كارثة جرى تفاديها ببراعة

18 كانون الأول 2015 | 20:13

المصدر: "النهار"

  • رلى راشد
  • المصدر: "النهار"

منذ قنَص جائزة #نوبل الآداب في 1994، لم ينسحِب كنزابورو أوي إلى المُربّع المريح ولم يَتردّد في إلقاء الحديث من نصوصه، تحت مِجهَر القرّاء. والحال أن ثمةَ في مِهنة التأليف حاجة مُلحّة دوماً إلى التَماس بين المُقتَرِح والمُتلقي، ومن شيم الروائي العُضوي المثابرة على اقتراح الجديد وعلى تعريض نفسه طائعا، إلى التَجرّد الفكريّ.

لم يكن التخاذُل من صفات أوي يوماً ذلك انه أصرّ على أن ينفُض عن أدبه الثوب التقليدي، وأن يبحث في الفواصل القائمة بين المُقدّس والدنيوي، بُغية أن يتلقّف مسقطه اليابان على أفضل نحو، بلاد جعلها التناقض في الوجهة تستحيل غازيةً في محيطها الآسيوي، خلال حقبة من الزمن.

بدءا من بيئته القريبة والمضطربة على إيقاع الحرب العالمية الثانية، تأبّط أوي الشَخصي – أي الطفولة الريفية والإبن المصاب بخلل دماغي والخيبة الوطنية - ليربُطه، بعدذاك، بالإجتماعي والسلطوي والعالمي.

وها إن "الموت غرقاً" نصّه المنقول حديثا إلى لغة شكسبير لدى "غروف برس"، بعد صدوره في اليابانية في 2009، يبسط جذوره في تربة الصراع الموجع عينه، ويستمدّ شرعيته من ضرورة فهم مخلّفاته في النفوس والأجساد الفرديّة والجماعية على السواء.

يحوم الكاتب الذائع الصيت كوغيتو تشوكو وهو صنو أوي والشخصيّة الروائية الحاضرة في كثير من نوافذه التخييلية، مُجددا، في سماء تمرينه التأليفي.
في الرواية يُستدرج تشوكو وهو في عقده السابع إلى استنباط عمل روائي يشكّل يوم وفاة والده، سببا لوجوده. والحال أن هذا الموت المأسوي والملتبس في أحد الأنهار، سيصير وبفعل تموضعه زمنيّا قبيل أفول الحرب الكونية الثانية، مدخلاً ملائماً لاستدعاء الإلتباس المنوط بالبلاد المجروحة في ماضيها وفي الموازاة الإلتباس المُرتبط بالذكريات.

ها نحن نرافق تشوكو إلى آخر حلقات الإحتفالات البوذيّة المرصودة لوالده المتوفّي قبل عقد وحيث يجتمع الأصدقاء والمعارف. وها هنا تتبدّى كتابة الرواية على حين غرّة، الملاذ الوحيد، بعدما تقترح والدة تشوكو على ابنها أن يصير كاتباً مضيفة "في الواقع ثمة في الصندوق الجلديّ وحده ما يكفي من المواد الخام لإنجاز رواية"!".
والحال ان الصندوق القاني بمحتوياته من كتب وأوراق التي تُوثّق لرحلة والده الأخيرة في المياه، سيشكّل أساس "رواية الغرق" التي ستتبلور تدريجا وإنما على نحو متردّد على خلفية ما ينبغي استعادته، والسبيل إلى تحقيق ذلك.

لا يُطارد الرحيل الكِتاب المزمع إنجازه كما رواية "الموت غرقا" التي تشكل قاعدته فحسب، وإنما ثمة فسحة لفلش هموم سواها أيضا. يجري في كنف النص البحث في شعر تي أس إليوت، فضلا عن بيتهوفن وادوارد سعيد والمسرح والتاريخ. يحتضن هذا الكلام كله، إيقاع بطيء فضلا عن بنية تتعمد الإلتفافات بهدف الدفع بالقارىء إلى الضياع في نسيج الحكايات والذكريات المتضاربة.
في حين يواجه تشوكو لحظات من الشحّ في الإلهام ومن التململ ولحظات أخرى من استعادة السيطرة على الغوص المؤلم في الماضي، ينزلق تدريجاً صوب مواجهة تناقضاته "كناشط للسلام ارتقى بوالده اليميني المتطرّف إلى مستوى المعبود". ها هنا لا مفرّ من الصدام بين المتخيّل الذي خضع لعملية تجميل ناجحة وبين الواقع القحّ والمباغت.
تقول إحدى شخصيات أوي أن "الأعمال المتأخرة هي الكارثة"، لكن رواية "الموت غرقا" تتبدّى عملا ناضجا، وبهذا المعنى الكارثة التي جرى تفاديها ببراعة.


roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard