هكذا استدرج "داعش" بلال وشدّه إليه (خاص "النهار")

11 شباط 2015 | 11:47

المصدر: "النهار"

صورة عن الإنترنت

عندما ولد بلال لم تكن تعلم والدته كوثر أنّها ستخسره باكراً، ولن يبقى لها من ذكراه إلّا تلك الصورة المعلّقة على حائط المنزل، تصبّحها مع بزوغ كلّ فجر وتنام وعيونها الدامعة شاخصة عليها مع كلّ غياب. في ذلك اليوم خرج بلال، انتظرت والدته عودته طويلاً، وما زالت تمني نفسها بلحظات قليلة تكحّل عيونها برؤيته، لكنه رحل بعدما تلقفته أجنحة الإرهاب وسرقته من أحضانها.

كبر بلال، ابن السادسة عشرة عاماً، في أحياء صبرا الفقيرة، عانى من ظلم والده الذي كان يضرب والدته أمامه ويعنّفه وأشقاءه من دون رحمة، كبر في أجواء من الفقر والجهل والحرمان. تقول والدته لـ"النهار": "كان طفلاً هنياً، لم يعذبني يوماً منذ ولادته، لم أكن أظن أنه سيحرق قلبي، ذهب إلى حتفه برجليه بعدما غسلوا دماغه، لا أعلم إن كان سيعود إلى أحضاني في يومٍ من الأيّام".

تغيّر بلال قبل أشهر من رحيله المفاجئ، باتت تصرّفاته تميل إلى الحدّة، وتتابع كوثر: "تغيّر كثيراً في الأشهر الأخيرة قبل رحيله، بات متشدّداً ومتصلباً وعصبياً، كان يعود إلى المنزل في حالة ذهنيّة مريبة، ظننت أن رفاق السوء تمكّنوا منه، سألته لأعرف إن كان يتعاطى نوعاً من المخدّرات ولأعرف أين يقضي نهاره وليله، قال لي أنه يتابع دروساً في الدين، وأنه يريد نصرة أهله، والتغلّب على الغبن الذي يلحق بهم، حاولت ثنيه لكن لم يخطر ببالي أنه سيضربني ويغيب بعد أسابيع".

كلّ ما تعرفه كوثر أن بكرها الذي رحل في حزيران (يونيو) الماضي، موجود في سوريا وربّما في جرود عرسال، انضمّ إلى تنظيم "داعش" الإرهابي بعدما غُسل دماغه بأفكار تكفيريّة وإرهابيّة، وتقول كوثر: "رحل بلال مع كثير من الشباب، لقد غرّروا به، استغلّوا ضعفه، أحاول معرفة أخباره من أصدقائه المرتبطين بهذه الجماعات، والذين يتواصلون معهم، أخبروني أنه بخير وأنه يجاهد، أنه اختار هذا الطريق، ابني طيّب القلب وليس مجرماً ولا قاتلاً، أنا متأكّدة من عودته إلى أحضاني، لن يبقى هناك سيعود إليّ وإلى أشقائه وبيته".

هكذا يُجنّد الشباب
كيف تتمّ عمليّة تجنيد الشباب؟ على ماذا ترتكز، وما هي الأدوات المستعملة، ومن تستهدف، ولصالح من؟ لماذا هناك أشخاص عرضة للوقوع في شباك الإرهاب أكثر من غيرهم؟ وما هي الطرق المناسبة للقضاء على هذه الظواهر؟

يقول رئيس هيئة السكينة الإسلاميّة والباحث في الشؤون الإسلاميّة، أحمد الأيوبي، لـ"النهار": "تتمّ عمليّة تجنيد الشباب وفق مراحل معقّدة ومتتابعة؛ العوامل الرئيسيّة في استقطاب الشباب تتمثّل بإطلاق خطاب عامّ يؤثّر في نفوس الشباب، ويرتكز على إبراز المظالم التي يتعرّض لها بعض الأطراف، والطرْقِ على وتر الخلاف المذهبي، إضافة إلى اللجوء إلى منابر المساجد ومواقع الإنترنت، واستهداف الشرائح الشبابيّة ذات الخبرات الحياتيّة المحدودة، التي تعيش في أوضاع اجتماعيّة سيّئة وتعاني يأساً من إمكان حصول أي تطوّر في حياتها".

أمّا الأدوات المستعملة في عمليّة استقطاب وتجنيد الشباب والمراهقين فهي تتراوح بحسب الأيوبي بين "النشرات الخاصّة وتأمين المصروف المالي الذي قد يحدث تغييراً نسبياً في مستوى حياتهم لقاء انخراطهم في أعمال قتاليّة. هذه الإيديولوجيا التي تحفّزهم وتحرّضهم حتى الذروة، على مدى ستة أشهر وحتى سنة، تجعلهم أبطالاً وتخرجهم من حالة العوز التي يعيشونها".

أمّا عن المناطق التي ينتشر فيها هذا الفكر في لبنان، فيقول الأيوبي: "إن المناطق المرشّحة لتبنّي هذا الفكر هي تلك التي يغيب عنها الإنماء والعدالة وخطاب دار الفتوى المعتدل الذي يترك المساجد سائبة، وفي لبنان نذكر المنكوبين في طرابلس وصيدا والمخيّمات".

فتشوا عن الجهل ...
هل التركيز على العوامل الإيديولوجيّة والاجتماعيّة والماديّة والسياسيّة تستأهل ذهاب هؤلاء الشباب برجيلهم نحو الموت؟ يشرح الاختصاصي في علم النفس العيادي، الدكتور نبيل خوري، لـ"النهار" أن "العامل الأساسي المحفّز على انجذاب هؤلاء الشباب إلى مشاريع تصنّف في إطر سياسيّة ومذهبيّة، هو الجهل، وقلة الثقافة الاجتماعيّة، وحالة النفور من الطقوس الاجتماعيّة المستوردة من الغرب، والتي اختلطت في المجتمع الشرقي بطريقة غريبة، إضافة إلى حال التمرّد التي تواكب الشباب في مرحلة المراهقة، والعوامل الاجتماعيّة وفشل العلاقات وتفكّك الأسر. وفي المرتبة الثانية تأتي عمليّة غسل أدمغة السذّج فكرياً، والفطريين وعديمي الكفاءة ذوي الطاقات الإدراكيّة التحليليّة المجتزأة، الذين يسهل تحريضهم في إطار فكري وقالب ديني واتجاه سياسي، فيصبحون ضحية نزوات ورغبات مراجعهم التي تحرّك مشاعرهم، فيقومون بأعمال تعطيهم قيمة اجتماعيّة يفتقدونها في حياتهم العمليّة، وتعطيهم حظوة في عيون أسيادهم وقياداتهم، وتوصلهم إلى حياة أفضل في مجتمع حور العين أو الجنّة. ما يُشاع عن أن الفقر هو العامل الأساسي لتحريك التكفير سقط بمرور الزمن لصالح أدلجة الشباب المُفتقر للثقافة ولمقوّمات فكريّة كافية، تولّد لديه خللاً في العوامل التفاعليّة والتأقلميّة والتجاذبيّة والطاقات الإدراكيّة، وتحوّل الإنسان إلى مشروع إرهابي".

كيف نواجه؟
وعن تأثير تصرّفات هؤلاء الشباب على الوضع الاجتماعي لأهلهم في مناطقهم ومع محيطهم، يردّ خوري: "بعض الأهل يستوعبون الفكرة ويرحّبون بها لأن القاسم المشترك بينهم وبين أبنائهم هو قلّة الثقافة. في المقابل هناك أهل يدركون أن ما يقوم به أولادهم هو خطأ، ولكن درجة "المونة" التي يمارسونها عليهم ضعيفة جداً. كما أن هناك أهلاً يرفضون هذه الأمور، لكن نزعة المراهقة الموجودة لدى أولادهم تحفّزهم على الذهاب في شكل تجاذبي نحو ما يمنعهم عنه أهلهم".

وفي الحديث عن الحلول وطرق معالجة الإرهاب، يقول خوري: "يأتي التثقيف في المرتبة الأولى، فهو يجرّد الإنسان من غرائزه ويمنعه من العودة إلى القرون الوسطى وما قبلها، ويدفعه باتجاه فهم واستيعاب الآخرين، ورفع منهاجه التحليلي بدل تصنيف الآخرين حسب انتماءاتهم الدينيّة والعرقيّة. في المرتبة الثانية، هناك ضرورة لقطع رأس الأفعى عبر لجم المشايخ المأجورين الذين يحرّكون الشباب باتجاه بعيد من الفرائض الإنسانيّة. وأخيراً يجب اعتماد وسائل رادعة ومحاكمة من يسمحون لأنفسهم بإلغاء الآخر، وأن يكون العقاب قاسياً ليكونوا عبرة لغيرهم".

تاريخ هذه الجماعات
ويسرد الأيوبي تاريخ هذه الجماعات ونشأتها بأن البدايات العمليّة لهذه التنظيمات في العالم العربي، ظهرت أوّلاً في مصر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، عندما بدأت الاعتقالات واسعة النطاق بحقّ الأخوان المسلمين، فزجّوا بالآلاف في السجون المصريّة، عندها خرجت فئة منهم تقول "أن لا جدوى من العمل السياسي ولا بدّ من الخروج على المجتمع الذي يربّي على القمع والظلم"، فنشأت "حركة التكفير والهجرة"، وهربوا أتباعها ولجاؤوا إلى صعيد مصر وباشروا بأعمال مسلّحة، ثمّ ظهر بعدهم تنظيم "الجهاد" و"الجماعة الإسلاميّة المسلّحة" في مصر.

في المرحلة الثانية، برز تنظيم "القاعدة – قاعدة الجهاد" الذي كان نتيجة تلاقي أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، ونشأ بعد حرب أفغانستان، وشكّل نقطة استقطاب كبيرة للشباب المتحمّس لمواجهة الشيوعيّة في ذلك الوقت. ثمّ خاض التنظيم صراعات مع الغرب وبعض الدول العربيّة حتى أحداث أيلول الشهيرة. وتاريخ 11 أيلول (سبتمبر) 2001، هو مفصليّ في عمل هذه الجماعات، حيث اتضح أنها تشكّل خطراً كبيراً على الغرب، بعد أن كان الأمر غير واضح لجزء كبير من صنّاع القرار في الشرق والغرب. ثمّ خاض تنظيم "القاعدة" مواجهات ضد الاحتلال الأميركي في العراق، وبعدها بدأ حرباً مذهبيّة ما زالت ممتدّة حتى اليوم. وتبع ذلك محاولة أبو مصعب الزرقاوي إعلان الإمارة وتوحيد البندقية والراية، أي خوضه حرباً على كلّ السنّة الذين لا يبايعونه، ما أدى إلى تفسّخات في جسم "القاعدة" وفي الجسم السنّي الرافض لهذا الاتجاه. بعدها انكشف أبو مصعب الزرقاوي ما أدى إلى مقلته وإصابة "القاعدة" بخسائر ماديّة ومعنويّة وبشريّة كبيرة. أمّا المحطّة التالية، فكانت بخروج جزء من القاعدة وإنشاء ما سُمّي بتنظيم "دولة الإسلام في العراق والشام" أو ما يُعرف بـ"داعش" الذي تولّى مسؤوليّته وأعلن الخلافة باسمه أبو بكر البغدادي.

وفي مراقبة لمستوى أداء هذه الجماعات، يقول الأيوبي: "نلاحظ أن هناك تصاعداً في مستوى العنف عند الأجيال المتعاقبة؛ أسامة بن لادن كان أقلّ حدّة في العنف من أيمن الظواهري، وأبو مصعب الزرقاوي فاق الظواهري بكثير في استخدام العنف، والآن أبو بكر البغدادي فاق الجميع في استعمال القوّة وأساليب العنف في المواجهة وفرض خياراته على المحيط وعلى المجتمع السوري والعراقي، مع الإشارة إلى أن تنظيم "جبهة النصرة" الذي هو فرع "القاعدة" في سوريا، أنشأه أبو محمد الجولاني، وهو نسخة مخفّضة من استعمال العنف في هذه التنظيمات الجهاديّة".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard