ثمن الحياة...

10 كانون الأول 2014 | 19:46

لم اكن ادري ان مرارة لحظات الموت تكتشف لاحقا، لا في حينها. كان عليّ ان اعي الخسارة بعد فترة. خسارة لا توصف.

ولم اكن اعتقد ان موت الاعزّاء يكاد يشعرني بـ "الموت" الى هذا الحد... احيانا، كنت اظن ان احاديث الموت وحكاياته لا تعنيني، كما لو انها ستبقى بعيدة مني... الى ان اختبرته وبأقسى الاشكال والصور المحفورة في مخيلتي... باتت الاجندة مجرد تواريخ للذكرى...
انما تبقى للموت قيمة نوعية، لانه يكشف حقيقة الاشياء والاشخاص... تلك هي القضية. هي اعمق من فقدان شخص عزيز وأوسع من الاشتياق اليه... هي حياة وحضور وجذور. حياة مع شخص تتجدد كل يوم. وحضور شخص لا تدرك قوته الا حين تفتقده، كأنه يعيش داخلك. وجذور تتشبث بها رافضا الانسلاخ عنها. باختصار هي قضية انتماء.
ولان بين الناس من يدفع ثمن كل شيء، يكون ثمن الحياة احيانا هو الموت. وربما يموت الانسان لانه كالقنديل اضاء كثيرا. اعطى اكثر بكثير ممّا يملك.
هي اعوام تمر و"الاستاذ" ليس بيننا، وان كان معنا. لكن تلك المعادلة الثلاثية في الحياة والحضور والجذور، تشعرني بحجم الخسارة. وقدري كان ان اشعر بها مرتين... فحين يغيب الاعزاء يتضاعف الحزن المكبوت... انما الغريب ان هذا الحزن هو نفسه يساعدك على معاودة الحياة، فتعود لتعيش حياتك عبر شريط ذكريات يسكن في داخلك، وتخاف من خسارته هو الاخر. تلك مفارقة غالبا ما نهرب من تفسيرها، او اننا نعجز عن فهمها.
ذكريات تمر امامك. وبالطبع لا تختصر صورة "الاستاذ". هي فقط تخبرك من كان جبران تويني. لطالما اشعرك ان الكثير من العمل يفوتك. ان الكثير من الجهد ينقصك، على قدر ما كان مليئا بالنشاط. كان حبه للكمال والاتقان يفوق التصوّر.
ذات صباح، اتصل بي ليوبّخني. كنت قد قصّرت في الحصول على صورة تجمع النائب العماد ميشال عون والنائب سعد الحريري في الرابية خلال اجتماعهما الاول. لا ازال اذكر نبرة صوته. كانت تخرق اذنيّ. كان شديد الانفعال والعصبية. وكنت شديدة الارتباك. حاولت التفسير: قلت له ان الصورة وزعتها الوكالات، وبالتالي نشرت صباحا في الجريدة. لكنه كان يريدها بتوقيع مصوّري "النهار". قال ما عنده. سمعني . ثم اقفل الهاتف. كنت اشعر ان المزيد ينتظرني بعد الظهر... والمفاجأة، انه حين رآني، ابتسم. اقترب الى مكتبي بودّ. ثم عاود اعطاء الملاحظة عينها وبضحكة محبّبة. بالطبع، لم يتراجع. بل اضاف "لطشة" مفهومة جدا: "هيدا الامر ما بيتكرّر...". اعترف انني انزعجت... لكني فهمت. فهمت ان علاقة "الاستاذ" بالصحافيين لا تتوقف عند حدود خبر او صورة او "توبيخ" لطيف. هي اعمق بكثير، قد تكون مسار حياة ومهنة، يعرف خلالها كيف يطوّرك ويساعدك على التقدّم... يكفي ان يكون الى جانبك من يراقب... ويسمع...
محطات عدة مرّت. حوادث مهمة عاشها لبنان، و"الاستاذ" يعرف كيف "يخيط" تلك العلاقة مع الصحافي الشاب. هو دائم الحضور بلا تكلّف.
... تشرين الاول 2005: شهران فقط قبل الاستشهاد. سمعت اتصالاً آخر من "الاستاذ". هذه المرة من باريس ليستوضح حول تحقيق اليرزة حيث دفن شهداء عسكريون. احسست كم يدعمني. بكلمات قليلة شعرت انه الى جانبي. اراد ان اكمل، وعرف بأي كلمات يزيدني صلابة.
لم يتردد، وهو "الاستاذ"، في الاستفسار عن بعض الجوانب، وطلب المزيد من التفاصيل، كما لو انه يتبادل المعلومات معك. علاقة فريدة نسجها "الاستاذ" معنا، وعلى طريقته. يدرك كيف يطمئن اليك خلال تغطيات التظاهرات الساخنة، وكيف يختار معك صور الحوادث. كان معنا في "المطبخ". يدعم. يضحك. يغضب. وفي توبيخه وتشجيعه، تحبه...
كان يتقصد المرور من امام مكاتبنا للاطمئنان. وبضحكته المعهودة، يسأل: "ماشي الحال. ما هيكي؟".
مرت عليّ ست سنوات في "النهار". ثلاث منها كان جبران بيننا. وثلاث من دونه. معادلة نصفية، لكنها بالتأكيد ليست منصفة. خلالها، خسرت الكثير. هي ليست منصفة لصحافيين شباب شعروا ان ثمة قوة خفية تشجعهم على العطاء وتخطي العقبات لارضاء الذات اولا. بعدها، لا يعود يهمك اذا ارضيت المسؤول عنك او مديرك. في الاساس ليست المسألة في ارضاء احد، ولا حتى جبران تويني. هذا ما يشعرك به. كل قيمة عملك هي في تلك العلاقة بين الصحافي والقارىء، وبين الصحافي مع نفسه... هكذا، فهم الصحافة وهذا ما نقله الينا. "انتم الواسطة بين السياسيين واللبنانيين. لا يجوز الا يستفزّكم كل ما يمس المواطن. عندها قد تفشلون كصحافيين". عبارة لطالما ردّدها، ووحدها كانت كفيلة بدفعك الى الامام...
اليوم... لا تزال القوة موجودة، انما مكسورة بحزن... هذا هو ثمن الحياة. هو حزن مكبوت صامت يتضاعف مع كل موت جديد او خسارة لا تقدّر...

manal.chaaya@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard