مخرج أفلام "داعش" فاته موعد الطائرة!

23 شباط 2015 | 14:49

المصدر: "النهار"

عندما نبتلى بمصاب جلل يفوق قدرتنا على التحمل الذهني تكون ردة الفعل العقلية هي نكران الواقع بشدة وخلق وهم يرضي قلوبنا المفجوعة، وعندها يدرك من حولنا أننا أصبحنا في حاجة لاستشارة ورعاية نفسية، وهذا ليس بمعيب أو مستغرب فبعض الأشخاص يمتازون بحسٍ مرهف أكثر من غيرهم. ولكن المستهجن أن يصاب أشخاص بداء النكران لكل ما قد يشاهدونه على المستوى المجتمعي أو الدولي لا الشخصي، فيبدون نكرانهم بإطلاق نظريات أراها غريبة مستدلين عليها بدلائل غير واقعية ولا منطقية لدرجة أنها تتعارض مع الملاحظات البصرية البسيطة للحدث كالقول مثلاً:

- ان التصوير في ضوء النهار وليس هناك ظل! في وقت كان التصوير في ضوء نهارٍ غائم ولا أشعة مباشرة للشمس لتصنع ظلاً.

- او ان خطوات الأسرى بلا آثار على الرمل! في وقت تظهر الاثار واضحة تماما كأثار مسير قوافل قريش.

- أو أنه لا توجد أثارٌ لغرس الركب في الرمل بعد وضعية الجثي السابقة لعملية الذبح، بالرغم من أنها واضحة تماماً للعيان، بالإضافة لامتصاص الملابس ماء البحر، ولكني لا أنفي أن هناك غرابة في فيديو "داعش" الليبي الأخير الذي أظهر ذبح مجموعة من الأقباط المصريين توضحها طيات المقال في اختصار.

جديد وقديم الإصدار الأخير لتنظيم "داعش":

ذبح الرهائن من قبل عناصر التنظيم ليس بجديد، فهذا ديدَنَهُم الذي عوّدونا عليه في الفترة السابقة، ولكن الجديد بالنسبة لي كمختص في الإنتاج والإخراج هو تراجع المستوى الفني للفيديو. فالعمل يشترك في جميع إصدارات "داعش" السابقة بجرعة هائلة من الدماء المراقة والأرواح المزهقة، وما يرافقها من صدمة للمتلقي عكف على إحداثها للمشاهد كاستراتجية اتصال جماهيري يتبناها منذ تأسيسه، لكنه لم يوّفق هذه المرة بفريق إخراج يوازي نظراءه في سوريا والعراق. فالفيديو بدا مُقلداً لأسلوب صانع أفلام قتل الرهائن في سوريا ولكنه فشل في الوصول إلى مستواه الفني مع الحفاظ على المستوى الدموي للعمل.

تتلخص الفوارق التقنية في التالي:
تراجع جودة الصورة: بدا واضحاً اذ أن نوع الكاميرات والعدسات المستخدمة اختلف عن تلك المستخدمة في سوريا، مما انعكس على جودة الألوان ودرجة سطوعها وتباينها وتقنيات عمق الصورة (Depth of Field ).

أسلوب التصوير: لم يراعِ التصوير قواعد تكوين الكوادر وجمالياتها التي حرص عليها مخرج فيلم حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة، وإن دلّ هذا على شيء فعلى قلة خبرة المخرج والمصور ومحاولتهما تقليد الاصدارات السابقة مع ملاحظة أن المصور استخدم (بيبي كرين) في التصوير، وهو عبارة عن ذراع طولها بضعة أمتار تثبت الكاميرا في مقدمتها للحصول على مشاهد مرتفعة وحركات تصوير قوسية وأفقية، وهي تقنية لم نشاهدها في الاصدارات المنتجة في العراق وسوريا يمكن أن يكونوا قد استولوا عليها من إحدى محطات التلفزة أو شركات الإنتاج المحلية.

رداءة الصوت: هناك هفوات واضحة في ميكساج الصوت، فلم يراعِ المونتير (مسؤول عملية المونتاج) توحيد درجات الضجيج الذي أحدثه تكسر الأمواج على الشاطئ، وذلك باستخدامه صوت الأمواج المسجل من الكاميرتين وارتفاع مستوى الصوت في كاميرا عن كاميرا أخرى.

مستوى المونتاج: كانت مشاهد الفيديو أطول مما نعتبره في الإخراج المدة الصحيحة للقطة وطريقة اختيار المشاهد، ولم يكن تتابعها كالمعتداد في الاصدارات السابقة مع تلاشي للغرافيكس "المميّز" المستخدم فنياً في فيديو حرق الطيار الأردني والذي يحتاج إلى مهارة تقنية وخبرة معينة لا يمكن تقليدها من خلال المشاهدة أو المتابعة فقط، بل تحتاج إلى خبرة وممارسة على خلاف التصوير والمونتاج التقليدي، ولا أقول هنا أنها تحتاج إلى استوديوهات ضخمة أو أجهزة متقدمة جداً إنما إلى خبرة فنية فردية جيّدة.
وهذا كله إن دلّ على شيء فعلى أن الإصدار لم ينفذ باستخدام خبرات الفيديوهات السابقة.

عودة إلى ذي بدء، يطرح المنطق الأسئلة التالية:

إذا كانت الفيديوات من صناعة المخابرات الدولية وباستخدام خبرات استديوهات أجنبية، كما يدّعي البعض في مقالات جرى تداولها بكثرة في الأيام الماضي، فلماذا تغيّرت الجودة بتغيّر المكان الجغرافي؟ لماذا لم يخرجه الفريق الذي صنع فيديو حرق الطيار؟ ما الذي منع منتجي الفيلم من انتاج الفيلم بالجودة عينها؟ أين مخرج الأعمال السابقة؟
لا أملك سوى الإجابة التالية: مخرج أفلام "داعش" الهوليودية فاتته الطائرة يوم التصوير بسبب الأحوال الجوية!!

إن نفي صحة قتل الرهائن لا يستهلك من كاتب النظرية سوى بعض دقائق ليطلق ما يدور في خلده ثم يمضي لحياته اليومية التي لا يضيرها ما قال في شيء، ولكنها تعطي أملاً واهياً وكاذباً لأهالي الضحايا، فارحموا أصحاب القلوب المفجوعة ودعوهم يمضون ما تبقى من حياتهم مع أحزانهم بسلام.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard