الحقيقة وراء قرار البابا في بطلان الزواج بالمحاكم الكاثوليكيّة

5 تشرين الأول 2015 | 15:29

المصدر: "النهار"

استبشر المؤمنون المسيحيون خيراً عند انتخاب البابا فرنسيس على رأس الكنيسة الكاثوليكيّة في العالم، وبات البابا الآتي من القارة الأميركيّة الجنوبيّة، من الأرجنتين تحديداً، الأمل بفجر جديد للكنيسة. أصبح أب الفقراء وتحوّل مثالاً في العفّة والزهد والمحبّة، نتيجة التعديلات التي أدخلها على التقاليد البابويّة، مبقياً على الصليب الحديد في عنقه رافضاً استبداله بالذهب، مرتدياً زيّه الأبيض البسيط، ناهيك بتواضعه في التعامل مع المرضى واختلاطه بالفقراء وتعاطفه مع البائسين. لقد حقّق شعبيّة جنونيّة وبات نموذجاً ثورياً في مكافحة الظلم والفساد.

أمام طيبته في التعامل مع الأطفال والفقراء والمعوزين، برز حزم البابا فرنسيس في التعاطي مع العاملين داخل الفاتيكان، إذ منذ توليه حبريّته عام 2013 بدأ مسيرة إصلاح الكنيسة والقضاء على الفساد التي ينتهجهه كارادلتها وأساقفتها. ألغى المكافآت التقليديّة التي تدفع للموظفين وتقدّر بملايين الدولارات، وتبرّع بها للجمعيّات الخيريّة. كفّ النفوذ الإيطالي عن الفاتيكان وعيّن مستشارين من القارات الخمس. أطلق التدقيق المالي في الكرسي الرسولي ودولة الفاتيكان. اتخذ إصلاحات في الهيكليات الكنسيّة وأهمّها الكوريا الرومانيّة أي الجهاز الإداري والتنفيذي والاستشاري الذي يساعده في إدارة مهامه المختلفة، وهو ما يعتبر من أبرز الخطوات في القرون العشرة الماضية. أطلق التبشير بروح عصريّة. أكّد سياسة عدم التسامح في ملف التحرّشات الجنسيّة بالأولاد في المؤسّسات الكاثوليكيّة. عزّر دور المرأة في الكنيسة. أطلق ثورة الفقر بين الأساقفة والكهنة والرهبان بعد تفشي مظاهر الترف بينهم. ورفض إطلاق الأحكام المسبقة وفتح ملفات حسّاسة مثل زواج المثليين وتحديد النسل وأخيراً الطلاق الكاثوليكي.

نشرت إذاعة الفاتيكان مطلع الشهر الحالي قراراً صادراً عن البابا يقضي بإصلاح المراسيم الكنسيّة لبطلان الزواج، خصوصاً في ما يتعلّق بالمعاملات والممارسات القضائيّة من دون المسّ بمبدأ عدم انحلال الزواج، وقد أدرج هذا الموضوع في برنامج عمل سينودس الأساقفة المقبل حول العائلة.

تفسير القرار
كيف يفسّر هذا القرار؟ هل فعلاً سهّل وشرّع الطلاق الممنوع في الكنيسة وجعله مجانياً؟ من المعلوم أن القوانين الكنسيّة لا تبيح الطلاق، وإنّما هناك حلّان يمكن الزوجين أن يلجآ إليهما متى استعصى عيشهما معاً، أولاً الهجر الذي لا يلغي سرّ الزواج ويُعتمد في حالة الزنا أو عندما يشكّل عيش الزوجين معاً خطراً على أحدهما أو على الأولاد، علماً أن الهجر يتيح للزوجين إمكان التصالح وعودة الواحد إلى الآخر، وثانياً بطلان أو فسخ الزواج الذي يستوجب وجود سبب مبطل بحسب القوانين الكنسيّة ومنها عدم القدرة النفسيّة على الالتزام بالحياة الزوجيّة، التلجئة بالنسل أو الديمومة أي أن يظهر الفرد عكس ما يضمر فيما يتعلّق برغبته في الإنجاب، الزواج المعقود وفق شرط، الزواج الذي يحمل غشاً وخداعاً في الصفة، الزواج في الإكراه أو الخوف الاحترامي الذي يفرضه الأهل على أولادهم، إضافة إلى الزواج الذي يقرّر ولا يكون مكتملاً أي تقرير الزواج من دون إتمام العلاقة الجسديّة وهو فسخ يقرّره الحبر الأعظم شرط التأكّد من عذريّة المرأة. مع العلم إلى أن من يأخذ حكماً ببطلان الزواج يصبح حرّاً ويمكنه أن يتزوّج ثانية، عكس من يحصل على قرار بالهجر الذي يبقى زواجه معقوداً.

يقول رئيس المركز الكاثوليكي للإعلام الأب عبده أبو كسم لـ"النهار": "ينصّ القرار على تسريع إجراءات ومعاملات بطلان الزواج وليس تسهيلها، إضافة إلى استفادة الأزواج من معونة قضائيّة". ويشرح أبو كسم: "سابقاً كان ملزماً على الزوجين أن يحصلا على حكمين مطابقين لإقرار بطلان الزواج، أي يصدر حكماً في محكمة البداية ببطلان الزواج ثمّ يستأنف تلقائياً ويثبّت بحكم ثانٍ مطابق. بعد صدور قرار البابا، أصبح كافياً الحصول على حكم أول في محكمة البداية لتثبيت بطلان الزواج، إلّا في حال استأنف أحد الطرفين الحكم وهو ما يسرّع إجراء بطلان الزواج، إضافة إلى استفادة البعض من المعونة القضائيّة التي يقرّر قيمتها القاضي وفق تقرير الخبيرة الاجتماعيّة، فتخفّض رسوم المحكمة إلى النصف أو الربع أو يمكن إعفاؤه منها نهائياً".

انعكاساته الماديّة
لإجراءات بطلان الزواج آليّة طويلة وفق ما يؤكّد المحامي المتخصّص بالقانون الكنسي إيلي رحمة لـ"النهار": "بداية تحوّل الدعوى من المطرانيّة إلى المحكمة بعد فشل محاولات الإصلاح بين الزوجين، التي تحاول في الجلسة الأولى أيضاً إتمام مصالحة بينهما، وفي حال فشلها، يستمرّ النزاع القضائي أمام المحكمة فتجري تحقيقاتها إلى حين إصدار حكم البداية، ومن ثمّ تثبيته في الاستئناف إجبارياً".

لقد وفّر القرار الجديد الوقت وخفّض تكاليف الاستئناف من دون إلغاء الرسوم كاملة التي تقتطع لدفع رواتب العاملين في المحاكم الروحيّة المسيحيّة، بحسب ما يؤكّد رحمة: "في المحكمة المارونيّة تبلغ رسوم بطلان الزواج مليون ليرة لبنانيّة في البداية ومليوناً آخر في الاستئناف، وفي المحكمة الكاثوليكيّة تصل إلى مليونين و400 ألف ليرة لبنانيّة في البداية ومثيلها في الاستئناف، فيما تبلغ الرسوم مليون و250 ألف ليرة لبنانيّة في محكمة البداية لدى الكنيسة الأرمنيّة الكاثوليكيّة ومثلها في الاستئناف، إضافة إلى أتعاب المحامي. أمّا الآن فلم يعد مقدّمو دعاوى بطلان الزواج ملزمين باستئناف الأحكام الصادرة عن محكمة البداية والاستحصال على حكم مطابق لتثبيت البطلان، وهو ما يستلزم بين الثلاثة والستة أشهر، ويعتبر توفيراً لوقتهم ومالهم".

متى تسري مفاعيل هذا القرار؟ وكيف يمكن توصيفه؟ القرار الصادر عن البابا هو مجرّد رسالة ولم يرتقِ إلى قانون بعد، بحسب ما يشير رحمة، ويضيف: "سرى مفعول القرار مع بداية السنة القضائيّة، ولكنّه لا يتحوّل قانوناً إلّا بعد ثلاث سنوات من بدء تطبيقه، إذ تُعتبر فترة تجريبيّة". أمّا الأب أبو كسم فيقوّم القرار قائلاً: "من إيجابيّاته تسريع معاملات الناس فقط، ولكنّ يُخاف من أن يتيح للطرفين المتنازعين الاتفاق على الأسباب المبطلة للزواج للحصول على البطلان. الأكيد أننا بحاجة إلى سنة على الأقل لدراسة إيجابيات القرار المذكور وسلبياته".

Viviane.Akiki@annahar.com.lb

Twiiter: @VIVIANEAKIKI

 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard