جوسلين خويري وميسلون فرحات: عندما تتذكّران يوميّات جبهات القتال

23 شباط 2015 | 14:04

المصدر: "النهار"

تخلّين عن الكعب العالي والفساتين الضيّقة والجواهر البرّاقة، ولبسن "الرينجر" والبذّة العسكريّة وتزينّ بالسلاح. لم تمنعهن أنوثتهن من المقاومة والتضحيّة من أجل الوطن. خضعن لتدريبات قاسية، افترشن العراء، تحمّلن مصاعب الحياة العسكريّة، انخرطن في العمل المسلّح دفاعاً عن قضية آمنّ بها وحفاظاً على أرض وكرامة ووجود، وضعن خططاً وتكتيكات عسكريّة، خاطرن بحياتهن، قاتلن في الميدان وشاهدن الموت بأعينهن. إنهنّ نساء لبنانيّات سطّرن التاريخ بشجاعتهن وبطولتهن، وسبقن كرديّات "كوباني" اللواتي هزمن رجال "الدولة الإسلاميّة"، فكتب التاريخ أسماءهن بحروف صهباء جُبلت من دمٍ وتراب وصُبغت بعزّة وعنفوان.

عند الحديث عن النساء في المقاومة اللبنانيّة تتبادر إلى الأذهان أسماء كثيرة من أحزاب وتوجّهات سياسيّة مختلفة، خضن النضال المسلّح سواء ضدّ الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، أو ضدّ الوجود المسلّح الفلسطيني والسوري في لبنان.

جوسلين خويري رمزاً للمقاتلات
جوسلين خويري هي تلك الصبيّة التي سرقت الأضواء في مطلع الحرب اللبنانيّة، عندما اختارت حمل السّلاح والتنقّل به وسط الجبهات، لتصبح لاحقاً المسؤولة عن "النظاميّات" في حزب الكتائب اللبنانيّة. ما الذي دفعها إلى هذا الخطّ وكيف بدأت حياتها العسكريّة؟ تقول خويري لـ"النهار": "عام 1972 بدأت المناوشات والمعارك بين الجيش اللبناني ومنظّمة التحرير الفلسطينيّة، وانسحبت هذه الاشتباكات على المدارس وبات الجوّ الطالبي مشحوناً. تدرّبت عسكرياً وانخرطت في القتال عام 1975 دفاعاً عن لبنان والوجود، حتى تاريخ خروجي من الحزب عام 1985. كنت طالبة سنة أولى صحافة في الجامعة اللبنانيّة وناشطة في مصلحة طلاب الكتائب ومتأثرة بذلك الجو".

بدأت التدريبات في بيوت الكتائب وخصوصاً في الناعمة، بعدئذ بدأ الشباب يصعدون إلى جبال كسروان والمتن ويقيمون المخيّمات التدريبيّة في عطلة نهاية الأسبوع. تدرّبت جوسلين على حمل السلاح وكيفيّة استعماله بمهارة أثناء التنقل، تعلّمت تقنيات الدفاع عن النفس، وكيفيّة المحاربة والمراقبة واستعمال سلاح الإشارة. وكانت بارعة في استعمال الكلاشنيكوف، والآر بي جي، ومدفع الدوكتوريوف والدوشكا. بداية كانت مدّة التدريبات قصيرة تمتدّ من يوم واحد إلى أسبوع خلال الصيف، وبعد نشوب الحرب بات التدريب يومياً.

"ريّسة" تقود 1000 مقاتلة
أولى المعارك الحقيقيّة التي خاضتها "الريّسة" كما يطلقون عليها، كانت في اليوم الأخير من معركة الكرنتينا عام 1976، التي نفّذتها فرقة بيار جميل المعروفة بالـ"PG"، وهي فرقة المغاوير الأولى في الكتائب. تقول جوسلين: "كانت تجربة صعبة، كنت أتجمّد أمام الجثث فيمسكون يدي ويسحبونني. لاحقاً حاربت في أسواق بيروت، استلمت مع البنات متراساً شكّل نقطة متقدّمة من الجبهة. هناك عايشنا معركة صعبة. في ليل 6 أيار 1976 تعرّضنا لهجوم غادر شنّه 100 مسلّح فلسطيني وسوري في فترة وقف إطلاق النار، صدّيناه أنا وست فتيات. بعد هذه المعركة انتزعنا الثقة من قيادات الحزب".

وصل عدد النظاميّات إلى 1000 عام 1985، وكان لهن دور بارز في كثير من المعارك تحت قيادة جوسلين خويري. وتقول: "بعد دخول الفلسطينيين إلى شكا وارتكابهم مجزرة، قام شباب الحزب بهجوم مضاد ولاحقناهم أنا و15 فتاة في اليوم الثاني، استلمنا المتاريس وكانت الاشتباكات قائمة. أمّا خلال معركة زحلة فقد استلمنا مهمّات في ثكنة عيون السيمان التي كانت الصلة بين القيادة ومدينة زحلة حيث المعركة محتدمة، كانت مهمّاتنا منوّعة بين القتال والدفاع وإغاثة المصابين، كانوا يجلبون الشباب مجمّدين من البرد وهم ذاهبون مشياً في الجرد إلى زحلة، فنعمل على إيقاظهم وتدفئتهم وإطعامهم حتى يستعيدوا وعيهم".

قاومت الأخطار وقتلها الرفاق
أصيبت خويري مرّة في يديها، ولكنّها رأت الموت أمام عينيها مرّات ونجت منه. أخطرها عندما كانت في دوريّة في أسواق بيروت مع رفيقاتها المقاتلات حين رأت مجموعة من المسلّحين يسرقون أحد محلّات الصيغة، نظرت إلى عيني أحدهم وسلاحه مصوّب نحوها ظناً منه أنها رجلاً، بعد أخذ وردّ استمرّ دقائق بينهما، أطلقت رفيقاتها رشقاً من الرصاص فأفلتت من موت محتم، وانسحبت إلى المتراس معهن تحت وابل من الرصاص يتطاير فوق رؤوسهن.

الحياة العسكريّة صعبة، مشاهدها مؤلمة، وشروطها قاسية، في السنتين الأوليين من الحرب لم يفكّرن في المأزونيات. استلمت جوسلين والفتيات (13 فتاة) "متراس الأسواق" لمدّة 4 أشهر متواصلة، ضعفت وتراجعت صحّتها بسبب قلّة النوم والضغط طوال الوقت. وتكرّرت هذه التجربة في عيون السيمان خلال معركة زحلة التي استمرّت سنتين.

بقيت حياة العسكر أجمل ما اختبرته لما فيها من تلاحم وصداقة وأخوة، لكن أقسى من صعوبات الميدان هو خسارة الرفاق. تقول خويري: "رفقة السلاح لا تنتهي، فيها الكثير من اللحمة ووحدة الحال، عشنا أوقات جميلة ومخيفة معاً، لكن أبشع ما فيها عندما يموت الرفاق أو يختلفوا في ما بينهم، الحرب لم تقتلني، بل متّ مرّات عدد الشهداء".

عندما حملت ميسلون السلاح
ميسلون فرحات هي إحدى الفتيات اللواتي انجذبن إلى النضال المسلّح لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، حملت السلاح في الرابعة عشرة من عمرها عندما دقّ ناقوس الحرب، وتركت منزلها وتوجّهت إلى الجبهة. كيف تطوّرت الأمور ولمَ اختارت هذا الطريق؟ تقول ميسلون لـ"النهار": "منذ سنّ السابعة، كنت أشارك في مخيّمات زهرات الحزب القومي السوري الاجتماعي في ضيعتي المتين. عام 1973 بدأ دخان الحرب يتصاعد فاخترت القتال، لقد فرضت عليّ الأحداث أن أكون مقاتلة، خضعت لدورات قتاليّة في سنّ الرابعة عشرة، وتوجّهت إلى الجبهة مع رفاقي لمحاربة العدو الإسرائيلي".

خضعت ميسلون لثلاث دورات تدريبيّة، تعلّمت فيها كيفيّة فكّ السلاح وتركيبه واستعمال أنواعه المختلفة من الكلاشنيكوف والدوشكا والأر بي جي المفضّل لديها. نمّت ميسلون مهاراتها البدنيّة والقتاليّة، وباتت مستعدّة لخوض أي معركة. كانت الدورات مغلقة تمتدّ مدى أربعين يوماً، تدريباتها قاسية والتراخي فيها ممنوع. في إحدى المرّات تعثرت ميسلون خلال الركض، فأصيبت كتفها بشظايا رصاصة أطلقها المدرّب أرضاً لتتقدّم بوتيرة أسرع، ضغطت على جرحها وتابعت التدريب رغم القهر الذي تملكها. كانوا ينطلقون من منطقة جبليّة في مسير لأكثر من ثلاثة كيلومترات وصولاً إلى موقع منخفض، يغطسون في نهر ثم يخرجون منه مع سلاحهم وثيابهم ويعاودون الركض ويمارسون التمارين السويديّة.

مقاتلة بين الرجال
أولى مهمّات ميسلون العسكريّة كانت في معركة "تلّة ربّ تلاتين" الجنوبيّة ضدّ قوّات سعد حدّاد والجيش الإسرائيلي عام 1976. كانت الفتاة الوحيدة مع مجموعة مؤلّفة من 80 عنصراً ينادونها "الرفيق ميسلون"، كانت مسؤولة عن 12 مقاتلاً يمتثلون لأوامرها وتشرح لهم الخطط والتكتيكات العسكريّة وكيفيّة الهجوم. كانت المعركة الأشرس بين كلّ المعارك التي خاضتها طوال 14 عاماً. استمرّت لأكثر من 7 ساعات، قطع المقاتلون الغندوريّة والطيبة وصولاً إلى التلة، مع انتهاء المعركة الناجحة التي انتصرت فيها ميسلون ورفاقها، وقبل أن تحفر الدشم، أصيبت في رأسها بشظايا قذيفة هاون، ولكنها بقيت في الميدان تقاتل.

في جبهات القتال كان الانضباط واجباً على كل المقاتلين، كانوا يحاربون الأعداء ويخضعون لأوامر القادة العسكريين، مرّة تخلّفت ميلسون عن تنفيذ أمر بجلب مياه من بئر بعيد، فكان نصيبها الزحف على الرمل. تفاصيل تتذكرها المرأة التي زيّن الشيب رأسها بابتسامة وفخر "كنت أقوى من كثير من الرجال".

فقدت زوجها في ساحة القتال
عندما نرحم العدو هو لن يرحمنا، إنها قاعدة ثابتة في فكر ميسلون، كانت تبادر إلى قتل أي عسكري يقاتلها من دون تردّد. "المرأة التي تخضع لدورات تدريبيّة تصبح أقوى من الرجل. كنت مدرّبة على القتال وإطلاق الرصاص، لم أجد صعوبة يوماً في قتل عدوي، كانت رصاصتي تسبق دائماً. لم أجد أجمل من الحياة العسكريّة بصعوباتها، رأيت الموت أمام عينيّ، أصبت مرّات عدّة، وكدت أقع في الأسر مرّات، خضت القتال المباشر وشاركت في عمليات الحراسة والتثبيت، وساهمت في مهمّات لسحب الرفاق الجرحى، ورغم ذلك وجدت صعوبة في التخلي عن سلاحي مع انتهاء الحرب".

الحياة العسكريّة لم تبعد ميسلون عن فكرة الزواج والإنجاب، تعرّفت إلى زوجها من خلال الحزب، وقاتلا معاً في صفوفه، لكنه توفيّ عام 1987 بعدما أصيب في معركة وأسر واستشهد تحت وطأة التعذيب، وهي اليوم أمّ لشاب وحيد وجدّة لخمسة أحفاد.

النساء في المقاومة
لماذا يستعان بالمرأة في الثورات والمقاومة المسلّحة والنضال التحرّري؟ وما هو دورها؟ تقول الدكتورة في العلاقات الدوليّة في الجامعة اللبنانيّة، ليلى نقولا، لـ"النهار": "للمرأة أدوار عدّة في الأحزاب أو في التعبئة للثورة وتمرير الرسائل والمتفجّرات والسّلاح بسهولة وسريّة. هي قادرة على التخفي والوصول إلى من حولها بطريقة أسهل من الرجل. كما أنها قادرة على تخطّي الحواجز الأمنيّة والخضوع لتفتيش شكليّ عكس الرجل الذي يفتّش بطريقة دقيقة. لديها دور في التعبئة والتأثير على النساء وعلى عائلتها، وهو دور مزدوج لا يمكن الرجل أن يقوم به، لذلك يستعينون بالسيّدات في الثورات والعمليّات التكتيكيّة التي تعتمد على العنف المسلّح. تندفع المرأة نحو المقاومة وحمل السلاح دفاعاً عن وجودها وتعبيراً عن قضية عادلة، فتسعى لتحقيق مستقبل أفضل لعائلتها ومجتمعها إنطلاقاً من حسّ المسؤوليّة والدفاع عن الكيان والكرامة الإنسانيّة وصون المستقبل".

إن انضواء النساء في النضال المسّلح والمشاركة في الثورات والحركات التحرّريّة حالة تاريخيّة وليست بجديدة، وهو ما يشرحه مدير المركز اللبناني للبحوث الاجتماعيّة في جامعة اللويزة، الدكتور عبده قاعي، لـ"النهار": "نضال المرأة ثابت في كلّ الحروب التاريخيّة وليس ظاهرة جديدة، كان دورها بارزاً وعلنياً في الثورات الكبيرة، ومثال على ذلك دور المرأة في الثورة الفرنسيّة والثورة الفلسطينيّة وفي النضال الكردي، وهي موجودة في الأساطير القديمة خصوصاً مع المحاربات الأمازونيّات. ووجودها ضروري لقيام أي نهوض وتحرّر، لأن تطوّر المجتمع مرتبط بهذه النهضة بعيداً من أي تمييز بينها وبين الرجل، استناداً إلى مفاهيم الحريّة والمساواة والأخوة التي تجيز التحرّك من دون أي تمييز".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard