الحرية وقدرها الأوسع

10 كانون الأول 2014 | 19:48

لا أفترض ان احداً يفتخر بكونه حائراً في موضوع من دون استقرار أو خلاصة نهائية. بل الأشد وطأة ان يضطر الشخص الى ان يدوّن حيرته في سطور، بحبر يعرف انه في الكثير من الاحيان أمضى اثراً من رصاص الغدر وتفجيرات الجنون المتطاير، خصوصاً في هذا الوطن الصغير. فنحن تربينا على ان الحبر يجف ويبقى، والدم يسيل دفاعاً عن أرضه التي يرويها، ويُبعث فيها روحاً مجبولة بشعور الثورة المنتصرة على كل ما يعترض طريقها، وأوله رجاحة العقل ومنطق التفكير ودقة الحسابات. اضف ان الكلمة هي السبيل الى فضاء الحرية الرحب الذي لا يعرف قيمته الا من تشرّب عظمة الارض، ويعرف انها الوحيدة التي تكملها الحرية، ولا تكتمل من دونها.

كل ما سبق محاولة للانعتاق من مواجهة الحيرة. فكل سنة، وفي هذه الفترة الاصعب التي يرتفع فيها اكثر من أي وقت، "منسوب" وطأة الغياب في عيون كل مَن حولي، أدخل في حيرة لا مفر منها. جبران غائب؟ هل ينطبق عليه فعل الغياب في الاساس؟ بعض منه على الاقل، ففي الغياب بعض من حضور، وربما أكثر طغياناً. لكن جبران يكثر من تواتره في هذه الفترة، ليس بالصورة المرفوعة على المبنى، أو في القسم المحفور في اعمدة "النهار" قبل ان يحجز مكانه في رأس صفحتها الاولى، أو حتى الصور المعلقة على الجدران. كل هذا لا يجعل من الشخص ملاكاً حارساً يرافق كل من هو مؤتمن على ما ترك. كثيرون رصفت لهم تماثيل على امتداد بلادهم، لكن ربهم وحده تذكّرهم.
أحتار في تفسير شخص، ولا اعتقد ان المعرفة الشخصية كانت لتسهّل المهمة. اساساً لم افترض ان لي قدرة على تغيير المصير، ولكنني، الى اليوم، ومنذ ان شرعت في محاولة تفسير جبران، احترت.
"قدر الاحرار"؟ أنقتنع ان قدر "الديك" جبران تويني، الذي صاح يوماً بعد يوم لاعوام، وبعد كل المعارك التي خاضها، ان يسقط بانفجار عبوة على جانب الطريق، ذُكر يومها ان "صاحبها" المفترض فاوض على سعر "بكرة التلصيق"؟ أحتار كيف تُقرن القدرية بما ننحت جميعنا جبروت التسلط يومياً لننال بعضاً من بركتها، وكيف تتجرأ على قطع صيرورة حياة لا تكون الا بها، بحريتها. اساساً كيف تجرأت على شخص كجبران، ثائر في عز أزمنة الخنوع، وأوقات الافتراض ان السلاح قادر على اخضاع الشعوب، وان التخويف المتبادل كفيل بمحو أي أمل باتعاظ وطني. كم هو مؤلم هذا القدر الذي يخيرنا بين اثنين لا ثالث لهما: الموت أحراراً، أو العيش أذلاّء، وذل العيش هو موت في ذاته. هو القدر الذي يكوينا بلذة الحرية، ويدمج في لا وعينا المعرفة المسبقة، بل الشك غير المتيقن لامكان قهر القدر، ان خاتمة الحرية هي الحزن، وان الكثير منها يهددنا بخسارتها كلها. كيف نسير على درب نعرف ان نهايته فانية، لكن قوة الدفع الداخلية تمنعنا يوماً من التوقف، بل تزيدنا هذه المعرفة عزماً على الاسراع في سبيلنا، خوفاً من ان يدهمنا الوقت؟
لعله الجنون في عينه يتكلم؟ الافتراض اننا سنكون يوماً أحراراً نخط مسارات اقدارنا بكلماتنا، ويروي حبر أقلامنا السيرة التي نجد أنفسنا مساهمين في كتابتها؟ الاكيد انه لا يمكن لجبران ان يكون أقل من مثال وقدوة. يوم نتعلم منه فعلاً، ونقتنع بأن كل المصالح والمساومات تقرع باب الحرية، ولا تلجه من دون إذننا. حين نكون تلامذة "الاستاذ" الذي طالما سمعت عنه، ولم أتعرف اليه (ربما في "عدم المعرفة" مجافاة لكل ما عرفته عنه... لكن لا تعويض عن المعرفة الشخصية، وهذه صفة أنانية فينا جميعاً!)، وندرك ان الحرية لا تكتسب بتظاهرة من هنا، او صوت صارخ من هناك، وينتهي الأمر. هي مسار حياة ومسيرة أفراد، يجتمعون على درب واحدة، في ممارسة الحرية يوماً تلو الآخر، وفي أدق التفاصيل، ولعلها أيضاً لا تكتمل الا بالاستشهاد...
قدر الاحرار؟ الحياة والبقاء ولو بعد الاستشهاد، فهم - وجبران أولهم - وصلوا في حريتهم الى منزلة جعلت أمراء الظلم يعجزون عن استيعابهم سوى بطريقة واحدة، وبلغة لا يفقهون غيرها: الغدر، والقتل، والافتراض ان شرارات حقد متطايرة قادرة على حجز الحرية، والتسليم للقدر.
قدر هو؟ لربما... لكن الاكيد ان للاحرار قدرهم الذاتي، الامضى من النسيان والاعتى على الطغيان، وهو القدر الوحيد الذي يمكن للخاضعين له ان يتحكموا به، ويطوعوه، ويسلموه ارواحهم مقتنعين بأن الاستسلام لأقدراهم لا يعني الموت، بل هو مجرد انتقال من ذروة الحرية الى رحاب الضوء اللامتناهي، وفوق هو المجال الاوسع.

karim.aboumerhi@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard