أرعبته فرشاة الأسنان وأخافته متاجر الألبسة... رحلة ماهر الى بيروت كشفت حقائق مرعبة

22 كانون الأول 2015 | 13:17

المصدر: "النهار"

هو فارقٌ بين قصّةٍ جميلةٍ ونقيضها. ومقارنةٌ صعبة التفاصيل، بين ولدٍ يمضي أيام العيد في ربوع الطمأنينة، وآخر لا يعلم عن أيام العطل المجيدة سوى أن عليه الاستيقاظ باكرًا في اليوم التالي ليستقبل زبائن المسمكة. أما الهديّة التي يعتبرها بعض الأطفال دميةً بلاستيكيّة، يراها آخرون روحًا حيّةً على شكل صديق. وبين قضاء عطلة رأس السنة في مطارات عالميّة، وحلم طفلٍ لبنانيٍّ يعيش في #لبنان، لكنه ينتمي الى عالمٍ آخر مختلف عن المألوف، ويتمنّى زيارة عاصمة بلده "بيروت" لأنه لم يسبق له أن زارها، أبعادٌ من الاختلاف. إلّا أن لحلم الفقراء في بلاد تهيمن فيها مظاهر الفقر المدقع مع انحدار الطبقة الوسطى، طعمٌ ونكهة أكثر عذوبة من ابتسامةٍ حاكتها حفنة أموال. وفي هذه المشهديّة استعادة لعبارة جبران خليل جبران: "كيف لي أن أفقد إيماني بعدالة الحياة، ما دمت أدرك أن أحلام النائمين على فراش وثيرة ليست أجمل من أحلام الذين يفترشون الأرض". تأتي أيام الأعياد المجيدة حاملةً معها أمنيات أطفالٍ لا تحصى. الّا أن بعض تلك الأماني مميّزة رغم أنها قد تكون مستحيلة. فما هي تمنيّات الأطفال الفقراء في زمن العيد؟ ومن يضمن لهم حقوقهم قبل أمانيهم؟ من يهديهم حقّ الطفولة؟


حُكم القدر: المسمكة أو السجن


لعلّ أولئك الأطفال الذين يعيشون تحت خطّ الفقر المدقع، لا يعلمون ماذا يطلبون من "بابا نويل" لأنهم في الأساس قد لا يعرفون القراءة والكتابة. إلّا أن لمجرّد تفوّههم بآمالهم، صدًى يحاكي السماء. ومن تلك الأحلام المميّزة، كان للطفل ماهر ابن الثلاث عشرة سنة من باب التبانة أماني لا تخطر في بال أولاد الأثرياء. يروي المتطوّع في جمعيّة فرح العطاء مارك طربيه الحلو تجربة ذلك الطفل المؤثّرة: "وضع القدر ماهر أمام مفترق، امّا العمل في مسمكة وتقاضي راتب يبلغ 5 دولارات أسبوعيًّا لإعالة عائلته في شراء الخبز، وإمّا خيار الدخول في مفترقات غير قانونيّة، مثل السرقة، كما فعل اخوته مجبرين، ودخلوا السجن، في حين أن والده عاطل عن العمل. وقد صادفنا هذا الطفل أثناء إقامتنا مخيّم ترفيهي يعنى بالأطفال الذين يعيشون تحت خطّ الفقر المدقع، وكان لتجربته قصةً استثنائيّة". يسرد الحلو أن ماهر حين انضمّ الى المخيّم لم يكن يملك من الملابس سوى بدلًا واحدًا يرتديه، ولا يعلم عن فرشاة الأسنان شيئًا سوى أنها اختراعٌ غريب أخافه، ولا يقوى على استخدامه. مطعم "الهمبرغر" الذي صادفه على الطريق أثار إعجابه، فأومأ بإصبعه وقال: "أريد أن تجلبوا لي هذه التي في الصورة". وحين دخل متجر الألبسة ليختار ما يريد، لم يستطع أن يفرّق بين المعطف والقميص وارتبك. أمّا أمنيته التي تحقّقت أخيرًا بفضل مساهمة فرح العطاء، فكانت زيارة "بيروت". هو يسمع عنها كثيرًا في المسمكة. وحين وصل اليها ركض ولعب وشاكس وتمرّد. إنها فرحته التي لا توصف. "التقطوا لنا صورًا، أريد أن يراها أهلي عندما أعود الى #باب_التبانة"، هكذا قال. أمّا امنيته الثانية في العيد، فهي فوق الوصف: "أتمنى أن يخرج أشقائي من السجن وأراهم مرّةً أخرى". يعلم ماهر جيّدًا أن لا خيار أمامه سوى المسمكة. لا يريد دخول السجن لأن الجوع كافرٌ متملّق. فأهلًا بالمسمكة. "هو لا يلوم أهله أبدًا لأنه يعلم جيّدًا أن الفقر كان مصير غالبيّة سكّان الحيّ الذي يقطنه، لكنّه لا يعلم شيئًا عن أبسط حقوقه وأهمّها"، يقول الحلو. عندما انتهى وقت المخيّم وحان وقت العودة، بكا ماهر كثيرًا لأنه أراد أن يربح المزيد من اللحظات الجميلة قبل الفراق، لكنه لم يستطع، فعاد مسرعًا الى المسمكة.


1510 أطفال يعيشون المعاناة


ليس ماهر وحده من يصارع من أجل استمراريّة مجحفة لا تمنحه حتّى أدنى حقوقه كطفل، بل ينضمّ اليه آلاف الأطفال الذين يعيشون أحداث قصّته بعناوين مختلفة. ومن بين هؤلاء، 1510 أطفال قايضوا المدرسة بعملٍ مضنٍ. رقمٌ عبّرت عنه دراسة أجرتها وزارة العمل اللبنانيّة بالتنسيق مع اليونيسيف ومنظّمة العمل الدوليّة تحت عنوان "الأطفال المتواجدون والعاملون في الشوارع في لبنان: خصائص وحجم". وظهر جليًّا تمركز هذا العدد في 18 محورًا سكنيًّا شملتهم العيّنة، من بينهم لبنانيّين وفلسطينيين وعديمي جنسيّة، وغالبيّتهم يقطنون أزقّة فقيرة في مدنٍ ساحليّة. في حين تبيّن أن 43% يمتهنون التسوّل في الأزقّة بينما يعمل 37% آخرين كباعةٍ متجوّلين. كما أن 39% منهم دخلوا سوق العمل للمرّة الأولى حين كانت أعمارهم تراوح ما بين 12 و14 عامًا، بيد أن 36% آخرين امتهنوا الشوارع في سنٍّ يراوح ما بين 7 و11 سنة.


وبيّنت الدراسة أن ثلثي الأطفال العاملين هم ذكور. كما أن أعداد الاولاد الذين لا يتقنون القراءة والكتابة وصلت الى 42%. أمّا عدد ساعات العمل اليوميّة، فتراوحت ما بين 4 و 16 ساعة بمعدّل وسطي بلغ 8.46 ساعة في اليوم، في حين لا يتخطّى الأجر اليومي لكلٍّ منهم 12 دولارًا أميركيًّا كحدٍّ أقصى. وحول تطلّعاتهم المستقبليّة أشار 40% من الأطفال أنهم يتمنون العودة الى المدرسة ومتابعة دروسهم، في حين أن 30% منهم فضّلوا مزاولة عملهم الحاليّ.


خدمةً للإنسانيّة


رغم الصراع القاتم الذي يعيشه عددٌ لا يستهان به من أطفال لبنان مع الفقر والعوز وظواهر التسرّب المدرسي، الّا أن هناك من لا يزال يذكر أن العطاء مبدأ إنسانيّ. عطاءٌ جسّدته ولا تزال، جمعيّة فرح العطاء عبر أنشطة تربويّة وترفيهيّة عديدة في سبيل مجتمعٍ أفضل يحمي مفهوم الطفولة. وفي هذا السياق، يشير المتطوّع في الجمعيّة مارك طربيه للـ"النهار" الى أن "في سجّل الجمعيّة اليوم تأهيل وترميم 14 مدرسة رسميّة في أنحاء لبنان، وتأمين أساتذة متخصّصين بالمواد التعليميّة بالتنسيق مع وزارة التربية، ما يحثّ الطلاب الفقراء على متابعة تحصيلهم العلميّ، في حين أن إعطاء جميع الدروس من قبل أستاذ واحد وحسب لا يضفي نتيجة ايجابيّة. هذا إضافةً الى إقامة مشاريع ترفيهيّة للأطفال كالمخيّمات الصيفية والرحلات والنشاطات في كافة المناطق اللبنانيّة وتأمين المدارس الخاصّة المجانيّة".

حين تخيّر الأيام طفلًا بين عملٍ شاق أو سجن، تسكن التعابير وتموت الأوصاف. لكن فلسفة هذه الحياة تشوبها الغرابة. لعلّ السلام الداخلي الذي يعتري نفس هذا الطفل أسمى من الجمال وألمع من الذهب. يعود ماهر في كلّ ليلةٍ الى المنزل، يحضن الوسادة وينام دون حيرة أو ضبابيّة. كلّ ما يعلمه أنه نقيٌّ يعمل كي يتجنّب الرذيلة، وهو بين الصبر والجحيم، اختار شيمة الصبر. والأهم أن لقمة عيشه يكسبها بتعبه وعرق جبينه. انعكاس المفاهيم يكمن في أن ماهر تخلّى عن مدرسته كي يعمل في مسمكة، لكنّ قصّته الاستثنائيّة شكّلت في أذهان المتلقّنين... مدرسة.

 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard