بغداد: "عرس الماء" الذي اغرق الجميع

1 تشرين الثاني 2015 | 15:22

المصدر: "النهار"

الصورة عن "رويترز"

 

يومان من المطر فقط، كانا كافيين لخروج حكومة العراق بفضيحة غير مسبوقة في تاريخه المعاصر. حيث غرقت أغلب أحياء ومناطق #بغداد الواقعة في ضفتي الكرخ والرصافة بمياه الامطار التي اختلطت بمياه الصرف الصحي، الامر الذي ينبئ بكارثة صحية وبيئية حقيقية. آلاف المنازل وصل منسوب المياه فيها الى ما يقارب المتر واكثر، اضطر معها الاهالي للصعود الى الطابق العلوي. آلاف العوائل باتت ليلها بتصريف المياه عن منازلها دون جدوى. منسوب المياه غطى كل شيء، الشوارع والارصفة وابواب المنازل. آلاف وربما ملايين البشر عاشوا لياليهم مبللين دون إغماضة جفن. اما من أسعده الحظ ولم ترتفع المياه لتغمر سريره، فقد بقى "رهين المحبسين" حبس الماء، وحبس الشعور بالكارثة الوشيكة.

صور أغرب من الخيال حدثت في بغداد. سيارات ومنازل مغمورة بالمياة بشكل كامل، طرق وأنفاق وجسور وحدائق حولتها المياه أثرًا بعد عين. مستشفيات ودور عبادة وجامعات ومؤسسات حكومية غمرتها المياه. العشرات لقوا مصرعهم بعد تعرضهم لصعقة سلك كهربائي غارق في جوف الماء. ومثلهم عشرات خسروا مصدر عيشهم بعد غرق سياراتهم او محلاتهم. أتلف المطر آلاف المنازل والشوارع والحدائق العامة والساحات. عشرات الشباب والشيوخ والنساء يتنقلون من ضفة شارع إلى اخرى بأكثر طرق النقل بدائية أملاً بالخلاص والنجاة من موت محقق، او سعيا وراء حاجة ملحة. عربة يجرّها حصان، صفائح بلاستيكية، قطع فلين تالفة، هياكل لثلاجات عاطلة .

بغداد لنحو ثلاثة أيام، وباختصار مؤسف وشديد العبارة عن مدينة منكوبة ومعطلة بالكامل. لا اسواق ولا علاج ولا هم يحزنون. ما حدث في بيروت والاسكندرية قبل ايام مجرد حلقة لعيد "رش الماء" مقارنة بكارثة حقيقية حلت بعاصمة الرشيد التليدة. لم تبقِ الامطار شيئًا لم تغرقه، الناس والحكومة والوطن والتاريخ.
يقابل كل ذلك، صمت وعدم فاعلية حكومية مرعبة، فلا صورة او صوت للحكومة، وكأن ما يحدث في كوكب آخر!.
اكثر من اثنتي عشرة سنة والمليارات المخصصة لأمانة بغداد تذهب لجيوب الجماعة السياسية الفاسدة. جميع مشاريع البنى التحتية ذهبت لمقاولي الاحزاب السياسية، وبدلا من الاستعانة بشركات رصينة، اختيرت شركات وهمية وذهبت اموال المشاريع هباء منثورا. وحين "تشفط بالوعة السلطة أموال الشعب، تترك بلاليع الشوارع مغلقة"، كما يقول الكاتب سهيل سامي نادر.
الجميع يعرف ان اقل زخة مطر تغرق بغداد، فكيف اذا استمر هطولها ليومين. الجميع يعرف ان حكومات ما بعد 2003 لم تُضِف شيئًا في شبكة المجاري المتهالكة التي ورثوها من عهد صدام.

الجميع يعرف ان الغرق آت لاريب مع اول نزول للمطر، لكنهم لم يتخذوا التدابير اللازمة، فحبال الاستهتار طويلة جدا، والتعويل على ذاكرة الناس"المثقوبة" التي تلعق جراحها بعد يومين او ثلاثة من وقوع الكارثة رهان الجميع.
الجميع يضع اللوم على الجميع، الناس على الحكومة، والحكومة على الناس، الكتل السياسية تضع اللوم بعضها على البعض الآخر. لا احد يعترف أويقرّ بمسؤوليته، الآخرون دائما من تقع على عاتقهم مسؤولية النكبة.

ظلت الجماعة السياسية ومنذ اكثر من عقد تنفخ برماد الطائفية، وكلما خفتت او خفّ هيجانها صبَّت زيوت الضغائن لتزيدها اشتعالا، غير انها لم تفلح هذه المرة، ذلك ان "كل المياه بلون الغرق"، والغرق مصير يحاصر الجميع.

مهرجان كبير للغضب والخيبة والملامة، وبرغم تاريخ الالم والخسائر المتواصلة منذ عقود، الا ان غرق بغداد لا يقل فداحة بل ربما فاق عنها، وعن مجموع الخسارات العراقية منذ 2003 ، التي انتهت قبل اكثر عام بسيطرة "داعش" على ثلثي اراضي البلاد.

اكثر من ثلاثة ايام مضت ومازال اغلب احياء العاصمة وخاصة الشرقية منها تغوص في الاوحال، فسلاحف التنظيف في امانة بغداد بطيئة جدا، وتكاد لاتتمكن من معالجة الغرق في بعض المناطق، ومع ذلك تشي احوال الحكومة والطبيعة ان القادم أسوء.

ليست بغداد وحيدة في "عرس الماء" المشؤوم، فمحافظة ديالى التي لا تبعد كثيرا الى جهة الشرق منها غرقت ايضا، وينتظر محافظة واسط كارثة مماثلة بعد موجة السيول القادمة من ايران. حيث تفيد الانباء من هناك إن معدل تدفق السيول القادمة من الاراضي الايرانية نتيجة الامطار الاخيرة بلغ 1500 متر مكعب في الساعة، الامر الذي تسبّب بكوارث حقيقية للارياف والقرى التي اجتاحها. واذا كانت عاصمة النهرين وهي مركز السلطة ومعقلها بهذه الحال من الاهمال، فكيف سيكون حال بقية المحافظات!

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard