اللحظات الأخيرة لطفل الغرق الذي قتلنا

3 أيلول 2015 | 18:31

المصدر: "النهار"

مسح الموج وجه الصبي، نظر في عينيه الرقيقتين، وتركه هامداً على الشطّ. كان على الموج حين تصيبه اللعنة أن يكتفي بسلب الطفولة حذاءها، ويُبقي على وجه الصغير يضحك. ليس الغريق على الشطّ كأطفال اللهو يُعمّر قصراً من رمال ثم بضربة واحدة يسوّيه أرضاً. الشطآن لغير الملوحة في عينيّ الطفل والاختناق في روحه وهمود الجسد. الشطآن للأفراح وتسالي الوقت ولمغامرة يرويها لاحقاً للماما. صغار سوريا المعذّبون ضحايا الشطآن والبحار ومصائر الغرق. تقذفهم الأمواج نحو الأسى والوحشة. غريبٌ أنتَ يا بحر. لا أعرفكَ أنا الجسد الطريّ الأشبه بعشبة. لم ألعبْ يوماً على رمالك. لم أحترقْ بشمسكَ فتغضب أمي وتأمرني أن أعتمر القبّعة.

مياهكَ باردة يا بحر. أبْعِدها بعض الشيء مني. قُل للمياه أنّ جسد الأطفال يستحقّ مَرَح الصيف. يُحبّ ارتطام الصخر الذي يجعله يضحك وإن آلمته قدمه. صَفْع الموج فيما هو ساكنٌ، غير محبَّذ. حسبتُكَ ستتروّى يا بحر، لكنّك توحّشت. حسبتُك ستترك فيَّ صورة السمكة وأنا أحاول التقاطها من دون أن أنجح. أو صورة الموج وهو يقترب مني فيُشعرني برعشة. لم تترك لي شيئاً يا بحر. قتلتني واستمرّيتَ تهدر كأنّكَ لم تقترف جرماً. خنقتَ أنفاسي ولم تعاقب الموج. كُن قاسياً وإنما دَعِ الأطفال لا يجرّبون القسوة.

طفل الغرق يختنق. هاربٌ آخر من مأساة إلى مأساة. لم تُبقِ له #سوريا سوى مركب هشّ خذلته الموجة. أوطان تورّث أبناءها ندبة عنيدةً كالأحمر الذي يلبسه الطفل. الأحمر المُعذِّب لأنّ الموت اكتفى بقهر الجسد. ثمة ما يخفّف عن الطفل أوجاع الاختناق ويحمل الروح إلى السكينة من غير جلجلة. ذلك لُطف الطبيعة على البراءة وعنايتها بالأحلام الجميلة. طفل الغرق يلفظ النَفَس الأخير بعدما ملأ البحر الروح ملوحة وخطف ألوان الحياة. يصبح الطفل رقيقاً بخفّة قُبلة. يطفو على الشطّ كاللآلئ الآتية من الأعماق. اللآلئ الحزينة المدهشة. وحيداً مثل عصفور هجَّ من الدفء إلى البرد. ليست الطبيعة قاتلة العصافير بل خبث البشر. عصفورٌ على الشطّ انطفأت تغريداته. تسرّبت إليها العتمة. هَمَد كإنسانية بلا ضمير. كان البحر ليبلتع حذاءه ولم يفعل. بهذا الحذاء قتلنا. نحن الموتى قُتلنا بحذائه.

fatima.abdallah@annahar.com.lb 

Twitter: @abdallah_fatima

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard