قصّة رحلة غير شرعيّة من سوريا إلى السويد! (خاص "النهار")

22 تشرين الأول 2014 | 13:15

المصدر: "النهار"

تعرّفا إلى بعضهما منذ ست سنوات، وتزوّجا منذ ثلاث سنوات بالتزامن مع اندلاع الحرب السوريّة. لم يعتقدا يومًا أن هذه الحوادث ستطول كثيرًا، لكن سنة بعد سنة فقدا الأمل بإمكان انتهائها قريبًا، فبدآ يفكّران جديًا بالخروج من سوريا التي أحبّاها، ومن دمشق التي شهدت على حبّهما، وأحيائها القديمة التي رافقت طفولتهما ومراهقتهما، وأزقتها التي حفظت دعساتهما، ومعالمها التي حضنت أجمل أيّام الحبّ والغرام.

مع سقوط كلّ قذيفة هاون بالقرب من منزلهما في العاصمة دمشق، كانت تتبدّد كلّ أمالهما بأي مستقبل زاهر في سوريا. مع كلّ خسارة عزيز أو قريب أو صديق، كان يزيد تطلعهما للخروج من البلد. فقدا كل ما يملكان إلّا الأمل ببناء حياة مستقرّة وتأسيس عائلة وتحسين ظروفهما. قدّما طلبات هجرة إلى دول أميركيّة من دون نتيجة، حتى لاح في الأفق حلّ "الهروب والهجرة غير الشرعيّة".

مغامرة تتهدّدها الأخطار!
على مدار أكثر من ثلاث سنوات، كان همّ كريم وزينة جمع مبلغ ماليّ يتيح لهما الخروج من سوريا إلى السويد، بعدما أقفلت في وجههما كلّ أبواب السفارات الأجنبيّة. قبل نحو شهرين انتقلا إلى بيروت، ومنها سافرا إلى تركيا حيث بدأت هذه المغامرة – الحلّ، ليتجنّبا خطر الموت في أي لحظة بقذيفة أو تفجير أو رصاصة.

تروي زينة تفاصيل ما حصل معهما لـ"النهار" وتقول: "منذ نحو شهرين انتقلنا من الشام إلى بيروت. واجهنا مشكلات على الحدود السوريّة. جرى التدقيق في أوراقنا للتأكّد من أننا لن نبقى في الأراضي اللبنانيّة. لكن سرعان ما يسّرت أمورنا، فبقينا ساعتين في لبنان قبل أن نسافر إلى تركيا. نزلنا في مطار اسطنبول ومنه توجّهنا إلى أزمير وبقينا فيها ثلاثة أيام حتى اتفقنا مع المهرّب على تفاصيل انتقالنا إلى اليونان. في مساء يوم جمعة صعدنا على متن يخت سياحي نقلنا إلى جزيرة سيمي اليونانيّة، حيث سلّمنا أنفسنا إلى الشرطة ليسوّوا أوضاعنا. أخبرناهم أننا سوريون ولا نريد العودة إلى سوريا".

الذلّ هربًا من الموت
هناك، في مركز الشرطة اليونانيّة، خضع كريم وزينة للتحقيق، التقطت الصور لهما، ومهروا بصماتهما على ورقة تسمّى "خارطة"، تُعطى لكلّ مهاجر غير شرعي تخوّله الإقامة في اليونان لمدّة ستة أشهر فقط. تقول زينة: "شعرنا بذلٍ هناك خصوصًا عندما التقطوا صورنا وأخذوا بصماتنا كأننا مجرمون. ولكنها إجراءات ضروريّة يجب إتمامها لنكمل رحلتنا التي ستحدّد مصيرنا".

مكث كريم وزينة أيّامًا في جزيرة سيمي، في مربّع أشبه بسجن يُمنع خروجهما منه. احتجزا فيه لمدّة ثلاثة أيّام كونهما وصلا في عطلة نهاية الأسبوع. تصف زينة المكان والأيام الثلاثة: "كان المكان الذي احتجزنا فيه عبارة عن غرفة مفتوحة، أو بلكون، سجن كبير، لكن من دون تكبيلنا. نمنا على الأرض طوال هذه الأيّام، بقينا في الملابس نفسها بعدما تركنا أمتعتنا في تركيا وجئنا مع محفظة خصر".

مرّت الأيّام الثلاثة، تسلّما "الخارطة" التي تتيح لهما التنقل بصورة شرعيّة في اليونان، وذهبا إلى أثينا ليلتقيا المهرّب الذي سيخرجهما إلى السويد. تتابع زينة: "مكثنا في فندق رخيص في أثينا حتى اتفقنا مع المهرّب. وما هي إلّا أيّام حتى وصلت أوراقنا المزوّرة التي سافرنا بموجبها إلى إيطاليا. لكن لسوء حظّنا قُبض علينا هناك، سُجنّا يومًا قبل أن يعيدونا إلى اليونان، فسُجنا مجدّدًا وحوكمنا بالحبس بتهمة حيازة أوراق غير شرعيّة لمدّة شهر مع وقف التنفيذ، وحذّرونا من الهرب بطريقة غير شرعيّة تحت طائلة إعادتنا إلى سوريا".

لا حلّ شرعيًا
خاف كريم وزينة من قرار المحكمة، ومن إعادتهما إلى سوريا التي هربا منها، فراحا يبحثان عن طرق شرعيّة للخروج من اليونان والوصول إلى السويد. وتقول زينة: "لدينا أقارب في ستوكهولم، اتصلوا بالقنصل السويدي في اليونان، الذي سأل عن الطريقة الشرعيّة التي تتيح لنا الوصول إلى السويد. فكان الجواب: (لا توجد أي طريقة، فليغامرا ويتصرفا ككلّ السوريين)، لم يكن أمامنا أي طريقة سوى المخاطرة مجدّدًا والخروج بطريقة غير شرعيّة".

مهرّب أرحم من كهنة
في هذا الوقت، باتت أموالهما تقلّ وتنقص تدريجًا، فلقد كلّفتهما رحلتهما من تركيا إلى اليونان 8000 يورو، وكان عليهما أن يدفعا 8000 يورو أخرى للوصول إلى السويد. وتتابع زينة: "لم يعد معنا الكثير من المال. أخبرونا أن الكنائس تقدّم المساعدات، فحاولنا اللجوء إليها بما أننا مسيحيون. الكاهن الأوّل لم يقدّم لنا شيئًا، طلب منا الخروج من الفندق الذي مكثنا فيه كونه موجودًا في منطقة موبوءة اجتماعيًا، ويستعمل كبيت للدعارة، وأرسلنا إلى فندق آخر، لكن بدل الليلة الواحدة فيه كان مرتفعًا، فعدنا إلى الفندق الأوّل وتحمّلنا أجواءه الرخيصة، كنا نسمع ما يحصل في الغرف المجاورة ونرى الأعمال اللاأخلاقيّة فيه. لجأنا إلى كاهن ثانٍ، فقال لنا إن الكنيسة تؤمّن غرفًا ولكن علينا الانتظار نحو 20 يومًا".

وفيما كانا ينتظران وعود الكاهن، وموعد خروجهما من اليونان، لم يعد معهما المال الكافي للعيش والنوم في فندق، وتقول: "تعذّبنا كثيرًا كنّا ندفع 30 يورو تقريبًا يوميًا لنبيت في الفندق. لم يعد معنا مال، اتصلنا بالمهرّب وطلبنا منه تسريع عمليّة هروبنا إلى السويد، لأنه لم يعد معنا سوى المال الذي يريده لترحيلنا. أبقى معنا 500 يورو لكي ندبّر أمورنا عند وصولنا إلى السويد. لقد كانت المفارقة الأغرب، أن المهرّب الخارج عن القانون، ويا للأسف، كان أفضل وأحسن من الخوارنة. كلّفنا الخروج من سوريا نحو 19000 يورو هي كلّ ما نملك، ومن ضمنها 5000 يورو دين".

أخيرًا على أرض السويد
خرجت زينة وزوجها بأوراق مزوّرة من اليونان ووصلا إلى السويد، خاطرا بإمكان ترحيلهما إلى سوريا، حين لم يعد أمامهما أي حلّ آخر سوى المجازفة، وتقول: "طلعنا وإيدنا ع قلبنا، فلو قبضوا علينا كنا سنحوّل إلى المحاكمة وبعدها سنرحّل إلى سوريا. لكن في الوقت نفسه كانت تصلنا أخبار تثلج القلب، منها كيف أن الجهات الرسميّة اليونانيّة تسهّل هروب السوريين إلى دول أخرى، وكيف أنهم يقبضون على المئات يوميًا ويسهّلون مرورهم شرط أن لا يُقبض عليهم في الدولة التي يتوجّهون إليها، فيضطرون لإعادتهم إلى اليونان للمحاكمة. سافرنا إلى السويد، وما إن وطئت أقدامنا المطار حتى توجّهنا إلى مكتب الهجرة، وقدّمنا طلب لجوء، وسلّمناهم جوازيْ سفرنا إلى حين حصولنا على إقامة دائمة، لقد كنا صادقين معهم، أخبرناهم أننا هربنا من سوريا ونريد البقاء في اليونان، فكانوا متعاونين ولطيفين، وسمحوا لنا بالبحث عن عمل منذ اليوم الثاني".

إلى حين عثورهما على عمل، يحصلان الآن على معونة حكوميّة بقيمة 1800 كروم للشخص الواحد (180 يورو)، فيما الراتب الأقل الذي قد يحصلان عليه من أي عمل هو 6000 كروم (600 يورو)، لذلك تسعى زينة للعثور على عمل وكذلك زوجها كريم، وتقول: "نحن مستعدون للعمل في جلي الصحون أو العتالة على الرغم من الشهادات الجامعيّة التي نحملها، إلى حين حصولنا على الإقامة الدائمة، نحن حاليًا نسكن في بيت عمّي وليس في مخيّمات اللاجئين، ومعنا بطاقة تتيح لنا التنقل وتؤكّد أن وجودنا شرعي بانتظار حصولنا على الإقامة الدائمة".

خطر الغرق لم يكبحهما
حادثة أثّرت كثيرًا في زينة، هي قصّة سوري من حمص هرب مع زوجته وابنه، لم يكن لديه الكثير من المال، اضطرّ إلى ركوب قارب مطاطي مقابل 2000 يورو، ينقله من تركيا إلى اليونان، لكنّهم ماتوا كلّهم. لكن ذلك لم يجعلهما يتردّدان يومًا أو يفكران بالعدول عن الهرب، وتقول: "على الرغم من كلّ ما رأيناه وما عشناه وما سمعناه لم نتراجع يومًا عن فكرة الهرب، لقد عشنا ظروفًا صعبة في السجن وفي أثينا، ولكن عندما يسألني كريم إن كنت نادمة على شيء، فجوابي يكون النفي. وعلى الرغم مما حصل معنا أنا مستعدة لإعادة الكرّة مرّة أخرى وفي الظروف نفسها، لأنها أخفّ وطأة مما عشناه في بلدنا. أسهل من حالة اللاأمان التي كانت تلازمنا في دمشق، أسهل من انتظار قذيفة هاون تسقط على شرفة منزلي، أو إصابتي برصاصة تشلّني أو تقتلني. أما أكثر ما مدّني بالقوّة وجعلني أتأكّد أنني أقوم بالعمل الصحيح، هو عندما اتصلت بي شقيقتي لتقول لي إنها نجت وزوجها من قذيقة سقطت في غرفة نومهما".

ضحك مجبول بقهر
تخلّلت هذه الرحلة الشّاقة والانتظار الطويل ذكريات بائسة ومواقف صعبة ولحظات لن ينسياها يومًا، فتروي زينة بعضها وتقول: "أصعب اللحظات كانت عندما سجنّا في اليونان، وعندما قيّدوني لأكثر من سبع ساعات أثناء محاكمتنا، لم أتقبّل السجن، كان عبارة عن غرفة صغيرة فيها شباك صغير وحائط يفصلني عن كريم. كان سجني هو الموقف الأصعب في حياتي، لقد انهرت ومرضت لمدّة أسبوع، لم أتحمّل الفكرة، لقد هربت من الحرب لا لأسجن في بلد آخر. نحن لم نرتكب ذنبًا، لقد أعطونا ورقة طرد، لقد سمحوا ببقائنا لمدّة ستة أشهر فقط، فلماذا يسجنوننا إذا حاولنا الخروج إلى بلد آخر".

لكن اللحظات الصعبة رافقتها أخرى غريبة وأحيانًا مضحكة، زرعت البسمة على وجهيهما على رغم كلّ الظروف. بقيا في اليوم الثاني في سيمي، حين وصلت الجماعة المؤلفة من ثمانية أشخاص حلبيين، فتعرّفوا إلى بعضهم وأمضوا ليلة جميلة، أنستهم الظروف القاسية، وتقول زينة: "كنا نجلس في السجن الأشبه بالشرفة، ونضع بساطًا على الأرض، فشعرنا وكأننا في مخيم كنسيّ، صرنا نغني ونلعب. إنّه المضحك المبكي، لأننا حاولنا التفتيش عن الضحكة على الرغم من الألم الكبير. خلال هذه الليلة حوّلنا السجن إلى صالون للتجميل، فإحدى السيّدات الحلبيّات كانت تعمل في مجال التجميل، وكونها أتت على متن قارب سريع سمحوا لها بجلب أغراضها معها، كانت تضع لي طلاء الأظافر عندما مرّ الشرطي المراقب، فصار يضحك، وكأنه يقول: (شو هاللاجئين اللي فاضيين يعملوا مانيكور)".

لن نبكي على سوريا
يأمل هذا الثنائي الشاب بتغيير حياته، وإعادة الاستقرار إليها، والسعي إلى مستقبل أفضل. تقول زينة: "لم نخرج من سوريا لنبكي عليها، خرجنا بحثًا عن حياة، هدفنا تأسيس عائلة وإنجاب الأولاد، نريد أن نعيش بأمان، سنبحث عن عمل، لن نكون أشخاصًا فاشلين، لدي قناعة بأن السوري لديه القدرة على العمل أكثر من كلّ شعوب العالم، نظرًا لما تعرّض له. بدأنا نبحث عن عمل أنا وكريم، لدينا شهادات ولكننا سنعمل في جلي الصحون والعتالة لنبني حياتنا. سأدرس اللغة السويديّة وقد بدأت ذلك على الرغم من مرور أيّام معدودات على وصولنا، وهذا سيتيح لنا تعديل شهاداتنا والعمل في اختصاصنا، سنكوّن عائلة وحياة جديدة. لقد نجحنا في بلدنا ولن يصعب علينا التميّز في بلد لديها كلّ مقوّمات النجاح".

لقد غيّرت الحرب السوريّة حياة هذا الثنائي، كما غيّرت حياة الملايين غيره، لقد أعادته إلى الصفر، ولكنّها لم تحدّ من طموحاته، وتعتبر زينة أن "الحرب غيّرت كل شيء، قلبت حياتنا. كنّا نعمل وكان وضعنا جيّدًا، لكن فجأة تغيّر كل ما حولنا، كثيرون خسروا أعمالهم وبيوتهم، والد كريم خسر معمله، وأهلي غيّروا مكان إقامتهم. فقدنا الاستقرار. تركنا سوريا بحثًا عن الأمان وعن حياة أفضل، فلا السياسة تهمّني ولا غيرها. نعيش منذ أكثر من ثلاث سنوات تحت الضرب والقصف، لم نعد قادرين على انتظار تحسّن الأمور. تزوّجنا منذ ثلاث سنوات ولم نسمح لأنفسنا يومًا بالتفكير في إنجاب طفل، لقد مرّت هذه السنوات من دون أن نشعر، كنا نمرّر الأيّام على أمل الخروج من سوريا يومًا ما. ها قد تحقّق جزء من أحلامنا، وسنعمل على تحقيق الباقي منها".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard