الإرهاب في أوروبّا ... عِصارُ حروب وعُصارَةُ دروس

19 تشرين الثاني 2015 | 21:42

باريس تلملم جراحها. والجراح نفسها تغدو أكثر إيلاماً مع تبيّن أهوال المصيبة كاملة. لكنّها تصبح كاوية في حال لم تعمد #فرنسا الى استخلاص الدروس من اليوم الذي يتشاءم منه جزء مهمّ من الفرنسيّين، يوم الجمعة الذي وقع في الثالث عشر من هذا الشهر وأوقع معه المئات من الفرنسيّين بين قتلى وجرحى.

هذا ما قدّمه مسرح العمليّات في العاصمة الفرنسيّة: غبار حروب مع خلاصة دروس قاسية. وما التعليم إلّا قساوة أحياناً. قدرة الارهابيّين على ابتكار أساليب القتل والدمار والتنويع في تطبيقاتها قد لا تحدّها حدود. والمشكلة تبدأ أوّلاً بسرعة تسلّل هؤلاء الى المجتمع الأوروبّي، أكان عبر المقاتلين أو حتّى عبر الأفكار نفسها. فخطورة "#داعش" تبرز في سعيه الحثيث باتجاه نشر وبثّ أفكاره بين مواطنين أوروبّيّين يحملون جنسيّة دول القارّة العجوز منذ الولادة. وتكفي معرفة أنّ أكثر من ألف شخص من بريطانيا وفرنسا تركوا ديارهم من أجل القتال الى جانب التنظيم في العراق أو سوريا.

أمّا المشكلة الأخرى فتكمن في وصول الارهابيّين الى أوروبّا عبر بعض المطارات. وكان لافتاً أنّ الاعتداءات ضدّ مجلّة "شارلي إيبدو" حرّكت المسؤولين الأوروبّيّين من أجل إعادة دراسة مشروع لائحة موحّدة بسجلّات المسافرين من والى أوروبّا. وكان المجلس البرلماني الأوروبي جمّد دراسة ذلك المشروع لكونه يتعارض وحماية الخصوصيّات للمسافرين. وذلك يفتح النقاش واسعاً في ما يخصّ أمن المطارات.

فتلك النقطة تبقى من أكثر المسائل الحسّاسة على الاطلاق. يقول أحد الخبراء لصحيفة "ليبيراسيون" الفرنسيّة:"تنظيم الدولة الاسلاميّة يعلم جيّداً أنّ بعض المطارات مجهّزٌ أقلّ بكثير من البعض الآخر، وينصح مقاتليه بالمرور في دول كاليونان وبلغاريا وتشيكيا والمجر وأستونيا". يضاف الى نقطة الضعف القاتلة، مسألة تزوير الأوراق الرسميّة التي أصبحت "مهنة مربحة في تركيا مع أسعار تتراوح بين 200 و10000 أورو بحسب نوعيّة المستندات".

في هذا الوقت، تساءلت مجلّة "الايكونوميست" البريطانيّة عمّا يمكن أن تعنيه ليلة الرعب الباريسيّة بالنسبة لأوروبّا ككلّ. وإذ تعلّل المجلّة الكوارث بتوسّع "داعش" في #سوريا و#العراق وقدرته على تجنيد إرهابيّين كثر بمن فيهم أشخاص أوروبّيّون، تشير الى أنّه في ناحية ما، فشلت أجهزة الاستخبارات في تقفّي ما يمكن أن ينبئ بهجمات معيّنة. وتعتبر ما جرى للطائرة الروسيّة فوق مصر مثلاً عملاً استلزم وقتاً طويلاً من التخطيط، ومع ذلك لم تستطع الأجهزة المعنيّة تداركه أو استباقه.

ولفتت الى التقنيات العالية التي أُدخلت في تصاميم الهواتف الذكيّة من قبل الشركات المختصّة لحماية خصوصيّة المستهلكين، معتقدة أنّ هذه الاجراءات، على حسناتها، تحمي الإرهابيّين من المراقبة، وهم يرون فيها "هديّة" لهم.

وأبدت قلقها من سهولة الحصول على البنادق والأسلحة الآليّة داخل دول #الاتحاد_الاوروبي مع استثناء بريطانيا. فتفشّي الأسلحة قد يستغلّه "داعش" أو أحد التنظيمات الرديفة من أجل شنّ عمليّات إرهابيّة واسعة النطاق أو حتى ضمن إطار فردي. وتشير في السياق نفسه الى أنّ هزيمة "داعش" لن تشكّل نهاية للمتطرّفين، بل قد تفتح المجال أمامهم ليفكّروا في شنّ هجمات خارجيّة أكثر. لكن في جميع الاحوال، ستخفّف الهزيمة قليلاً من الضربات الارهابيّة الموجّهة الى الدول الاوروبيّة على المدى البعيد.

إدوارد ألدن يرى في "مجلس العلاقات الخارجيّة" إمكانيّة كبيرة كي تستفيد فرنسا من التجربة الاميركيّة بعد هجمات 11 أيلول الإرهابيّة. فالدرس الأوّل يشير الى أنّ لضبط الحدود أهمّيّة قصوى في تدارك الهجمات. فإذا كانت أوروبّا نجحت في خلق اتفاقيّة شنغن، إلّا أنّها بحسب الباحث، فشلت في خلق حماية فعّالة للحدود الجديدة التي أقرّتها .

الوكالة الأوروبيّة لمراقبة الحدود "فرونتكس" تبلغ موازنتها السنويّة 200 مليون أورو. في مقابل إنفاق الولايات المتّحدة 13 مليار على أجهزة مراقبة الحدود لديها. والأرقام وحدها هنا، تعبّر عن البَون الشاسع في هذا المجال بين الطرفين. وينصح ألدن الاتحاد الاوروبي بأخذ بصمات القادمين اليه للتحقّق من هويّاتهم كما فعلت #واشنطن منذ أكثر من عقد.

وضمن الدرس الثاني، يشدّد ألدن على أنّ الحدود يجب أن تكون "ذكيّة": التأكّد من الهويّات، والتقاسم الصلب للمعلومات الاستخباريّة مع الحلفاء، واستخدام أحدث وسائل التصوير بالأشعّة في المطارات ... جميعها أساليب انتهجتها الولايات المتّحدة التي رفعت أيضاً مستوى تنسيقها مع كندا والمكسيك من أجل "ضمان عدم وصول المجرمين والارهابيّين الخطيرين الى كامل أميركا الشماليّة". وأوصى الباحث بعدم استهداف السلطات لجميع المسلمين بسبب ما تفعله قلّة من بينهم، لأنّ هذا الأمر لن يأتي بأي نتيجة إيجابيّة.

لكنّ هنالك خلاصة أهمّ تساق في مسألة هذا النوع من العمليّات الإرهابيّة، نقلتها "الإيكونوميست" عن لسان أحد المقاتلين السابقين في "الجيش الجمهوريّ الإيرلندي":
"على قوّات الأمن الشرعيّة أن تكون محظوظة في كلّ مرّة كي تحبط هذا النوع من الهجمات...
أمّا نحن ... فيكفينا الحظّ لمرّة واحدة".

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard