التطور الرقمي... نعمة أم نقمة على الحريات في لبنان؟

8 تشرين الأول 2015 | 12:12

المصدر: "النهار"

يبدو أن التطور الرقمي الذي اجتاح عالم الاعلام والاتصالات ينطوي على سيئات كثيرة قد تطغى على التحسينات التي أضافها على حياة الانسان، من خلال تقريب المسافات وسرعة التفاعل، وامكانية طرح الافكار ومناقشتها في شكل اسهل مع تحول الصفحات الشخصية الى مساحات تفاعل يمكن من خلالها أن يطرح أي كان افكاره ويتشاركها مع من يراه مناسباً ومخولاً الرد عليه. الا ان مساحة التفاعل والحرية التي منحها هذا التطور للافراد بدأت تشكل ازعاجاً يصل احيانا الى حدود الملاحقة القانونية لاصحابها، ما يطرح اشكاليات عدة تتعلق خصوصا باعتبار هذه الأفكار  مساحة عامة تخضع للاعراف والقوانين او صفحة تعبير شخصية تعني صاحبها المخوّل التعبير من خلالها بالطريقة التي يراها مناسبة.

"المسّ بهيبة الدولة"

من دون شك أضحت الصفحات الرسمية على وسائل #التواصل _الاجتماعي، منبراً او مكاتب اعلامية للشخصيات العامة والمؤسسات العامة لنشر تصريحاتها وافكارها، انما يبقى السؤال عن حدود التعبير المتاحة بالنسبة للافراد العاديين، خصوصاً في ظل عدم تضمن القوانين اللبنانية المرعية حاليا في تفاصيلها اي مادة للمحاسبة على الاراء المنشورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي او الشبكة العنكبوتية. وفي الفترة الاخيرة برزت الملاحقات القضائية على خلفية نشر آراء على وسائل التواصل الاجتماعي او الاستدعاءات المتتالية من قبل مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية ما أثار جدلاً حول دوره،وبعد الضجة التي أثيرت مع الاستدعاءات التي طاولت شبانا في ما اعتبر شتماً لرئيس الجمهورية ميشال سليمان(ابان وجوده في الرئاسة) ومساً بهيبة الدولة، أثارت قضية الشاب ميشال الدويهي اخيراً الرأي العام إذ وضعت المسألة في اطار التحريض الطائفي والمس بهيبة الدولة، وعلى ما يظهر لن تكون الاخيرة قضية الصحافي محمد نزال الذي صدر بحقه الحكم بالسجن ستة اشهر على خلفية موقف من القضاء اللبناني.

وهنا يبرز السؤال عن المحاسبة على الاراء والاستنسابية المعتمدة والاختلاف في المرجع المحاسب، خصوصاً كون وسائل التواصل تزخر بمئات الصفحات التي تحوي سيلاً من الشتائم والصور المسيئة لمؤسسات رسمية وقضائية وأمنية ودينية. فهل هناك مراقبة لهذه الصفحات، ولماذا لم يتم استدعاء المسؤولين عنها وهم معروفون بالاسم، وهل تعتبر صفحة الفايسبوك الشخصية مساحة عامة تخضع للضوابط نفسها الخاصة بوسائل الاعلام التقليدية وتسري عليها تاليا فقرات قانون المطبوعات، ام هي صفحة شخصية تمثل مواقف صاحبها وبالتالي يسري عليها القانون الجزائي، واذا كان هذا الاساس ما مدى الحرية الشخصية فيها؟ وهل من خلل في القانون في هذا الاطار؟

 

وسائل التواصل الاجتماعي و"الخلل"

يعترف رئيس جمعية انماء المعلوماتية القانونية في لبنان القاضي فوزي خميس بـ "وجود خلل في موضوع وسائل التواصل الاجتماعي اذ ان قانون العقوبات اللبناني النافذ جرى وضعه في الاربعينات من القرن الماضي عندما كانت المعلوماتية تعتبر من قصص الخيال العلمي، وخصوصاً ان التعديلات العديدة التي أدخلت على هذا القانون لم تلحظ لغاية تاريخه اي ذكر لهذه القضية". ويشير في حديث لـ"النهار" الى ان "التعاطي مع هذه الاشكالية تعود للقاضي واجتهاداته وعليها يحيل القضية على محكمة المطبوعات او يسير بالقضية حسب قانون العقوبات اللبناني"، مشيراً الى "اختلاف في وجهات النظر بين القضاة في هذا الشأن، فمنهم من أصدر حكمه بحسب قانون المطبوعات، فيما أصدر آخرون أحكامهم بحسب قانون العقوبات".
وفي رأي خميس يستند القضاة عادة على المادة 209 من قانون العقوبات الذي يشير الى العلنية بالنسبة للاراء على مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا شيء متوفر بالفعل اذ في امكان الجميع مراقبتها والتفاعل معها ولو كانت الصفحة شخصية، لافتاً الى ان العديد من قضايا القدح والذم في المحاكم يستند على انها حدثت علنًا وهذا متوافر ايضاً على وسائل التواصل".

ويضيف: "يمكن ايضا للقاضي ومن خلال نصوص قانون العقوبات معاقبة المتهمين بارتكاب جرائم المعلوماتية التي تحصل بواسطة نشر مواد او صور او توجيه رسائل الكترونية على شبكة الانترنت من شأنها مثلا اضعاف الشعور القومي او اثارة النعرات العنصرية او المذهبية في زمن الحرب او عند توقع نشوبها (مادة 295 عقوبات وما يليها) او تحتوي على قدح وذم او تحقير لاحد رجال السلطة العامة (المواد383 لغاية 389) او لاحد الافراد (المواد 582 لغاية 589 عقوبات)، او تهديد بجناية او بجنحة (المواد 574 لغاية 578 عقوبات) او تشكل تعرّضًا للآداب او الاخلاق العامة (المواد 531 و532 و533 عقوبات".

 

تحرُّك النيابة العامة

ويوضح ان "في إمكان النيابة العامة التمييزية التحرك وحدها في ما يختص بالمواد المنشورة التي تنال من هيبة الدولة او #رئيس_الجمهورية والاجهزة الامنية والرسمية، او بناء على ادعاء شخصي فيما الجرائم التي تختص بالقدح والذم او ما يتعلق بالافراد فتتحرك فقط بناء على ادعاء شخصي. الاستنسابية في التحرك وعن الاستنسابية في تحرك النيابة العامة وخصوصاً ان هناك آلاف الصفحات التي تنشر هذه الامور".

يؤكد خميس انه "ليس لدى النيابة العامة امكانية او قدرة لرصد ما ينشر كافة، ان الموضوع الذي يحدث ضجة او بلبلة او لفت انتباه تتحرك للتحقيق به".

لا يرى خميس في "قانون المطبوعات بصيغته الحالية افضل من قانون العقوبات، فالاثنان احكامهما متشابهة تقريباً ،انما الفرق في قانون المطبوعات هو خلوّه من التوقيف الاحتياطي"، مشدداً على ان "الحل الوحيد هو اصدار قانون جديد لتشريع المعاملات الالكترونية، وهذا ما تطالب جمعية انماء المعلوماتية القانونية في لبنان وهو عالق منذ سنوات في مجلس النواب".

اشكالية جديدة تضاف على اشكاليات عديدة تعتري نظامنا القضائي اللبناني، الذي يثبت يوماً بعد آخر انه في حاجة الى إعادة نظر في اغلب مواده لتصبح مواكبة للتطور الحاصل في العالم، مع عدم اغفال ان مواقع التواصل الاجتماعي لم تعد غرفة مقفلة انما فضاء عام ويجب التعاطي معه على هذا الاساس اذ ان بين الحرية والتشهير شعرة صغيرة فاصلة.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard