الزواج المدني لا يُمرَّر خلسةً

7 شباط 2015 | 00:00

اخراجا قيد لزواج مدني موقعان من وزارة الداخلية. (الارشيف)

اثيرت في الآونة الاخيرة مشكلة رفض وزير الداخلية قيد ما اطلق عليها "عقود زواج" منظمة لدى الكاتب العدل في سجلات الاحوال الشخصية. وهذا الرفض هو تطبيق للقوانين المرعية الاجراء.

يذكر انه في 2013/2/11 صدرت الاستشارة التي طلبها وزير العدل من الهيئة الاستشارية العليا، وأحالها الى وزارة الداخلية وقد خلصت تلك الاستشارة الى حق اللبناني غير المنتمي الى طائفة أن يعقد زواجاً مدنياً في لبنان، وأن الكاتب العدل هو المرجع المختص لعقد الزواج والتصديق عليه، وأن للزوجين حرية اختيار أي قانون مدني ليرعى الزواج ومفاعيله. ولم ترَ الهيئة الاستشارية مانعاً من تسجيل وثيقة زواج كهذه، إلا أنها غير قابلة للتطبيق في ظل أحكام الدستور والتشريعات اللبنانية الجارية الخاصة بكتابة العدل وبقوانين وأنظمة الطوائف والأحوال الشخصية.
فقد جاء في المادة الثانية من القانون 337 بتاريخ 1994/6/8 تعريف الكاتب العدل بأنه "ضابط عمومي يناط به في حدود اختصاصه القيام بالأعمال المبينة في هذا القانون وفي غيره وفي القوانين والأعمال التي يطلب اصحاب العلاقة إثباتها"، فيما تنص المادة 22 من القانون نفسه على أن يقوم الكاتب العدل بتنظيم والتصديق على الأسناد المنصوص عليها في قانون الموجبات والعقود وبصورة عامة على كل سند لا يمنعه القانون أو لا يكون حصراً بموجب نص خاص من صلاحية موظف عام آخر. وتحدد المادة 23 من القانون السجلات التي يتوجب على كاتب العدل أن يمسكها والتي يقرّها وزير العدل وهي حصراً السجل اليومي وسجل الودائع وسجل المراسلات وسجل المراجعات وسجل الوصايا (لغير المحمديين) (وليس من بينها سجل للزواج). وتحظر المادة 37 على الكاتب العدل تنظيم الأسناد المخالفة للانتظام العام أو الآداب العامة أو الداخلة حصراً في اختصاص مرجع آخر بموجب نص قانوني خاص أو المصادقة عليها.
يتضح من هذه النصوص أن الكاتب العدل لا يمكنه تصديق أو تسجيل عقد زواج إذ ليس في القوانين اللبنانية قانون للزواج المدني. كما أن أسناد الزواج تدخل حصراً في اختصاص المراجع الدينية. ولا يلحظ قانون كتاب العدل فتح سجل للزواج ولم يقرّ وزير العدل لهم فتح سجل مماثل.
فالنظام اللبناني عملاً بالمادتين التاسعة والتاسعة عشرة من الدستور نظام يعطي للطوائف المعترف بها والمحددة قانوناً والمعتبرة من النظام العام حق تشريع أنظمة الأحوال الشخصية الخاصة بأبنائها. فالقرار 60 ل.ر. تاريخ 1936/3/13 المعدل بالقرارين الاشتراعيين رقم 146/ 1938 ورقم 1939/53، اقر الطوائف الدينية المعترف بها حصراً وحدد نظامها ومحاكمها في صك تشريعي وذكرت في الملحق وهي الطوائف المسيحية والإسلامية والإسرائيلية (بمختلف مذاهب كل طائفة). وعددها تسع عشرة تضم جميع اللبنانيين حكماً ولا يوجد أي نص تشريعي ينسب أي لبناني الى طائفة رقمها 20؟ وأوجبت المادة الثانية من القرار 60 أن مفعول الاعتراف بنظام الطائفة الشخصي هو إعطاء نظامها قوة القانون وتطبيقه تحت حماية القانون ومراقبة السلطة العمومية فيما نصت المادة السادسة منه على أن كل تعديل في نظام الطوائف المعترف بها يجب أن يجري بصك تشريعي، أي لا من هيئة استشارية ولا من تعميم وزارة.
وإذا كانت المادة الحادية عشرة قد أجازت لمن بلغ سن الرشد "أن يترك أو يعتنق طائفة ذات نظام شخصي معترفاً بها ويكون لهذا الترك أو الاعتناق مفعوله المدني ويحصل على تصحيح القيود المختصة". إنما كل ذلك مشروط بالتنقل بين الطوائف المعترف بها لا بغيرها، لأن المادة 22 من القرار المذكور فرضت على خادم الدين (لا الكاتب العدل) الذي احتفل بالزواج أن يعطي علماً به لمأمور الأحوال الشخصية. وأكدت المادة العاشرة أن اللبنانيين المنتمين للطوائف المعترف بها خاضعون لنظام طوائفهم الشرعي في ما خصّ الأحوال الشخصية. وقد كرست الدولة تنازلها عن صلاحيات التشريع في الأحوال الشخصية للطوائف في القوانين اللاحقة.
يذكر أن المادة الثالثة من قانون 1951/4/2 أدخلت في اختصاص المراجع المذهبية للطوائف المسيحية والطائفة الإسرائيلية "عقد الزواج وأحكامه". كما نصت المادة 16 من قانون 1948/2/24 فيما خصّ الطائفة الدرزية أنه لا يكون عقد الزواج صحيحاً إلا إذا أجراه أحد شيخي العقل أو قاضي المذهب أو من أنابه عنه. ووفقاً للمرسوم 18 فإن المحاكم الشرعية تختص بإجراء عقود الزواج ومحكمة الزوج هي المختصة لأجل إعطاء الإذن بالنكاح وتولي المادة 348 إجراء عقد الزواج للقاضي الشرعي أو المأذون وعليه تسجيل العقد في سجل المحكمة وارساله الى د ائرة الأحوال الشخصية (المادة 353) وان مخالفة المأذون تستوجب ملاحقته جزائياً (المادة 355). أما قانون تاريخ 1951/12/7 الخاص بقيد وثائق الأحوال الشخصية فقد أوجب في المادة 22 منه أن على المتزوج ان يقدم تصريحاً بزواجه الى قلم الأحوال الشخصية في خلال شهر من تاريخ زواجه ويصدق هذا التصريح من الرئيس الروحي الذي تم على يده العقد. وأوجبت المادة 41 أن يكون كل طلب تغيير مذهب او دين مؤيداً بشهادة من رئيس المذهب او الدين الذي يراد اعتناقه، ما يعطي لأنظمة الطوائف وأحوالها الشخصية صفة الانتظام العام التي كرسها الدستور والتي لا يمكن تجاوزها أو مخالفتها الا بنصوص تشريعية تحظى بالأكثرية المطلوبة لتعديل الدستور. وقد كرست وثيقة الوفاق الوطني وكذلك قانون انشاء المجلس الدستوري، كرسا حق رؤساء الطوائف بالاعتراض والمراجعة في كل ما يتعلق بالأحوال الشخصية.
يذكر ان نظام الملل العثماني ترك لكل طائفة النظر بالأحوال الشخصية لأتباعها. وامتد نظام الملل هذا ليشمل النواحي الاجتماعية والثقافية بحيث اصبح لكل طائفة مستشفى ومدرسة وجامعة ونادياً. وبنشوء دولة لبنان الكبير استمر العمل بنظام الملل المذكور بل واعتبرت الطائفية من ثوابت النظام اللبناني. وان كانت الطائفية قد استغلت من اجل الاثراء غير المشروع والتمييز بين المناطق والسكان وكان مقرراً لثورة اجتماعية بدأت غيومها تتلبد منذ سنة 1975 ان تعطي ثمارها الا ان ملوك الطوائف أو أبالسة السياسة كما سماهم كوف دو مورفيل تمكنوا من تحويل الثورة الاجتماعية الى حرب اهلية اوصلوها الى اتفاق الطائف الذي كرّس المذهبية.
بعض الذين يعارضون الزواج المدني وحتى الاختياري، يتذرع بأن هذا الزواج يفتح الباب لزواج المسلمة من غير المسلم دون التمييز بين الكتابي المؤمن وبين المشرك الملحد كما سبق للشيخ عبدالله العلايلي أن بين في كتابه "اين الخطأ"؟ وقد وافقه الدكتور حسن الترابي الزعيم الاسلامي السوداني المعروف ("الاهرام" 15/ 4/ 2006).
لا يمكن تسجيل زواج يوصف بالمدني في لبنان في ظل التشريعات الحالية لأن الزواج ومفاعيله تخضع لقانون مدني وبغياب قانون كهذا لا يوجد زواج مدني. والمطالبة بقيد زواج مصدق من الكاتب العدل في سجلات الأحوال الشخصية يصح ان توصف بأنها تسعى لأن يتسلل الزواج المدني خلسة الى القيود وهذا مخالف للقانون ويشابه احالة الاجنبي الذي يدخل الى لبنان ويقيم فيه ويخرج منه خلسة حسب وصف المحاكم.

محام ومؤرخ

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard