إسمي أحمر وألوان سواها

30 نيسان 2015 | 21:00

لا يحتاج أورهان باموق إلى كثير من التقديم. جعل الكاتب التركي المعاصر الذي جاور السياسة والتطرّف وتمهّل عند فسحات التسامح، الأدب حجة مناسبة للتأمل في مخاوفنا سعياً منه لحثنا على تجاوزها، وإن لم تكن الساعة الراهنة للحوار أو التآلف.

ربما نميل إلى عدّ الظفر بجائزة "نوبل" الآداب أرفع طموحات الكتّاب، غير ان باموق تخطاها ليتعلق حلمه المُجهض بتعبير آخر أقام خارج سياق التأليف. لم يفِ باموق الرجل لطموح باموق الطفل الذي ظنّ فن الرسم طريقه إلى السعادة، وهذه فكرة محورية يدوّنها في مطلع مقال له نشر أخيرا في "ذي غارديان" بالإنكليزية وكان كتبه بنسخة أولى تركية. إمتهن باموق التأليف عوضا من الرسم، غير ان الشغف البكر ظلّ يطارده إلى عتبة محترف الرسام والنحات الألماني انسيلم كيفر، الذي جاءه أخيرا كالمبتدئين الهواة، حاملاً مجموعة من رسومه، في جيبه. كان باموق إلتقى كيفر مرة أولى في سالزبورغ في 2008، لكنه أطلّ أخيرا ولأول مرة على محترفه الفرنسي بدعوة من صاحب الصالة حيث عرض أعماله.

في مقال "ذي غارديان" إستعادة لهذا التماس، وصف بأسلوب متأن للقاء إنتظره الكاتب وخشيه في آن.

لا يتردد باموق في الإشارة إلى مشاعر تأرجحت بين الغيرة والندم كلما وجد نفسه إزاء عمل فني من مستوى أعمال كيفر. تآكله الشعور بأنه بدّد حياة كان مرصودا ليعيشها. فأي تصريح أشد مباغتة وقسوة من هذا؟ يبيّن باموق قدرة لافتة على أخذ مسافة من مكانته ومن مساره وموهبته أيضا بغية التواضع إزاء منجز آخر تم بأدوات أخرى ويقاربه أعلى قيمة من كل ما أصدره. ليس هيّنا أن يكتب صوت أدبي مرجعي مثل باموق "ان حلم تقليد كيفر، أو في الأقل أمل أن أصير رساما مكرّسا في أحد الأيام، ظلّ يعذّبني في إحدى زوايا عقلي، كأنه إثم تمنّيت أن أنساه". ليس عرضيّا أيضا أن يعتبر جداريته التأليفية أقل إرضاء له من العمل الفني البصري وأن يعلن ان الفن "ظلّ وعدا لسعادة مستقبلية عوضا من أن يكون أمرا يسعني التمتّع به في الحاضر".

يصرّ باموق في نصه على الإدعاء انه افتتن بالفن للفن. غير انه وفي سياق تشريح إرتباطه بالرسم يعرّج مرات عدة وفي كل مفاصل النص على الأدب، بل ويحاول أن يبرّر صلته العضوية بكيفر من طريق الكتب تحديدا. كأن يؤكد مثلا أنه وفي سياق جماليات كيفر تشبه الكتب المقدسة النصوص التي تتضمنها، ليزيد أن فنّه يعبر عن ذلك من طريق التشديد على "الطابع الشيئيّ" للرسائل والكلمات والنصوص.

حين كان باموق في طريقه إلى المحترف، شعر بتوتر معطوف على حماسة قصوى كأنه فتى يقصد دار السينما لأول مرة. لا يخفي باموق أنه كان ينقّب عن مشاعر غير مسبوقة، عن أحاسيس متطرفة تدفعه ليتخلّى عن الكتابة لمصلحة التفرّغ للرسم. حين التقى باموق بأعمال الفنان في بيئتها، إي في المحترف، كتب ان الطفل داخله راح يردّد ان الوقت لم يفت، وأنه لا يزال في وسعه أن يصير رساما. نقرأ "غير ان الرجل الراشد، الرجل السعيد والراضي حاول أن يُذكّر "الأنا" بأنها تنجز من خلال الروايات، ما ينجزه كيفر فنيّا".

جلس باموق إلى جانب كيفر خلال العشاء الذي تلا زيارة المحترف وظلّ مترددا. هل يخرج من جيبه الرسوم الصغيرة التي أنجزها ويخضعها لعين الخبير أو يترك الفنان القابع فيه أسير الغفليّة؟ خشي أيضا أن تكون اللحظة غير ملائمة لمقاطعة كيفر المنشغل عنه في مسامرة ضيوفه. ليذهب باموق بعيدا في تخيّل اللحظة قبل حدوثها كاتبا "سيهزأ مني الجميع. سأبدو سخيفا تماما مثل الجندي في رواية توماس مان "تونيو كروغر" الذي يقف خلال عشاء رسمي مكتظّ بالضيوف ليتلو شعره". لكن كيفر سحبه من أفكاره، على ما يخبر باموق. نظر في اتجاهه ليبدو خجولا ومليئا بالشكوك. قال له الفنان الألماني " أتعلم اني ألّفتُ كتابا؟" ليزيد "أريدك أن تقرأه". استفهمه باموق "ما عنوانه ومن نشره؟" "عنوانه "دفتر الملاحظات". لكنه لم ينقل إلى الإنكليزية".
تلا الإعلان صمت مديد شعر باموق في اعقابه انه بات يحبّ كيفر أكثر من قبل ذلك انه فنان عظيم وشخص عميق أيضا.

في روايته "إسمي أحمر" تحدّث باموق عن الرسم كصمت الذهن وموسيقى النظر، ليجعل الرسم أستاذ الأدب في مجال الوصف. وفي الفصل الأول من الرواية عينها نقرأ نثرا يستعير الكثير من التصوير والألوان وألعاب الظلّ: "قبل ولادتي كان ثمة وقت لا ينتهي، وفي أعقاب موتي، صار الوقت بلا حدود. لم أتأمّل في ذلك من قبل: كنتُ حيّا على نحو منير وإنما في وسط أبديّتين من العتمة".
ليس من باب الصدفة تاليا أن يجعل اللون الأحمر إحدى شخصيّات نصه الروائي المحورية وأن يترك له الكلمة ككائن مكتمل الأوصاف. لم يترك باموق فرصة تأليفية سانحة ليجعل الفن البصري جزءا من المشهد العام. أراد أن يبرهن جهرا أو مواربة أن للأديب أكثر من عينين، وأن عينه الثالثة المتبصرّة تشكيلية أولا وأخيرا.

roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard