لن أرثي صباح!

26 تشرين الثاني 2014 | 09:57

المصدر: "النهار"

(من أرشيف "النهار").

هل يجب أن أرثي صباح لأنها غادرت؟ هل يجب أن أكتب مقالاً رومنطيقياً يدّعي الأسى والدموع، ليُضاف إلى السيول المضجرة من مقالات التقريظ اللفظي التي تكاد تخلو من أيّ معنى معرفي؟ أم يجب أن تكون المناسبة سبيلاً نقدياً هادئاً لتظهير مكانتها الفنية الفذّة؟

هذه الفنانة - الظاهرة، التي أبت مراراً أن تغادر، علماً أنها قد "ماتت" من زمان، لم تكن امرأةً فاتنةً، ولا صاحبة صوتٍ جميل فحسب، بل كانت مسكونةً بكينونةٍ فنية خاصة، أداءً صوتياً وتمثيلاً سينمائياً ومسرحياً.

ألا يجب، والحال هذه، درس تجربتها المتكاملة، وخصوصاً تفكيك خصوصيات حنجرتها، التي تلاعبت بالمراتب علواً وانخفاضاً، امتداداً وقطفاً، غنجاً واستثارةً، عنجهيةً واسترقاقاً، مروراً بأنواعٍ شتّى من الصهيل البلدي المتشاوف الحنون، والغناء المحفوف بالغوايات المصرية؟
كانت صباح، والحقّ يقال، صاحبة حنجرةٍ استثنائية مكّنت صوتها من أن يكون مختبراً فذّاً لكيمياء الغناء، ولأحواله الذاهلة عن نفسها.
أقول الكيمياء، آخذاً في الاعتبار، أن "بيتها" الصوتي كان حافلاً بمنازل كثيرة، مؤثّثة بطبقات وصداحاتٍ متنوعة، خلاّقة، متلاعبة بالأوتار من أخفضها إلى أعلاها. حتى لكأن في مقدور هذه الحنجرة أن تؤوي المراتب المتناقضة، على درجاتها المتتالية، أو المفاجئة، في البرهة الصوتية نفسها.
هذه موهبةٌ خالصةٌ، لا ادّعاء فيها. إذ ربما، ليس ثمة وجودٌ في الغناء العربي، يماثل ظاهرةً كهذه، تتلاعب بالصوت تلاعباً متدرّجاً، مفاجئاً، أو متوقَّعاً، حتى ليظنّ السامع المتلقي أن قائد أوركسترا يدير هذا التلاعب، ويحرّكه وفقاً للضرورات، في حين أن التلاعب هذا ينتمي إلى البداهة الأدائية المنصقلة بالطبع، لا بالمران، وهي بداهةٌ يهبها الجسم لصاحبته، من دون اجتهادٍ ولا اصطناع.

كثرٌ قد لا يحبّون صوت صباح، أو بالأحرى، لا "ينتمون" إليه. هذا يندرج حصراً في باب الذائقة "الشعرية"، التي تُخفي تحتها سلّماً دقيقاً من المعايير الفنية والنفسية، الباحثة عن "قيم" جمالية، قد لا يكون مطلوباً – بالضرورة - توافرها في هذا الصوت بالذات. ربما. ذلك أن الجماليات الشعرية الدفينة، المضمرة، والتأويلية، التي تتفجر كالينابيع، وتسيل كحبر الكتب، وتستدعي هواجس الليل، إنما تتطلب استعدادات وتهيوءات أراها تهرع إلى تلك الأحراج والغابات الصوتية التي تؤخذ بعين النفس المغمضة، لا بالأذن فحسب.

لكن من حقّ صوت صباح، أن يستقلّ بحاله، كبيتٍ بمنازل كثيرة. وإذ أستعير هذا الوصف من مؤرخنا الكبير كمال الصليبي، كنايةً عن بلدنا، فلأن حنجرتها تمثّل ظاهرةً غريبة عجيبة، كظاهرة هذا الكيان اللبناني الذي أرجو أن يظلّ بيتاً واحداً، وإن بمنازل كثيرة.
لأجل هذا السبب بالذات، لن أرثي صباح، ولا غيابها الأخير هذا!
صوتُها ليُحتفى به، لا ليكون موضع رثاء!

Akl.awit@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard