عندما صار اسمها 15!

3 نيسان 2015 | 10:55

المصدر: "النهار"

إنها الرقم 15. هكذا عُرفت وتميّزت عن غيرها. رقم يُعبّر عن مأساة كبيرة عاشتها، قبل أن تصنع نجاحاً من الأسى. إنها نادين الفتاة الصغيرة التي وُضعت في سنّ السابعة في الميتم مع شقيقها الأصغر ناجي. تُرك الطفلان في المركز الداخلي لدار الطفل اللبناني في جوار البواشق، فكانت جدران الميتم الباردة والموحشة التي أوتهما أكثر من عشر سنين، أدفأ من حضن والدتهما وأرق من يديّ والدهما. هناك كتبت نادين فصول قصّتها.

عندما تركانا من غير اكتراث
انتقل الولدان إلى دار الطفل اللبناني بعد انفصال والديهما، فالوالد مدمن وعنيف والوالدة لا حول ولا قوّة لها. هناك في جوار البواشق تخلّص الولدان من الضرب والتعنيف ولكنّهما عاشا أقسى التجارب. الانتقال إلى منزل داخلي لم يكن سهلاً عليهما، في اليوم الأوّل كان ناجي يسأل شقيقته الكبرى، أين نحن؟ لماذا نحن هنا؟ أين ماما وبابا؟ أسئلة كثيرة لم تجبه عنها، كيف ستجيب وهي تدور في رأسها أيضاً من غير إجابة.

في نهاية كلّ أسبوع كان الأولاد يعودون إلى منازل ذويهم، يركبون الباصات باتجاه الأوتوستراد الساحلي حيث ينتظرهم أهلهم، إلّا نادين وناجي، كانا ينزلان بعد ظهر الجمعة، يريان الأولاد وهم يذهبون مع أهلهم، يفتشان عن والديهما بين المارة والسيّارات ولا يعثران عليهما، فيعودان أدراجهما في مساء الجمعة نفسها إلى المنزل الداخلي. تقول نادين لـ"النهار": "بعد فترة علمنا أن والدينا تزوّجا مجدّداً، وأصبح لكلّ منهما عائلة جديدة يعتنيا بها. زوج والدتي لم يسمح لها برؤيتنا، أمّا زوجة والدي فكانت تضربنا وتعذّبنا وتحرمنا من الأكل في المرّات النادرة التي كان يأخذنا فيها، إلى أن توقف عن ذلك. عندئذ قرّرت التأقلم مع حياتي الجديدة في المنزل الداخلي، لقد تركانا وأكملا حياتهما، لقد حان الوقت لأعيش حياتي".

"البنت اللي ريحتها ديتول"
الحياة في المنزل الداخلي ورغم قساوتها كانت أفضل لنادين من العيش في منزل والديها، المستقبل الذي أسّست له في ذلك المنزل، والأحلام التي بنتها ما كانت لتتحقّق في مكان آخر، تتابع نادين: "لم تكن الحياة في المنزل الداخلي سهلة، لقد عشنا مراحل صعبة، كنت أستيقظ صباحاً أنظّف الغرفة وأرتّبها، أتناول الفطور وأنظّف الحمّام، ثمّ أتوجّه إلى المدرسة. كان الأولاد يصلون مرتاحين من منازلهم فيما أصل ورائحة "الديتول" تفوح مني، حتى بت أعرف بالفتاة "اللي ريحتها ديتول"، أو بنت الـAFEL".

"ساعدونا كثيراً في المنزل الداخلي، واهتموا بنا، تأقلمت مع أسلوب الحياة في الميتم، فهذا هو المكان الذي قدّر لي أن أعيش فيه، وعليّ أن أبني مستقبلي وأن أفكّر في نفسي. صرت أملأ وقتي في القرأة، لقد قرأت كلّ الكتب الموجودة في المركز. يفوق عددها الآلاف. كنت أسهر حتى منتصف الليل لأدرس. "فشيت خلقي" بالدرس. أكملت دراستي الثانويّة ومن ثمّ الجامعيّة حتى الدكتوراه، حتى إنهم تكفلوا بأقساط الجامعة وإيجار الغرفة التي عشت فيها. عشت 11 سنة هناك، تبنوني وساعدوني لأصل بعدما رأوا أنني قادرة على ذلك. لو لم أعش هناك لا أدري كيف كانت ستكون حالي".

ذكريات: صار اسمي 15، هي أخذت مكاني!
في كلّ المياتم أو المنازل الداخليّة يصبح لكلّ طفل أو عائلة رقم، يحاك على ملابسهم وأغراضهم الشخصيّة كي لا تستبدل بأخرى، هكذا أصبح لنادين وشقيقها ناجي اسم واحد جديد، إنه 15، تتحدّث نادين عن هذا الرقم بفخر: "أصبح هذا الرقم اسمي، إنه مميّز، وللمصادفة يطالعني في كلّ أمر جميل وفي كلّ نجاح أحقّقه. لقد قرأت مرّة مقالاً عن "كوكو شانيل" التي عاشت في منزل داخلي، كان رقمها 5، بعدما كبرت صمّمت عطر رقم 5 الذي يُعدّ الأشهر في العالم، 15 هو رقم حظي في الحياة، كان يعبّر عن مأساتي وأنا صغيرة والآن هو كلّ ما في حياتي".

ذكرى أخرى غيّرت مسار حياة نادين ولّدت قرارات كثيرة اتخذتها عندما كانت في سنّ الرابعة عشرة، "لما كنت في البريفيه، كان عليّ الحصول على بعض الأوراق الرسميّة من والدي لأتقدّم إلى الامتحانات الرسميّة، ذهبت إلى منزله مع شوشو وانتظرناه ليأتي. كانت هناك فتاة صغيرة تلعب في أرجاء البيت، إنها ابنته الصغيرة، ما أن فتح الباب حتى ركضت نحوه، فضمّها وحملها وقبّلها وغنجها وأجلسها في حضنه على مرأى مني. في هذه اللحظة شعرت أن لا والد لديّ، وأن لا مكان لي عنده، هناك فتاة أخرى أخذت مكاني، فأخذت قراري بعدم رؤيته مجدّداً".

ركض وراءها ... ثم خرج وبكى
سنوات كثيرة مرّت قبل أن تتصالح نادين مع نفسها، وقبل أن تشعر باكتفاء ذاتي، كانت تحاول إخفاء الماضي، وترتبك متى سألت عن هوية والدها، كان الجرح ما زال ينزف، ولم تكن مستعدّة لتخطّي كلّ الأمور، لكنّها قاومت القدر، كانت تقسو على نفسها لتثبت ذاتها.

تعرّفت نادين إلى فرنسيس، المسؤول الإداري في الشركة حيث تعمل، لم تكن تدرك أن ذلك الرجل المرموق، ابن العائلة المحترمة والنافذة سيقوم بما قام به، تقول: "تعرّفت إليه في اجتماع في الشركة، فهو كان دائم السفر بحكم مسؤولياته. تحدثنا قليلاً قبل أن يكتمل النصاب، تكلّمنا في العموميّات وخضنا في بعض التفاصيل، فأخبرته أنني أحبّ الكتب الدينيّة. في اليوم الثاني وجدت كتاباً عن القديس فرنسيس على مكتبي، ثمّ رنّ هاتف المكتب، كان هو، طلب رقمي الشخصي فرفضت إعطاءه إياه، فأخبرني بأنه يمكنه الوصول إليّ ومعرفة كلّ ما يعنيني. تحدّيته وأغلقت الخط. في المساء رنّ هاتفي، كان هو مجدّداً، ما هي إلّا نصف ساعة حتى دقّ باب البيت، فوجدته يقف أمامي. صُدمت كثيراً. رأيت اهتمامه الكبير، رأيته كيف يركض ليحصل عليّ، فأخبرت ابن العائلة المرموقة عن ماضيّ، وأخذته إلى المنزل الداخلي حيث عشت".

هناك لم يتحمّل فرنسيس الوضع. لم يتمكّن من السيطرة على نفسه بعدما رأى ما عاشته نادين وما مرّت به، "ذهبنا إلى جوار البواشق، وعرّفته إلى المكان الذي كبرت فيه، لم يكن يعلم ما معنى أن يعيش طفل في منزل داخلي. لم يستطع تمالك نفسه، خرج وبكى. لحقته فقال لي إنه تعرّف إلى كثير من الفتيات ولكنّه يريد أن يكمل حياته معي. لم يهتمّ لماضي أهلي والبيئة التي خرجت منها. كان يريد فتاة تبقى إلى جانبه في حال دارت عجلة الحياة. فتاة كافحت ونجحت على رغم أنها لا تملك شيئاً. قال إنه يريدني زوجة له وأماً لأولاده. وفعلاً لقد حارب العائلة والمجتمع من أجلي وتزوّجنا وأنجبنا ثلاثة أولاد. اليوم أعيش حياة رائعة معه، وأهله يحبوني كثيراً".

هل يكون اللقاء الأخير
تصالحت نادين مع والدتها، وأسكنتها هي وأولادها معها، فزوجها الثاني كان قاسياً أيضاً ويضربها، وما زالت تراها حتى اليوم بعدما تزوّجت. لكن لقاءها بوالدها بعد أكثر من 10 سنين لم يكن كما توقّعته، وتقول: "حاول أبي أن يكلمني مرّات عدّة ولكنني رفضت، لم أستطع مسامحته ولا مواجهته. ظللت لفترة معينة ولأيام متتالية أحلم أنه مات وأنني ذهبت إلى دفنه وجلست قرب تابوته وبكيت كثيراً. ذهبت إلى مار شربل وصلّيت وتحدّثت مع الكاهن، فنصحني بأن أزوره وأسامحه. وهذا ما حصل. عند رؤيته وقبل أن نبدأ الحديث بالمواضيع الجدّية، أخرج زجاجة الويسكي. لم أتحمّل المشهد فهربت، وقرّرت ألا أراه مجدّداً".

في تلك اللحظة استعادت نادين ذكريات الماضي، أيّام العذاب والضرب، الليالي التي قضتها وحيدة في الميتم، البكاء الذي لم يسمعه والدها يوماً، الصلوات التي لم تشعر أنه أحسّ بها. تذكّرت يوم كانت تنتظره ليأخذها عن الأوتوستراد مع شقيقها، فيطول الانتظار وتضطر أن تعود أدراجها إلى الميتم، تذكّرت عندما كانت تختبئ تحت السرير وتعدّ للعشرة مئات المرّات علّه يتوقّف عن ضرب أمها. تذكّرت يوم مشت وحيدة نحو عريسها، وكيف سلّمته يدها التي لم يمسكها والدها يوماً. تذكّرت الكثير من المراحل، مرّت ذكرياتها كشريط مصوّر أمامها. لكنها كما العادة، ضمّدت جراح روحها، أوقفت نزيف قلبها، وتمسّكت بحياة بنَتْها مع رائحة الديتول، لتكمل مراحل جديدة تنتظرها مع زوجها وأولادها ...

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard