سجينة سابقة تروي لـ"النهار": "ضُربت وعُلِّقت وحرمت النوم"

15 كانون الثاني 2015 | 19:12

المصدر: "النهار"

"الشبح، بساط الريح، الدولاب، الكهرباء" كلمات مخفّفة لأساليب تعذيب وحشية تعرّضت لها نورا الأمير وكل من قذفت به الحياة بين براثن النظام السوري. سبعة أشهر عانت فيها الويلات من ضرب، وإهانات، وإذلال وتجويع، باختصار عاشت تجربة الموت البطيء تحت أيادي جلاّدين عديمي الرحمة.

من الباص إلى فرع فلسطين، الى الفرع 215، مروراً بسجن عدرا وصولاً إلى سجن حمص، روت نورا لـ"النهار" رحلة الرعب التي عاشتها قبل أن "تُنصفها" الحياة وتمنحها منصب نائب رئيس الائتلاف السوري السابق، وقالت: "كل شيء في النظام يدفع من لديه الجرأة الى محاولة كسر الحاجز القمعي والاستبدادي. في عام 2006 بدأت ومجموعة من الرفاق حراك التمرد ضمن إطار ضيق، كانت مرحلة صعبة انتهت بحملة اعتقالات عام 2008، فأجّلنا تحرّكاتنا حتى انفجرت ثورة 2011".
نورا شاركت في أول مظاهرة خرجت في حمص، كانت تعمل في المجال الإعلامي لنقل الصورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي ثم الصحافة، لتوثيق الانتهاكات، كما شاركت أيضًا في عمليات الإغاثة. سقوط باب عمرو وحظر التجوّل في حمص دفعاها إلى المغادرة الى حلب ومتابعة نشاطها من هناك. فقررت السفر الى الشام للمشاركة بنشاط ثوري. في الطريق توقّف الباص وصعد إليه رجال الأمن... "ولمّا كان بحوزتي كاميرات، تمّ توقيفي واقتيادي الى جهة مجهولة".

الطريق إلى المجهول
رغم أن نورا كانت تتوقع ان تواجه يوماً هذا المصير، لكنها لم تستطع أن تواجه الأفكار التي مرّت على رأسها وهي في طريقها الى المجهول، وقالت: "كنت أخشى أن أضعف أمام التحقيق، أو أن أكون سبباً في توقيف زملاء لي... وأكثر من ذلك شعرت بما سيعانيه أهلي، فتعبت من التفكير الى أن بدأ التحقيق".
أمضت ثلاثين يوماً في فرع فلسطين بين الترغيب والتعذيب، فوضعت في الانفرادي معزولة، وضُربت وعُلِّقت وحرمت النوم، حتى أنها لم تعلم في أي مكان من العالم هي. ولم يعرف أهلها عنها شيئًا قبل أربعين يوماً من غيابها القسري.

تعدّدت الأساليب والتعذيب واحد
في الـ 215 تم نقلها من السيّئ الى الأسوأ، فشاهدت وسمعت وجرّبت مختلف فنون التعذيب. تقول: "في أسلوب الشبح يعلّق المعتقل من يديه الاثنين او من يده ورجله لإجباره على الاعتراف، أما في بساط الريح فيوضع المعتقل على لوح خشبي مكوّن من قسمين، فيتمّ تحريك القسمين باتجاه بعضهما، ما يسبب ألماً في العمود الفقري، فيما يجلدون رجليه بسوط بلاستيكي مطاط. أما في أسلوب الدولاب فتقيّد يدا المعتقل إلى رجليه ليصبح مثل دولاب السيارة، وهكذا يُحرم المعتقل من القيام بأي ردّ فعل فيما ينهالون عليه بالضرب.
لم يختلف الأمر في سجن عدرا الذي نقلت اليه. وعلى الرغم من كل المعاناة، كان أمر واحد يدفعها إلى الصبر هو "استمرار الثورة في الخارج". لكن ساعات السجن كانت طويلة، والافكار السلبية عديدة، كانت تخشى كل شيء، وتخشى خصوصاً عندما يحين موعد تعذيبها، وحين تسمع صراخ نساء أخريات تحت التعذيب، لكن أكثر ما كانت تخشاه ان يهزل جسدها ويُعلِن عدم قدرته على الاستمرار.
كميات الطعام التي يحصل عليها السجين قليلة جداً، فالسياسة المتّبعة هي "إطعامه كي يبقى على قيد الحياة لا لِيشعر بالشبع. وجبة الفطور زيتون أخضر وأحيانًا حلاوة أو لبن مع خبز. أما الغداء فمعظم الأوقات يكون بطاطا مسلوقة، وأحياناً شوربة أو برغل أو أرز، وكلّه مطبوخ بطريقة سيئة".

من السجن إلى الائتلاف
بعد عدرا نقلت نورا (27 عامًا) الى السجن المركزي في حمص، حيث وقفت أمام القضاء بتهمة "النيل من هيبة الدولة" و"التظاهر من دون إذن". فحوكمت وأُطلق سراحها في أيلول 2012، على الرغم من انها لم تكن تتصور ان تخرج يومًا من السجن قبل انتصار الثورة.
ما مرّت به نورا لم يمنعها من متابعة نشاطها، ولكن هذه المرة من الشام بعدما تعرّفت إلى مجموعات جديدة من الناشطين. لكنّها اضطرّت عام 2013 للخروج مع عائلتها من سوريا متوجهّين إلى تركيا لمعالجة شقيقتها التي تعرّضت مع أخيها أيضًا للاعتقال والتعذيب والأذيّة في سجون النظام.
اختارت تركيا لأنّ حدوداً تفصلها عن بلدها الام. "في هذه الفترة تم الاتفاق داخل الائتلاف على ضرورة توسيعه كي يضمّ شباب الثورة. وبالفعل تمّ ترشيح اسمي من قبل الحراك الثوري في حمص، ومن خلال التصويت دخلتُ الائتلاف في شهر حزيران 2013، وبعد ستة اشهر انتخبتُ نائباً للرئيس وها أنا اليوم عضو في الهيئة السياسية للائتلاف".
تضيف: "لم تكن تجربة الائتلاف سهلة، بل كانت اختبارًا مضاعفًا، فنحن في مجتمعات يحتكر الذكور وكبار السنّ السياسة، على الرغم من ان الشباب هم من قاموا بالثورة، فيما الطاعنون في السنّ نقلوا خلافاتهم وإسقاطاتهم".

"طاولة المتناقضات"
في مؤتمر "جنيف 2" جلست نورا، الحاصلة على ماجيستر في الأدب من جامعة حمص، مع جلاّديها من ممثلي النظام السوري. مشاعر متناقضة اعترتها، "ولكنّي كنت في حالة تحدٍّ كبير. شعرت بالفخر كوني أتحدث باسم الناس المظلومين، بينما هؤلاء يدافعون عن مجرم من دون أن يقع نظرهم في عيني الضحية، شعرت كذلك بثورة غضب كادت تدفعني إلى تصرف يرضي نزعتي الفردية، لولا تركيزي على علامة الاستفهام التي كانت تدور في رأسي، والتي دفعتني الى التساؤل، هل بالإمكان أن أعيد حقوق الشعب السوري عبر هذه الطاولة... فعلا كانت طاولة المتناقضات".

دعوة روسيا
وعن دعوة روسيا الاطراف السورية الى الحوار على أراضيها نهاية هذا الشهر علّقت: "ما يحصل في موسكو محاولة روسية لكسر استحواذ الائتلاف على التمثيل الشرعي والوحيد للمعارضة، وذلك من خلال دعوة المعارضة الكرتونية التي هي أقرب إلى النظام. وما تحاول روسيا القيام به هو مجرد تشاور، لكن حتى التشاور بحاجة الى منطلقات وجدول أعمال وهذا ما لم يحصل".

 

الحراك إلى أين؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard