يوسف سعد في ذاكرة حمانا.. تعبير مسرحي عن معاناة اللبنانيين

9 أيار 2015 | 16:45

"بطلت بيوتنا النا يا سمعان...". تختصر هذه العبارة في مسرحية السلم كل مأساة جيل لبناني شاب عاش كل أشكال المعاناة واستمر في الإبداع والأمل.

يوسف سعد، الذي عرفه اللبنانيون مؤلفًا ومخرجًا على خشبة فقيرة في زمن سقط فيه المسرح في فخ شباك التذاكر، أصابته قذيفة في 25 نيسان 1990 وهو يستعرض مع مسؤولة قرى الأطفال مشاريع تتعلق باستمرارية المؤسسة في ظروف صعبة. المؤلفات التي تركها من مسرحيات وقصائد وخواطر ومقالات نقدية وفنية تتفجر حياة.

لم يكن يوسف سعد ناقلاً أو مقلدًا، كتابته هي ثمرة ثقافة عميقة ومعاناة. انه يدخل في عمق الازمات التي يعانيها الجيل الجديد.

يوسف سعد جزء من ذاتنا ومعاناتنا واحلامنا. اختصر في مسرحية الولادة حالة الرجاء والانتظار. يذكر يوسف سعد بنحاتي الكاتدرائيات الذين حفروا الانجيل على الحجر بتواضع العمال البسطاء ولم يسجلوا اسماءهم على هذه الروائع.

شهداء الحواجز والمعابر، وشهداء الفكر والقلم، وشهداء الحرية والمعاناة، وشهداء التواصل بين اللبنانيين هم رموز المستقبل. ان لم تترك فينا هذه الرموز صدمة نفسية، صدمة التوبة القومية، نكون شعبًا بلا ذاكرة.

نشرنا أعمال يوسف سعد، ليس لتخليد بشري زائل، بل لنا جميعًا ولأولادنا ولذاكرتنا الجماعية ولهذه المنطقة لكي يكون لها تاريخ ولكي لا تتكرر آلام الماضي كما لدى الشعوب التي لا تتعلم.

اذا استحكمت فينا عقدة نقص، واخذنا من الغير مسرحيات بدون تبصر، نكون مسؤولين عن هذا الاغتراب لأن تراثنا، مهما كان متواضعًا، تركناه في الصناديق. واذا كررنا بعد سنوات تجاربنا العبثية في لعبة الهزيمة والانتصار على بعضنا البعض ولصالح الغير نكون نحن ايضًا مسؤولين لأننا لم ننشر ونعمم في ادراكنا ما انتجته المعاناة. يوسف سعد صورة حية لهذه المعاناة. ليس يوسف سعد من الشهداء الذين قاتلوا. انه من الشهداء الذين عانوا وماتوا بسبب الحروب والذين هم رموزنا في المستقبل كي نعلم ونتعلم ان الحروب عندنا تقتل الأبرياء وتستهدف الصمود.

لن نبحث في الفكر والثقافة على المستوى العام بعد الآن تهربًا من مجابهة أعمالنا وممارساتنا في القرية والمدينة والبلدة والجمعية والمدرسة والجامعة... تبدأ الريادة الفكرية من النواة الصغيرة وتمتد.

تدور أحداث مسرحية السلم في حانوت على الاوتوستراد خلال مرحلة من الحروب في لبنان حيث كان السكان يهربون من بعض المناطق الى مناطق أقل عرضة للقذائف. في هذه المسرحية، اللتلته، والقال والقيل، والمسايرة في أمور مبدئية، وصورة الآخر المشوّهة في ذهن كل واحد منا. في أحد مشاهد مسرحية السلم حوار عفوي في دكان جريس بين لبنانيين، واحد من كسروان وآخر من عاليه، حيث تبرز صورة الآخر وما يتخللها من مسائل تتعلق بالمهجرّين والأمن الذاتي وفقدان روح التضامن.

واقعية غرائبية، بهذا التحديد تختصر مسرحية كلاسيك مودرن ليوسف سعد. المسرحية تعود في الزمن أربع سنوات الى الوراء. تتناول اللخبطة في كل شيء وحتى في المسرح. استمدها الكاتب من واقع الحياة الذي يتمثل في ثلاث: الحياة اليومية التي اعتاد عليها الناس، الواقع الذهني، الواقع المسرحي. من خلال تداخل هذه الوقائع، تتولد الغربة. لذلك يرفض يوسف سعد في كلاسيك مودرن التصنيف. يسعى الى اعتماد مبدأ تداخل الأشياء مع بعضها البعض. نرى مثلاً مشهدًا من مكبث لشكسبير الى جانب مشهد آخر من المسرح الحديث.

أما العبد، فهي مسرحية صغيرة، بنصها، بعدد شخصياتها، بصفحاتها وبديكورها. انها علاقة قامع بمقموع، تنتهي دائمًا بمسخرة. ولكن المسخرة – وهنا خطورة الفكرة وقسوتها – تأتي دموية قاتلة! يتساءل يوسف سعد: "ربما الخلاص لا يكون الا خياليًا، وكل عمل فني في النهاية هو خيال او صورة معكوسة عن الحقيقة (...). كان هاجسي، اخراجيًا، بناء مناخ يومي في حوار عادي للوصول الى غرائبية تنبع من جراء المناخ ذاته (...) كل ما يحيط بنا من واقع ملموس يبدو أقرب الى اللامعقول منه الى المعقول".

مسرحية وين الفرح هي من سبعة فصول وخاتمة. وضُعت بهدف البحث عن الفرح. تلتقي شخصيات المسرحية في شبه طريق عامة هي في الحقيقة خشبة المسرح. البحث عن الفرح جاء نتيجة معاناة دائمة يعيشها كل إنسان في بحثه عن فسحة للتنفس. وُضِعت أساسًا ليلعبها بعض تلامذة البكالوريا ثم تحولت الى مسرحية تقدم لكل الناس. كتبت على دفعتين: الأولى سنة 1971 والثانية سنة 1981. أين المعضلة؟ ان الانسان يبحث عن الفرح في حين ان الفرح هو في داخل كل انسان، في ذاتيته المنفتحة على الحب.

"هل تبقى كل هذه الأوراق في الصناديق أم تنشر يومًا؟" طرح يوسف سعد هذا التساؤل على ليلى التي تولت جمع قصص ومسرحيات وكتابات المؤلف الشاب لنشرها في مجموعة كاملة.

قرابتنا الأعمق الى يوسف سعد، قرابة الفكر والروح، هي التي دعت للعمل من أجل نشر اعمال يوسف سعد.

لم نكن نظن أنه بالرغم من ظروفه الحياتية في سنوات الحروب، ومشاغله العديدة واليومية في مؤسسة قرى الأطفال، استطاع كتابة كل هذه الأوراق المصفوفة منها والمبعثرة.

تُظهِر لنا غزارة انتاج يوسف سعد أنَّ غنى الحياة ليس في عدد سنوات العمر بل في كثافتها. قصة قصيرة جدًا تعبر عن مفهومه للحياة التي يجب تكثيفها بدل رتابة تراكمها.

يُعبر الكاتب الفرنسي ميشال فينافير عن الجوانب المتعددة في مسرح يوسف سعد. ينطبق على مسرح يوسف سعد ما كتبه في قصته القصيرة "جدًا". يقول ميشال فينافر عن بطل هذه القصة:

"كان يشعر بأن ما كتبه مهم وواقعي، خصوصًا أنه نابع من وضع لبناني محض وصميم، لا كمعظم المسلسلات المعروضة (...). حاول رسم الشخصيات كما هي، بلحمها ودمها، بانتمائها الى محيطها. حتى الحوار كان مُستقى من طريقة الكلام العادية اليومية الواقعية. على الأقل، قصتي تنتمي الى واقع معين، الى محيط محدد، الى وطن، كان يقول لنفسه...">

يوسف سعد جزء من ذاتنا ومعاناتنا وأحلامنا. اختصر في مسرحية الولادة حالة الرجاء والانتظار.


آثر يوسف سعد أن يبقى في الظل، فلماذا ننشر كتاباته؟ وما الفائدة من ذلك بالنسبة الى قلوب حزينة لغيابه؟

لسنا من هواة الكتابة والتأليف وقد مللنا منهما. تنشر اعمال يوسف سعد لأهداف أبعد من الخلود الزائف.

من عرف واحب يوسف سعد لا يقبل على نفسه أن يموت يوسف سعد مرة ثانية بترك أوراقه في الصناديق.

من عرف وأحب يوسف سعد لا يقبل بموته مرة ثانية بالنسبة الى ولديه اللذين لم يتسنى لهما التعرف على والدهما. لا تقوم التربية على الوعظ والارشاد بل على الذكرى والمثال. مؤلفات يوسف سعد شهادة حية لولديه ليعرفا والدهما الذي يحتاجان اليه والى فكره وخلقيته وابداعه.

ومن عرف واحب يوسف سعد لا يقبل، إن كان ابن حمانا، ان يميت في هذه الضيعة المدينة مظهر فكر وإبداع. ليست الأرض ترابًا ومنازل وكرزًا وتفاحًا...، بل أيضًا تاريخًا وفكرًا وثقافة. من لا يقدر أهمية المعرفة وامتلاكها لا يزال يعيش في زمن غابر.

وإذا استحكمت فينا عقدة نقص، وأخذنا من الغير مسرحيات بدون تبصر، نكون مسؤولين عن هذا الاغتراب لأن تراثنا، مهما كان متواضعًا، تركناه في الصناديق.

وإذا كررنا بعد سنوات تجاربنا العبثية في لعبة الهزيمة والانتصار على بعضنا البعض ولصالح الغير نكون نحن أيضًا مسؤولين لأننا لم ننشر ونعمم في إدراكنا ما انتجته المعاناة. يوسف سعد صورة حية لهذه المعاناة.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard