بالتحديد من هذا الاستفتاء؟ ولماذا في هذا الوقت بالتحديد؟ خصوصا انه وحزبه يشددان على أهمية الاتحاد الأوروبي بالنسبة إلى البريطانيين، لكنه يرى أن هذه الأهمية ترتكز على ما يضيفه هذا الاتحاد للأوروبيين من قيمة تتمثل في رفع مستوى معيشتهم ورخائهم.
وعلى ما يبدو فإن كاميرون يرى أن الاتحاد صار أكثر تدخلا في حياة الأوروبيين ومقيِّدًا لها أكثر مما كان متوقعا، أو بمعنى آخر صار عبئًا كبيرًا عليهم، ما يستوجب إعادة التفاوض حول شروطه. وهو يريد استعادة بعض السلطات التي تخلّت عنها بريطانيا للاتحاد الأوروبي، بما في ذلك تحديد ساعات العمل، والاتفاقات المتعلقة بالجوانب الأمنية وتبادل المجرمين، وأخيرا وهو الأهم، هو خوف بريطانيا من سيطرة دول منطقة الأورو الـ 17 على مجريات اتخاذ القرار في الاتحاد الأوروبي. وطبعا جاءت مسألة المهاجرين لتزيد الطين بلّة.

وعلى رغم ان بعض المحللين يستبعد ان تكون نتيجة الاستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إلا أن بعضهم الآخر يعتقد أن هناك فرصة بنسبة 50 إلى 50 أن يصوت الناخبون البريطانيون المتزمّتون، والذين يخشون الهجرة لمصلحة قطع هذه الدولة - الجزيرة عن القارة المحفوفة بصراعات وجودية. وإذا ما نجحوا، فسيكون ذلك المرة الاولى في تاريخ الاتحاد الأوروبي الذي تختار دولة عضوفيه الانسحاب منه، وتغير ما كان يُنظر إليه على أنه توسع يتعذّر تغييره للاتفاق الذي يهدف إلى جلب السلام والاستقرار إلى الأراضي الأوروبية المخضبة بالدماء على مرّ التاريخ. ومن الممكن أن يؤدي خروج بريطانيا إلى تسريع تفكّك الاتحاد الأوروبي، مع يأس قادة القارة من أن الاتحاد المتوتّر فعلاً، بوسعه أن يناضل من أجل البقاء من دون عضو من أعضائه يمثل حجر زاوية.

مشكلة البريطانيين مع #الاتحاد_الأوروبي أنهم يريدون وضع قدمٍ في الداخل وأخرى في الخارج، بينما الدول الأخرى الاعضاء، خصوصا فرنسا وألمانيا يرون أن الاتحاد الأوروبي ضرورة حتمية لما بعد الحرب العالمية الثانية التي كانت نتائجها مدمّرة لأوروبا. الولايات المتحدة هي الأخرى أيضا ترى أهمية الاتحاد الأوروبي ومحوريته لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لذلك وجهت رسالة قوية لحليفها المهمّ في أوروبا للبقاء في الاتحاد الأوروبي. بمعنى آخر، الولايات المتحدة ترى أن دور بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي أهم بالنسبة لها من دورها خارجه، وتاليا فإن واشنطن ستخسر الكثير إذا ما آثرت الدولة التي اعتادت أن تسدّ الفجوة الأطلسية أن تبحر بعيداً في الأعماق الجليدية من بحر الشمال. والمملكة المتّحدة نفسها قد تنهار إذا ما اختارت لندن المغادرة، ما قد يجعل أسكوتلندا المؤيدة للاتحاد الأوروبي تحيي مطالبتها من أجل الاستقلال.

بيد أن كل هذا قد لا يكون سببا كافياً ليخفّف قلق البريطانيين من المتاعب والازمات الأوروبية، لذلك فإن نسبة الناخبين البريطانيين الذين يفضلون البقاء داخل الاتحاد الأوروبي قد تضاءلت. وصارت لدى الحملة التي تنادي "بالخروج" آمالا أكبر إذا ما استمرّ مسلسل الازمات الأوروبية.
حتى الآن عزلت بريطانيا نفسها عن الهجرة التاريخية للملايين من الناس الفارين من مناطق الحروب التي تطوّق أوروبا. وآثرت الخروج من برنامج لإعادة توطين اللاجئين على مستوى الاتحاد الأوروبي، واستخدمت 19 ميلاً من المياه في بحر المانش التي تفصلها عن البر الأوروبي كحاجز لأولئك الذين يحاولون الوصول من تلقاء أنفسهم.

بيد أن مناهضي الاتحاد الأوروبي، دمجوا قضية اللاجئين مع مستوى قياسي من صافي الهجرة إلى بريطانيا، وكثير منها يغذيها مواطنون أوروبيون يتحرّكون لأسباب اقتصادية. وتحت مبدأ حرية التنقل في الاتحاد الأوروبي، ليس في وسع بريطانيا منعهم، ما يحفز دعاة الخروج من الاتحاد إلى القول إن الدولة فقدت السيطرة على حدودها ويمكنها فقط استردادها من خلال التخلّص من الاتحاد الأوروبي. وهكذا كلما زادت معاناة أوروبا في التعامل مع تدفقات اللاجئين، وغيرها من المشاكل الشائكة، بما فيها الإرهاب والديون- زادت ثقة معارضي الوحدة مع أوروبا بأنهم سينتصرون. ولعل هذا ما دفع بكاميرون الى التعجيل باجراء الاستفتاء حتى لا تستفحل المشكلات الأوروبية اكثر وتعطي معارضي الاتحاد المزيد من الزخم لحملتهم، وربما ايضا للضغط على بروكسيل من اجل الاستجابة للمطالب الاصلاحية التي تطرحها لندن لئلا ينهار الاتحاد.

بريطانيا التي تأخرت للانضمام الى الاتحاد الأوروبي هي اليوم السباقة في طرح السؤال "أوروبا الى أين؟"، وهذا ليس مجرد سؤال سياسي، بل هو ايضا سؤال هوية ووجود ويترتب على الجواب عليه نتائج محورية ليس فقط لبريطانيا وأوروبا، انما للعالم كله أيضًا.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard