"رُمي في حضني والرصاصة في قلبه"

16 تشرين الثاني 2014 | 15:06

المصدر: "النهار"

في ذلك الاثنين، خرج محمود من بيته، قبّل يدي والدته، عانق زوجته، ودّع إخوته، حمل زوّادته، وانطلق في سيّارته من باب التبانة باتجاه بيروت. أمام الجامع الناصري في طرابلس لفظ أنفاسه، كانت رحلته الأخيرة قصيرة، أصيب برصاصة استقرّت في صدره خلال اشتباكات باب التبانة وجبل محسن، وأعمال القنص التي رافقتها.

ذلك اليوم المشؤوم
مرّت أكثر من سنة على الحادثة، ولكن فوز، والدته، ما زالت تنتظر عودته، تحتفظ بأغراضه، وتشمّ ملابسه يوميًا. في بيتها المتواضع المضعضع قرب جامع عبدالله مسعود في باب التبانة، تتابع فوز حياتها، تهتمّ بمنزلها وعائلتها، ولكن بكرُها ومدلّلها محمود لا يفارق تفكيرها. تقول لـ"النهار": "نحن عائلة مسالمة لا علاقة لنا بالمشكلات التي تحدث في التبانة. زوجي يخرج إلى عمله صباحًا ويعود إلى البيت مساءً، وأولادي مثله. محمود، الله يرضى عنه، لديه سيّارة وكان يعمل على الخطّ إلى بيروت. كعادته خرج صباحًا ليسترزق، وكانت الأوضاع هادئة، لكن رصاصة استقرّت في قلبه أمام الجامع الناصري ما أدى إلى وفاته وهو في سن الثانية والعشرين، كان عريسًا والحياة أمامه، لم يمت وهو يجاهد، لم يمت وهو يحمل البندقية، ذهب ضحية وهذا ما يحزّ في قلبي، لكن الله استفقده بحبّه، الحمدالله على كل شيء".

الحقد الأعمى والجهل
تزوّج محمود قبل وفاته بأربعة أشهر، وعاش مع زوجته في غرفة ضمن المنزل العائلي. كان مندفعًا ويحبّ الحياة، مسالمًا ويخاف ربّه، لكن جولات العنف التي شهدتها طرابلس في السنين الأخيرة، قتلت أهلها ودمّرت صورتها. وتتابع أم محمود: "وضعنا سيئ والعيشة صعبة، بيوتنا محروقة، ولا دخل لنا بما يحصل، حرام شو عم بيصير فينا، بسبب شو؟ وكرمال مين؟ الجهل؟ الحقد؟ العمى؟ الله ينتقم من اللي كان السبب. الناس تتطوّر وتتقدّم، العلم ينتظرنا، علينا أن نكافح من أجل أولادنا ومستقبلهم، لا نريد العودة إلى الوراء، فالعودة إلى الماضي لا تفيدنا. ما كتبه الله لنا سنعيشه، لم أذرف دمعة واحدة على محمود، إنه عند ربّه وهو أكرم مني عليه. الله صبّرني وهدّأ قلبي، لديّ خمسة أولاد غير محمود، أريد بناء مستقبل لهم وأن نعمل ونعيش، لا أن نبقى أسرى الماضي، علينا أن ننفض الحزن عنا وأن نجري وراء الفرح والعلم، لا نريد الحرب والدمار، بل نريد الحياة".

جمع مالًا فصرفته على عزائه
تشتاق السيّدة فوز لمحمود، تنتظر دخوله من الباب يومًا ما، وتقول: "كان زينة البيت، طلّته بهية، عنده رهجة وبيعمل عجقة، كلّ شي فيه حلو. لم ولن أبكي عليه فهو ما زال حيًا في قلبي. كان يحبّ الكوسى واللبن، عندما أعدّها أتخايله جالسًا إلى جنبي يأكل ويتلذذ بطعمها. لم أتصوّر يومًا أنني أنا من سيدفنه، كنت أنتظر رؤية أولاده، ما زلت أحتفظ بأغراضه الخاصّة، ساعته، ولّاعة السجائر، مفاتيحه، ثيابه، بزة عرسه، البرنص الذي استعمله قبل خروجه الأخير من المنزل، الصيغة التي أهداها لزوجته، أشتمّ رائحته يوميًا. كان حنونًا عليّ، كان يعطيني المال يوميًا لأدخره ونرمم سقف المنزل، فجمعت 700 ألف ليرة لبنانيّة، ولكنني صرفتها على عزائه".

لمين عم بيموتوا ولادنا؟
كلمة الحمدالله باتت محطّة كلام عند أم محمود، لا تتهمّ أحدًا بقتله، ولا تضع أحدًا في ذمّتها، بالنسبة إليها الإنسان يعيش ما قدّره الله له. تقول السيّدة فوز: "العين التي لم ترّ لا يمكنها أن تشهد، أنا لم أكن موجودة لحظة وفاته، ولا أعرف من أصابه، لقد رُمي في حضني والرصاصة في قلبه، لا أضع أحدًا في ذمتي، ولم أشتكِ على أحد، ولا أحقد على أحد، على العكس دخلت في جمعيّة نسائيّة تضامنيّة بين أهل الجبل والتبانة لنزرع بذور المودة والمحبّة فيما بيننا، كي لا يكبر الجيل الصاعد على الحقد والبغض، فكما أنا خسرت ابني، هناك أمّهات من الجبل خسرن فلاذات أكبادهن، لذلك لا نريد لأولادنا أن يربوا على غريزة علوي – سني".

تستذكر أم محمود أيّام الماضي بحرقة، تأسف على وفاة خيرة الشباب، وهدم المستقبل، فتقول: "نحن نعيش معًا منذ سنين طويلة، نحن جيران في حارة واحدة، في صغرنا لم نكن ندرك ما هو السنّي وما هو العلوي، كنا ندقّ أبواب بعضنا خلال رمضان لنتبادل الطعام، لقد كبرنا يدًا بيد، لا أعرف كيف برزت هذه الطائفيّة، ولا أريد أن يعيشها أولادي، العبادة تكون بالصلاة والصوم وحفظ القرآن والالتزام في الدين لا بمعايرة الآخرين، هذه مبادئي ولن أغيّرها، وهذا ما أوصي به أولادي. من الذي بدّل حياتنا غير هذا الجيل الفاسد؟ هناك من يريد إقامة إمارة له، وهناك من يطمح بالمشيخة، رؤوس كبيرة تقف وراء المولوي ومنصور والمصري، هؤلاء كانوا عتالين في سوق الخضار. بلادنا تجري إلى المجهول ولا يوجد من يضبط الأوضاع، لقد تعبنا على هذه البلاد ودفعنا دم أولادنا فيها لنبني مستقبلًا ونعيش بكرامة ونشعر بالأمان. لكن، ويا للأسف، كلّما صعدنا قليلًا، تدور اشتباكات ونعود إلى الوراء، أملنا الوحيد هو بالله والجيش، خلاصنا على يده، ولكننا نخاف أن تعود المعارك فجأة وتتفجّر الأمور مجدّدًا، ويذهب المزيد من الدماء هدرًا".

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard