والدة الطفلين اللذين أنقذهما أبو فاعور تروي لـ"النهار" قصتها

22 كانون الثاني 2015 | 16:32

المصدر: "النهار"

"أريد حمزة وزهراء" عبارة رددتها بصوت مخنوق وقلب مفجوع، الوالدة الثكلى التي أبعدتها الحياة قسراً عن طفليها اللذين جرى التداول بصورتهما وهما يفترشان الأرض وسط الظلام، ويرتجفان من شدة البرد في حين أن أمعاءهما ملتهبة من سياط الجوع.

الحياة التي استكثرت على سهام أبو زريق (35 عاماً) أن تبقى إلى جانب طفليها، حرمتها سابقاً من أربعة أطفال رمى بهم القدر في مدرسة داخلية لتعاود حرمانها قبل يومين من جنين في شهره الثامن. تشرح لـ"النهار" من على سرير مستشفى الرحمة في تعنايل عن الليلة المشؤومة التي فرقتها عن ولديها، قائلة: "في ذلك اليوم قصدت منزل أحد معارفي في كوكبا، بعدما قررت عدم البقاء وحدي في منطقة المصنع حيث أمنت لي إحدى المنظمات منزلاً، لكن عدم معاودة سؤال موظفي المنظمة عني دفعني الى ترك البيت. وصلت الى كوكبا بدأت اشعر بآلام في بطني وحصل نزيف معي، اتصل معارفي بالصليب الأحمر ونُقلت الى المستشفى حيث خضعت لعملية إجهاض".
صوتها المعجون بالتوتر والقلق مما يخطّه القدر لها لا يُسعفها على المتابعة، تتوقف لحظات تتنهد، تمسح دموعها الغارقة في عينيها الكئيبتين وتتابع "توفي زوجي محمد (65 عاماً) منذ ما يقارب الاسبوعين بسكتة قلبية، لم يصلني الخبر الا قبل اسبوع فقد كنت في المستشفى حينها، تركته في الخيمة التي نعيش داخلها في كوكبا وأخذت زهراء (سنتان ونصف السنة) وحمزة (سنة ونصف السنة) ووضعتهما لدى الامم المتحدة لفترة حتى استعدت عافيتي، بعدها لم أعد الى الخيمة بل الى بيت في المصنع".

من رماهما في الشارع؟
بخلاف ما تم تداوله من أن الطفلين كانا مرميين في الشارع، أكدت: "لم أتركهما في الشارع بل لدى معارفي". كلامها هذا يزيد من علامات الاستفهام التي طرحت عن الصورة التي التقطت للطفلين وهما ملتحفان بأغطية وملابس ويمسكان زجاجتي حليب، فمن خشيَ عليهما من البرد والجوع قادر على وضعهما في منزله لحين تحرك وزارة الشؤون.
هي مَن جار القدر عليها منذ طفولتها فعانت من جبروت زوجة والدها التي أجبرتها على الزواج برجل لبناني يكبرها بأكثر من أربعين سنة يدعى محمد محيي الدين الصالح. تركت سوريا موطنها الأم وقدمت الى بلاد الأرز وحصلت على الجنسية اللبنانية، عاشت معه عشرين عاماً وأنجبت منه أربعة أطفال قبل أن يتوفى، لتتزوج من الفلسطيني محمد زكريا الصباح عامل دهان سيارات.

للحضانة فقط
وزير الصحة العامة وائل أبو فاعور تابع وضع الطفلين، فنقلهما الصليب الاحمر اللبناني الى مستشفى راشيا الحكومي بناء على طلبه، أجريت لهما الفحوصات الطبية اللازمة وتلقيا العلاج نتيجة تعرضهما للبرد والجوع. المسؤولة عن العمليات في المستشفى نسرين حمدان لفتت في حديث لـ"النهار" أن " الطفلين دخلا المستشفى عند الساعة التاسعة من مساء الثلثاء لمجرد الحضانة فقط، عاينهما الدكتور وسيم يونس وأشرف عليهما الدكتور ماجد بو حلا حيث أمّنا لهم الحفاضات والحليب كما قدمت اليونيسف لهما ملابس"، وتابعت: "حضرت القوى الأمنية أمس واصطحبت الطفلين إلى مخيم الرفيد في البقاع الغربي لوضعهما في دار الأيتام لحين امتثال والدتهما للشفاء".

في منزل حليمة
وضع الطفلين الصحي جيد، لكن هدوءهما وعدم تلفّظهما بأي حرف دليلان على افتقادهما الكبير لوالدتهما بحسب المربية حليمة القادري التي تعتني بالطفلين في منزلها الكائن في مخيم الرديف بناء على طلب الشيخ بسام التراف مسؤول دار الايتام في كفردينس بعدما سلمت القوى الأمنية حمزة وزهراء له، وشرحت لـ"النهار" بأنه "لا يمكن وضعهما في دار الايتام التي تستقبل فقط الأولاد من الصف الاول الى الثامن، لذلك كلّفني الشيخ التراف أمس الاهتمام بهما في منزلي حتى يفرجها الله"، وأضافت: "لا يحرك الطفلان ساكناً، ولم ينبثا بحرف. لا يطلبان طعاماً ولا شراباً، افتقادهما أمهما كبير، اتمنى أن تشفى والدتهما وتعاود حضنهما ومدهما بحنانها. فهما تحت تأثير الصدمة، لا يعلمان ما يدور حولهما، المسألة ليست سهلة".

وصية سهام
في زمن ضاقت به سبل العيش لم يعد الفقراء يصرخون من ضعف الغذاء وقلة الكساء ووجع الموت، بل من عذاب الفراق ولوعته ومن مواجهة غدر الزمن بسيف الوحدة. سهام التي لم تجد شخصاً واحداً ينشلها من واقعها، يقف الى جانبها في المستشفى ويشد على يدها مطمئناً اياها أن كل شيء على ما يرام بعدما فارقها زوجها في اللحظة التي تحتاج فيها إليه أكثر من أي وقت مضى، فتركها تصارع الحياة التي عجز هو عن مصارعتها، استسلم تاركاً اياها في أرض المعركة مع طفلين، وطفل سقط قبل أن تبدأ المواجهة.
الأمر الوحيد الذي يكسر ظهر سهام هو طفلاها، فهما حلمها في الحياة الذي تعرى من كل شيء الا منهما. وتختم: "دخيلكم حمزة وزهراء أمانة برقبتكم ".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard