برد وحشرات وقوارض... سوريون يعيشون المأساة داخل شاحنات ومبانٍ قيد الإنشاء

29 كانون الأول 2015 | 11:30

المصدر: (أ ف ب)

  • المصدر: (أ ف ب)

(أ ف ب).

منذ أن دمرت الحرب منزل ابو زياد ودفعته للفرار من قريته القريبة من دمشق، تحولت الشاحنة الصغيرة التي يملكها رب العائلة الستيني الى مسكنه ومصدر رزقه.

ويقول أبو زياد (62 عاما) وهو يتكئ على سيارته ويعرض امامه انواعا عدة من السجائر للبيع في ساحة المرجة في وسط #دمشق: "سيارتي هذه كزوجتي، أحدّثها نهارا وألجأ اليها ليلا، لكنها باتت اليوم عجوزا لا تقوى على الحركة"، مضيفا "املك هذه السيارة منذ العام 1978، كبرنا سويا وهرمنا معا".

وابو زياد اب لتسعة اولاد بعضهم متزوج، وهو واحد من ملايين السوريين الذين اضطرتهم الحرب التي تشهدها البلاد منذ اذار 2011 الى النزوح من مناطقهم وترك كل شيء خلفهم بحثا عن الامان.

خسر منزله في بلدة سبينة جنوب دمشق مطلع العام 2012، ما دفعه واسرته الى الانتقال الى دمشق، قبل ان تتوفى زوجته لاحقا ويقتل احد ابنائه جراء اصابته بقذيفة هاون.

ويتابع الرجل الذي يرتدي سترة جلدية ويلف رأسه وعنقه بوشاح صوف رمادي اللون "لا أستطيع العودة الى منزلي لأنه أمسى ضمن منطقة عمليات عسكرية، ولا أستطيع استئجار بيت جديد بسبب ارتفاع بدل الايجار، ولا اقدر حتى على تأمين أجرة المواصلات للذهاب الى أولادي والنوم عندهم".
ويتوزع اولاده بين بلدتي #جرمانا والكسوة في ضواحي دمشق حيث يقطنون في منازل ضيقة بالكاد تتسع لهم ولأولادهم.

ويقول: "حين يكون العمل جيدا ويتوفر لدي مبلغ اضافي من المال، استأجر غرفة داخل فندق بسيط، بالمشاركة مع ثلاثة أشخاص آخرين كي أرتاح قليلا، أو ازور أولادي وأقاربي".

ويعمل ابو زياد منذ ثلاثين عاما على شاحنته البيك آب من طراز "سوزوكي"، وكان يستخدمها في نقل البرادات داخل دمشق. ولكن بعدما كثرت الاعطال فيها ولم يعد لديه المال الكافي لاصلاحها، قرر ركنها في ساحة المرجة والمبيت فيها ليلا.
في الايام الباردة في الشتاء، يلجأ الى حرق علب كرتون يجمعها في صندوق شاحنته الخلفي للتدفئة، اما في الصيف فينتقل مع شاحنته الصغيرة إلى جوار جدار او مبنى يقيه حرّ الشمس.

وعند استيقاظه صباح كل يوم، يعرض ابو زياد على صندوق خشبي مجموعة من علب السجائر المخصصة للبيع، مصدر رزقه الوحيد.
واسفرت الحرب السورية عن دمار وخراب هائلين جراء العمليات العسكرية المستمرة منذ نحو خمسة اعوام. ويقول الباحث الاقتصادي عمار يوسف: "سجل حتى نهاية السنة 2015 ما يزيد عن 2,3 مليون مسكن مدمّر في سوريا وغير قابل للاستثمار العقاري، وكانت هذه المنازل تأوي نحو سبعة ملايين شخص نزحوا إلى مناطق أخرى".

ويضيف يوسف الذي يعد دراسة سنوية حول نسبة الدمار جراء النزاع، "أكثر المناطق التي توجد فيها منازل متضررة هي ريف دمشق اذ كانت تضم قرى مسحت عن الخريطة، تليها مدينة حمص التي سجل فيها دمار أكثر من 800 ألف مبنى بينها شقق ومدارس ودور عبادة حتى نهاية العام 2015".
ويوضح ان "كلفة إعادة إعمار المساكن المتضررة والبنى التحتية حتى نهاية العام 2015 بلغت أكثر من 250 مليار دولار".

وبحسب تقرير صادر في ايار 2014 عن المركز السوري لبحوث السياسات، وهو مركز غير حكومي تستند اليه الامم المتحدة في اصدار تقاريرها، اصبح ثلاثة أرباع السوريين من الفقراء، وأكثر من نصف السكان يعيشون في فقر شديد.

وتسبب النزاع الدامي الذي تشهده البلاد منذ العام 2011 بمقتل اكثر من 250 الف شخص، ودمار هائل في البنى التحتية بالاضافة الى نزوح اكثر من 11 مليون شخص داخل البلاد.
ويقدر يوسف حاجة سوريا الى "ثلاثة ملايين مسكن بشكل عاجل" لمواجهة ازمة السكن، على ضوء "ارتفاع عدد الأشخاص الذين يقطنون داخل المسكن الواحد بمعدل خمسة أشخاص قبل اندلاع الحرب، وصولا إلى عشرين في الوقت الراهن".
ويوضح يوسف ان "المعيار الأساسي لسعر العقار أو بدل استئجاره هو نسبة الامان في المنطقة التي يوجد فيها"، لافتا الى ان "بدل الايجار تضاعف اكثر من عشر مرات منذ بدء الحرب في ظل ارتفاع الطلب على المساكن جراء نزوح مئات الآلاف من المناطق غير الآمنة".

على طرف آخر من العاصمة، تعيش مئات العائلات في منازل وابنية قيد الإنشاء، تفتقد الى الابواب والنوافذ. ويتطلب الوصول اليها سلوك طرق ترابية.
وتقيم ام وليد (52 عاما) مع اولادها الخمسة وعائلاتهم داخل احد هذه المنازل في حي دف الصخر في جرمانا بعد نزوحهم من بلدة الذيابية جنوب دمشق.
وتقول: "كان لكل ولد شقة كاملة، أما اليوم فنسكن جميعنا في شقة واحدة لنؤمن بدل الايجار الشهري".

وتتذمر ام وليد التي يلهو احفادها حولها من حال المسكن. "يدخل البرد مع الحشرات والقوارض، لا مياه ولا كهرباء ولا تدفئة (...) ليس لدينا الا سقف وجدران غير مطلية، ومع ذلك كله الايجار عبء ثقيل".

وتتابع بتنهد وهي ترتدي عباءة طويلة فوقها سترة تقيها من البرد، بينما النوافذ والابواب من حولها مغلقة بقطع من البلاستيك او الكرتون، "أحلم بالعودة الى منزلي يوما ما، لن أنام مرتاحة الا على وسادتي القديمة". وتضيف "مللت من العراء والتنقل، هذا ليس منزلا يُعاش فيه، هذا أشبه بالخراب".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard