عبدو بو فرح دخل الى مجمع السان جورج ليعمل...فوجدوه جثة هامدة بالقرب من شاحنة

12 شباط 2015 | 18:10

المصدر: "النهار"

عبدو بو فرح اسم لم يرسخ في ذاكرة كلّ اللبنانيين إلاَّ أنَّه لم يغب عن لائحة عشرات الضحايا الأبرياء الذين صودف تواجدهم في التوقيت الخطأ يوم 14 شباط 2005. في هذا اليوم، استشهد بو فرح، تاركاً حرقة تكوي قلب زوجته الثكلى وابنه الوحيد. هو عمرٌ انكسر معناه حارماً إياه من سعادة نجاح ابنه وزواجه، وحلمه بأحفاد طالما تمناهم.

عشر سنوات مرَّت على رحيل عبدو بو فرح لكنَّه لا يزال خالداً في ذاكرة وتفاصيل حياة عائلته، الجرح لا يزال ينزف والسنوات الطوال خلَّفت ندباً يصعب زواله. عبدو بو فرح كان موظفاً في السان جورج لـ 35 عاماً. كان يجلس في 14 شباط 2005 في مكتبه، يؤدي عمله اليومي كمحاسب في الفندق. لكن في الساعة الواحدة إلا عشر دقائق اهتز المبنى جراء انفجار ضخم استهدف موكب رئيس الوزراء الراحل الشهيد رفيق الحريري.

 

 

الأمل كان موجوداً

يخبر توفيق الابن الوحيد للشهيد عبدو بو فرح "النهار" عن هذا اليوم المأسوي "كنت وقتذاك في الرابعة والعشرين، وكأي شاب عادي، أتخصص في هندسة الكمبيوتر والتسويق، لم أعرف معنى تحمُّل المسؤولية. يوم 14 شباط من العام 2005 كنت جالساً في منزلنا في منطقة بعبدا أدرس، شعرت بهزة عرفت لاحقاً أنها ناجمة من ضغط انفجار، سمعت الأخبار وعرفنا أنَّ موكب الرئيس الحريري استهدف. في البدء لم أعرف أين، ثمَّ أشير إلى أنَّ الانفجار وقع في منطقة السان جورج، هرعت إلى سيارتي وذهبت إلى مكان الانفجار. كان النفق المؤدي إلى السان جورج مقطوعاً، فما كان مني إلاَّ أن توجهت إلى مكتب والدتي حيث تعمل في منطقة مار مخايل. كان الأمل بأن يكون والدي على قيد الحياة قائماً. اتصلنا بالمستشفيات كلها في المنطقة القريبة من موقع الانفجار ولم نحصل على أي معلومات، إلى أنَّ اتصلوا بنا من المستشفى لإخبارنا عن المصاب الأليم". كانت جثة الشهيد عبدو بو فرح قد نقلت إلى مستشفى الزهراء في منطقة الجناح، فتوجهت العائلة إلى المستشفى حيث تعرَّفت عليه شخصياً.

يومه الأخير

"بشع جداً هذا اليوم بكل تفاصيله لا أتمنى أن يعيشه أحد، أمضى والدي 35 عاماً من حياته في السان جورج، وتوجه إلى عمله يوم 14 شباط حيث كان من المقرر أن يكون هذا اليوم الأخير له في العمل، كان قد قدَّم أوراق استقالته رغبةً منه في التقاعد. 35 عاماً في المكان نفسه ومع الفريق نفسه ليس بالأمر السهل، هو منزله الثاني. "شوفي القدر ما أبشعه" حوَّل اليوم الأخير من عمل والدي إلى اليوم الأخير من حياته". يستعيد توفيق ابن الـ 34 عاماً ذكريات ذاك اليوم الأليم قائلاً: "كان واحداً من 3 موظفين داخل المكتب، رماه الانفجار خارج المكان بالقرب من شاحنة تظهرها أشرطة الفيديو، لم يبق أي أثر للمكتب حتى إنَّ المكان أصبح شبه مبنى". يمرُّ في ذهن توفيق سؤال يطرحه دائماً على نفسه "ليش أنا"، ولكنه يردف: "نحن مؤمنون لذا، نعلم أنَّ هذا ما كُتب له".

خسارته لا تعوَّض

ارتبط توفيق وكوَّن أسرة، وهو والدٌ لابنتين الكبرى تبلغ من العمر 3 سنوات، والثانية شهرين، يحاول إخبار بناته عن جدِّهم خصوصاً عندما ترى ابنته الكبرى صورته وتسأله من في الصورة؟ يدرك توفيق أهمية وجود الجدّ قائلاً: "كان عندي جد وأعرف قيمته، وبعدما أسست عائلة، أدرك تماماً معنى فقدان الجد". يتذكر توفيق والده "الكلمات لا تستطيع أن تصف مشاعري، كان صديقاً بالنسبة إلي كوني وحيداً، يخاف عليَّ ويسأل عنِّي، كان يهتم بأدق التفاصيل ويشاركني في الرأي. فقدانه أثر في والدتي بشكل كبير، تشعرني بأنها قوية ولكن كما تعملين هذه هي الحياة، بعد عشر سنوات على غيابه من المؤكد أنني لا أتمنى لأحد أن يمرَّ بما مررنا به، الخسارة تبقى خسارة وما من شيء يعوِّض رحيل والدي. سيبقى 14 شباط يوم عيد الحب، كذلك يوم خسارة والدي، إذ إنَّ حباً واحتراماً كبيرين يجمعان بيني وبين والدي. أقول له بعد 10 سنوات على رحيله "يا ريت بعدك"، كما أنني لا ألوم أحداً فأنا لست قاضياً".
الرابع عشر من شباط 2005، تاريخ غيَّر حياة عائلات لبنانية فقدت أحباء كُتبت لهم الشهادة: يحيى العرب، طلال ناصر، محمد غلاييني، مازن الذهبي، زياد طراف، محمد درويش، عمر المصري، عبد الحميد غلاييني، يمامة ضامن، هيثم عثمان، آلاء عصفور، زاهي أبو رجيلي، جوزف عون، ريما بزي، رواد حيدر، صبحي الخضر، عبدو بو فرح، محمود الخلف، محمود المحمد، فرحان عيسى. يبقى العزاء الوحيد بعد رحيلهم بأن لا تذهب دماؤهم التي هرقت على مذبح الوطن هدراً.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard