كيف تمت الاساءة الى قضية الاحوال الشخصية؟

21 آذار 2015 | 09:59

المصدر: النهار

من التحركات للمطالبة باقرار قانون مدني للأحوال الشخصية في لبنان

حين أقدم المحامي سامي الشقيفي، "الفدائي"، بحسب ما وصف نفسه، أوائل الستينيات، على رفع دعوى ضد الحق العام، يطلب فيها شطب اسم المذهب عن بطاقة هويته، وربحها، لم يخلط يومها القضية مع حقه في الزواج المدني او لا، بل خطا هذه الخطوة ايمانا بحركة ديموقراطية علمانية، تعترف باللبناني اولا كمواطن.

والشقيفي الذي يعتبر الاول في هذا المضمار، أهدى كل مكتبته ومؤلفاته، بعد رحيله، الى الناشطة في مجال الحقوق المدنية الدكتورة اوغاريت يونان. مذذاك، كانت يونان تنشر كتبه وتعرّف الطلاب اليه. واليوم، وفي ظل الحديث المتكرر عن تسجيل العقود وخلطها مع قضية الزواج المدني، يتناسى كثيرون ان القضية مختلفة وان جوهر الامر هو ضرورة الاستناد الى قانون مدني للاحوال الشخصية، لا يزال حتى اللحظة غائبا او مغيّبا. والخوف من ان يكون هناك تحوير للقضية الام.

انما هذا الملف لا تزال تعمل عليه يونان منذ الـ 1983، فتشدد دوما على اقامة دولة مدنية تحترم اللبناني كمواطن، لا سيما انها كانت من واضعي مشروع قانون لبناني للاحوال الشخصية يضع اللبناني على لائحة الفرد اولا والذي ينتمي الى الدولة لا الى طائفة او ملّة.
اليوم، ووسط "عاصفة" الزواج المدني. ثمة قلق من ان يتجه "النضال" الى منحى اخر من شأنه ان يضيّع القضية الحق لا بل ان يدفنها، انما يونان تنطلق دائما من اهمية الحب بين شخصين لتقول: " انا لا اقف في وجه اي ثنائي، لان الحب هو الاقوى". هي تدرك جيدا طريقة الفصل بين الامرين، تقول لـ"النهار": " منذ نحو عام، ما يحصل لا يوضع في اطار قضية الزواج المدني انما هو قضية اشخاص قرروا شطب مذهبهم، والمشكلة هي في ربط القضيتين معا".

تشرح: " انا مع حق الاختيار، وبالتالي احترم حق هؤلاء في شطب مذهبهم، وعلى الدولة ان تنظم شؤونهم، في الزواج او الارث او الموت. هنا المشكلة. على الدولة الا تلجأ الى توريط هؤلاء، بعدما بات القانون يسمح بشطب المذهب. هنا المأزق، وبالتالي لا يجوز القول ان هذه القضية هي قضية الزواج المدني، لان النضال في هذا السياق هو في مكان اخر يتمثل باقرار قانون واحد مدني للاحوال الشخصية".

"أتضامن معهم"

واذ ترفض يونان تصوير نفسها على انها فئة من المجتمع المدني ضد فئة اخرى، توضح: " نضالنا منذ اعوام يهدف الى ادخال قانون الى الجمهورية اللبنانية، يعترف بأن لبنان دولة ذات سيادة، ويعرّف اللبناني على انه مواطن لا فرد في طائفة".
وسط ما يجري حاليا، اين تضع يونان نفسها؟ تجيب: " انا اتضامن معهم انما ليس بهذه الطريقة. انا احترم حقوق من شطب مذهبهم، وعلى الدولة الا تورّطهم بآليات معينة، بل ان تفتش عن حلول. ولكن، الخلط بين هذه الفئة والمطالبة بالزواج المدني اساء الى قضية الاحوال الشخصية. والمؤسف، ان بعض المسؤولين اراد ان يخلق صدمة ايجابية عبر تسجيله عقود زواج، مع اعترافه ضمنا بأن ثمة آليات خاطئة، من هنا، ورّطت الدولة هؤلاء وعليها اليوم ايجاد الحلول".

تنطلق يونان دوما من التركيز على اهمية "الاستراتيجية المدنية"، لتؤكد ان هناك دوما "مداخل لاحداث التغيير"، معترفة ان "الحملة الوطنية لاقرار القانون المدني" اصطدمت بالتمديد لمجلس النواب، فأوقفت الضغط المباشر مع النواب، بعد التمديد لهم، انما العمل بقي مستمرا عبر الندوات والجمعيات.
وتذكرّ ان الارضية القانونية للاحوال الشخصية موجودة حاليا عبر مدخلين، الاول مشروع قانون اقر على عهد الرئيس الياس الهرواي ونجح في مجلس الوزراء، انما لم يحل على مجلس النواب. والثاني: اقتراح قانون اعدته جمعية "شمل" وعملت عليه يونان والدكتور وليد صليبي، وسلّم الى مجلس النواب، ووضع على جدول اعمال جلسة للجان المشتركة. كان ذلك في ايار 2011. اذاَ، "القضية ليست تعيسة الى هذا الحد، وان لم يحصل بعد انجازات، بسبب الاخفاقات السياسية".

توجز يونان المشكلة: " نحن اليوم لم نبن بعد بلدا، ولا نزال في مرحلة ما قبل البلد"، لتؤكد: " انا مع حق كل فرد في الا يتسجلّ لدى طائفة، فالقانون يسمح وانا مع حرية الاختيار، وفي الاساس، ينبغي ان نكون جميعا لبنانيين، لكن لا يجوز ان تربط قضية بأخرى، لان ما يحصل مفيد للنظام الطائفي، لا بل ولد من رحمه، لا سيما ان قانون الطوائف اللبنانية حدّد اللبنانيين ثلاث فئات: الاولى من ينتمي الى الطوائف المعترف بها، الثانية من ينتمي الى الطوائف غير المعترف بها، والثالثة من شطب طائفته، ونحن لا نريد خلق فئة جديدة او طائفة جديدة، بل نريد وحدة لبنان وتعريف اللبناني كفرد ينتمي الى الدولة اللبنانية، وينظّم كل احواله الشخصية، قانون واحد مدني".

جمعية "شمل"

على خط متصل، تحضرّ جمعية "شمل" قريبا تحركا من اجل القانون المدني. تقول منسقة مشروع الاحوال الشخصية في الجمعية هلا ابو علي لـ"النهار": " في لبنان اليوم 40 ثنائيا تزوجوا مدنيا، وبالتالي عندهم الحق لدى الدولة بتسجيل عقد الزواج المدني، انما المشكلة هي عند الدولة وليست عند الافراد، وعلى الدولة ان تقدّم الحل، لانه من المؤسف اليوم ان تبقى سلطة مفاعيل تسجيل الزواج لدى المراجع الدينية. هكذا، بكل بساطة، تكون الدولة سلّمت سلطتها التشريعية الى المراجع الدينية او القانون الاجنبي، فيما المطلوب واحد".

وتشرح ان " بعض اللبنانيين يستندون الى القانون الرقم 60 ، فيتسجلون خارح نطاق الطوائف، على الرغم من ان كل سجلاتنا لا تزال سجلات طائفية، فيعتمدون الى اجتهاد قانوني يقر بالقانون المدني منذ ايام الانتداب الفرنسي، وبالتالي يلجأون بذلك الى القانون الاجنبي، فيما تخوّفنا اليوم من ان تقف القضية عند حدّ المطالبة بتسجيل عقود الزواج، فتموت المطالبة باقرار قانون مدني، الا اذا كان ثمة من يريد ان " يبني" الطائفة الرقم 19، وهنا خطورة اكبر تكمن في تعزيز الوضع الطائفي واضافة طائفة جديدة".

والمعلوم ان جمعية "شمل" هي حركة شبابية مدنية، كثفّت نشاطاتها منذ الـ2006، وكان التحرك الاول لها في الـ1998.
بعدها، كرّست تاريخ 18 اذار "يوم حرية الاختيار"، تزامنا مع اقرار مجلس الوزراء يومها مشروع قانون الزواج المدني. ثم اقامت تحركا كبيرا بعنوان: " عرسنا مع وقف التنفيذ". الا انه حتى اليوم، لم تكتمل بعد فرحة العرس!

manal.chaaya@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard