وليم نصار الميت فعلاً والصائح: "مبروك أكلتوا الضرب"!

4 كانون الثاني 2015 | 12:29

المصدر: "النهار"

الجزم ببقاء اليساري وليم نصار حياً وكيل الشتائم، أو الجزم بمماته وإكثار التحسّرات، لا يفيدان في شيء كون المتحسِّر كاد أن يصبح نفسه الساخِط بعد انتقال المُتوفّى من الموت الى التشكيك به. نال الموسيقي "العتيق" تعاطفاً إثر "موته"، واحتشد الرفاق يرثون وينعون. ولم يقصّر الحزب الشيوعي اللبناني في خطّ بيان النعي، وإذاعة "صوت الشعب" أعلنتها حداداً. لم تبدأ المسرحية على رغم جهوز الديكور. ينقصها عنصر مفاجئ كفَّ نصار الموسيقي منذ زمنٍ عن توليده. بعد الحزب والإذاعة و"فايسبوك" الطافح بالتوجّعات المتشابهة، لم يأتِ على البال إمكان تحقُّق الدعابة. كان الجمهور في عزاءٍ، وفجأة وجد نفسه يشاهد عرضاً ساخراً: نصار ليس ميتاً. كأنّ صوتاً يشبه القهقهة على العواطف المهترئة المُتراكضة صوب التفاعل مع آسى الآخر، يقول: "مبروك، أكلتوا الضرب!".

نصار في دور الضحية غير المغفور لها
سيتقبّل الجمهور أنّ نصار ضحية، عانى أوجاع اللوكيميا وصبَرَ على المرض. سيُسارع الى تبنّي أوجاعه مع موته ووصْفِه بالشجاع الذي تحمَّل. سيختزله في صورة المريض المقهور بمرضه، بعدما أمضى بعض العُمر مقهوراً بمزاجية القضايا. أمام الموت، تتناسى الجماهير الاخفاقات وتتمسّك بالحماسة. دحْضُ موت نصار حرَمَه دور الضحية المغفور لها بعد مسيرة يسارية خفَتَت. ورّطه في خديعة الجماهير المخدوعة أصلاً بسوء فهم الماركسية. يروق الشيوعي اللبناني التقدُّم من الخلف الى الواجهة. مرضُ نصار دفعه الى حشد التعاطف، ولم يتهنَّ بتداعيات موته المُشكَّك. سقطت صورة الضحية من عليائها وبانت عِقد النقص. إن ثبتَ بقاء نصار حياً وابتهاجه بالشهرة المُرافِقة، فذلك استهزاءٌ فاضح وتلاعبٌ صبياني بالموقف الأخلاقي تجاه هيبة الموت. سيبدو قابلاً للتفهُّم تحوُّل الراثين الى شتّامين. ليست "شائعة" موته من نوعيةٍ ترافق المشاهير عامة وتزيدهم وقاراً ومسؤولية. ادعاء نصار الموت، إن تبيّن، سماجة. امتحانٌ فارغ لولاء الجماهير. ومسرحية يُرشَق البطل في نهايتها بيضاً وبندورةً وفشلاً.

نصار في دور الميت فعلاً
وقد يكون نصار ميتاً فعلاً في بلد المهجر كندا، و"مؤامرة" تحول دون التفرُّغ لوداع الكبار. نسلّم لاحتمالٍ لم يأتِ بعد مَن يخرجه الى الفعل. فإن كان ميتاً، سينظر من حيث هو الى ما صنعوه من موته حين أصبح سائغاً على كلّ لسان. سيشعر بالغبن، وكم أنّ الحياة غير منصفة، كذا الانتقال منها نحو الموت. وقد يقول نُفيتُ في حياتي وها إنني أُنفَى أيضاً في الممات. سيتيقّن الحزب الشيوعي بأنه لا يُخطِئ، وبأن بيان النعي لم يذهب إهداراً كحال بعض التضحيات. سيكون موت نصار إن تحقّق، رداً على كلِّ شامتٍ بالحزب، وداعٍ إياه الى رفع ورقة نعوته. تحمّس الحزب لرثاء نصار رثاء ما تبقى من رفاق النضال، وسارع الى تحوليه بطلاً أممياً. وامتلأت جدران الفسابكة باستذكار السِيرة ونوستالجيا "بكي دم" في عزّ الحرب. وقد يكون نصار مشاركاً في مهزلة نشر الموت والتفرُّج عليه يثير الشفقة. لم يتبيّن بعد ما يضبط الفرضيات ويجعلها بالضرورة حاسمة. إعلان الموت ليس هذيان ما بعد الكأس العاشرة، والتراجع عنه ليس ببراءة صِبية يلهون في الزقاق بعد الدرس. أمكن العائلة أن تحسم الجدل أسرع. ندركُ حجم الفجيعة إن صحَّ الموت، وفقدان الصلة بكل واقعٍ آخر. أمكن النساء أن يتفرّغن للولولة ولأحد الرجال أن يتبرّع بحسم اللغط. حيٌّ أم ميت؟ اتصالٌ بالإذاعة كان كافياً، عوض لملمة الصفحة الفايسبوكية. ننعى إليكم وليم نصار، أو مهلاً، إنه لا يزال حياً، فكفّوا عن تسويق "الشائعة المغرضة". أما لا هذا ولا ذاك، بعد، فإنها الملهاة- المأساة على مستويي العائلة والتنسيقيات.
لن تدوم غيومٌ طوال الوقت في السماء. سيظهر أنّ نصار مات أو أنه لا يزال ينبض حياةً ويتفرّج. في الحالين، هو الخاسر.
fatima.abdallah@annahar.com.lb
Twitter: @abdallah_fatima

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard