في مقاهي الحمرا: الورق أم اللوح الالكتروني؟

16 تشرين الأول 2014 | 12:13

المصدر: "النهار"

وحيداً، حاملاً صحيفة في يديه، جلس عاطف (72 عاماً) في أحد مقاهي شارع الحمرا، يحتسي قهوته وهو يقرأ احدى المقالات، ما إن سُئل عن رأيه بالصحيفة الورقية حتى انطلق بشغف يقص قصة عشقه لها منذ خمسين عاماً، رافضاً كما قال استبدال معشوقته بلوح الكتروني لا يقدم له متعة القراءة التي اعتاد عليها، قائلاً :"لا تعني الصحافة الالكترونية لي شيئاً فهي لا تترك انطباعاً في الذهن، كما أنني لا أسرق نظرة إلى الاخبار العاجلة التي تتميز بها والتي تتعب أعصابي".

في المقهى عينه،( (Costa مشهد يمكن وصفه بغير المألوف لجيل اليوم، عشريني يحمل صحيفة ورقية ويجلس معها كرفيقة وحيدة، وعند سؤاله عن تفضيله لها عن "ابنة عصرها" قال: "في العادة أتابع الصحف أونلاين عبر الايباد، لكن اليوم صودف عدم وجود خدمة الانترنت على جهازي، ما اضطرني لشراء صحيفة ورقية، اعتدت على الصحافة الالكترونية فكيف لي أن أحصل على الجريدة اللبنانية التي أريدها في دبي مكان سكني إن لم تكن أونلاين، كما يجب أن لا ننسى قلة التكلفة المالية للصحف الالكترونية، فالاشتراك في خدمة الانترنت يكفي لتمكين المشترك من تصفح كل الصحف والمجلات التي تمتلك مواقع، عدا عن أنه يتم تحديثها على مدار الساعة مع ميزة تغطية الحادث خلال دقائق من وقوعه وبالصورة، وسهولة تعديل المعلومات وتحديثها بعد النشر وذلك بخلاف الصحافة المطبوعة، ومع هذا لا أنكر جمال العلاقة التي يشعر بها الانسان عند تلمس الصحيفة بيده والانتقال بين صفحاتها، لكن الكترونياً الأخبار أسرع والتنقل أسهل".

عمق وتحليلات

على طاولة مجاورة ازدحمت عليها جرائد عربية وأجنبية، كان الصحافي في الولايات المتحدة غسان بري والآتي في زيارة إلى لبنان يتابع ورقياً الصحف اليومية، فاعتبر أن ما يميّز الصحف المطبوعة هو التحليلات والعمق التي تتحلى به، لافتاً إلى أنه "بامكاني أن آخذ وقتي في قراءتها على عكس الصحافة الالكترونية التي تشبه الوجبات السريعة، اضافة إلى تقديمها معلومات بدون أبعاد تحليلية. لذلك تعتبر الصحافة الالكترونية غير كافية وهي تعطي علماً وخبراً فقط في كثير من الأحيان ".

رحلة وطقوس

هناك أمام الواجهة الزجاج لـ (Starbucks) طاولة مليئة بالصحف والأوراق، يجاورها رجل خبأ وجهه بصحيفة يحملها بين يديه، ليظهر أنه الكاتب والمترجم فوزي محيدلي الذي على الرغم من تنقله على قطار جيل اليوم التكنولوجي إلا أن الرحلة الصباحية مع الصحف الورقية لا يمكنه الاستغناء عنها، إذ يقول: "أشعر أن الكتابة بالقلم على الورق رحلة جميلة وطقوس أجمل، لكن الجيل الجديد لم تعجبه وجهة هذه الرحلة، فطار إلى ناحية أخرى من الكون، لست ضد التكنولوجيا والكمبيوتر الذي أخصص ساعتين يومياً له، لكن الجريدة الورقية صديق قديم لم يفارقني خلال الحرب اللبنانية، أتذكر حينها كيف كنت وزملائي نقصد الحمرا تحت القصف والدمار لنحتسي فنجان قهوة ونتابع التحليلات الصحافية". وختم: "رغم المنافسة القوية، لا يمكن الورقية أن تخسر المعركة أمام الالكترونية والدليل على ذلك أنها عادت وأوجدت نوعاً من التوزان في أميركا بعد رجحان الكفة للأخيرة".

لست خائناً

رغم جلوسه في (Lina's) يتصفحها إلا أن لهذا الرجل (68 عاماً) انتقادات على الصحف اليومية التي يقتصر شراؤه لها عند قصده المقهى، فيقول: "أفضل القراءة الكترونياً، لست خائناً لرفيقة الدرب، لكن لم أعد أحتمل الاهمال والاستلشاق، فنوع الورق والحبر بات دون المستوى، أصابعي تصبح سوداء لدى حملها، أما الساعي الذي يوصلها فيقوم برميها على الأرض عند مدخل المبنى، لنضطر إلى النزول سبع طبقات لجلبها ناهيك باتساخها إذ قد تصل مبللة بالمياه في فصل الشتاء".

أفضل للبيئة

في Café Hamra كان نبيل وزياد يلعبان طاولة النرد (الزهر)، وأمامهما من استطاعت أن تقطع اندماجهما في الدقيقة مرات عدة، فنغمة رنتها تكاد تكون متواصلة، انها الايباد التي حملها زياد ليقرأ الاخبار المستجدة حيث يشرح "على هذا اللوح اقرأ ما أريد، اي صحيفة أريد وأي تحليل، الخبر يصلني بالصوت والصورة وفي الدقيقة، هل من المنطقي أن لا أتابع الاخبار الكترونياً وأنتظر صدور جريدة تتضمن أخباراً قديمة ما يشعرني أنني متأخر يوماً عن الأحداث التي تدور حولي"، يقاطعه نبيل "اضافة إلى كون الصحافة الالكترونية أسرع فلا نضيّع وقتاً في قصد مكان لشرائها وأسهل في تقليب صفحاتها، فهي أفضل للبيئة، ورق الصحف يصنع من الشجر، على الرغم من أنها أوراق مكررة، فضلاً عن حاجة الصحيفة الورقية إلى وقت وجهد ومصروف ".
"تعبها ما بيحرز"
نسبة بيع الصحف تراجعت بين 60 الى 70 في المئة بحسب صاحب كشك على رصيف الشارع، الحج حمندي، والذي اعتبر أن "التلفزيون ومن بعده الانترنت جعلا المعلومة تصل للناس في لحظتها من دون الحاجة للانتظار يوم لمعرفتها، لذلك أقول تعبها ما بق بيحرز ".

"الاكتفاء بنظرة"

كلام حمندي أكده زميله في المهنة محمد ابو الحسن القابع على بعد أمتار منه، إذ قال:" انخفضت المبيعات إلى النصف، معظم المارين يكتفون بالقاء نظرة على المانشيت، القليل من الزبائن لم تغب طلتهم اليومية عليّ كما أن القليل من الشباب يشترون الصحف ". ورغم ذلك لا يتوقع محمد أن يأتي يوم يتوقف فيه اصدار صحف ورقية، قائلاً: "لو كان أصحاب الصحف يتكلّون على المبيع لما أصدروا صحيفة، لذلك ستستمر في الصدور والاستفادة من الاعلانات".
توازن وتكامل؟

في أيار الماضي، نعى الباحث الأوسترالي روس داوسون خلال افتتاحه جلسات منتدى الإعلام العربي الصحافةَ الورقية التي ستنقرض برأيه حتماً، إذ رأى أن "اختفاء الصحيفة التقليدية التي اعتادت أجيال طوال حياتها على قراءتها وتصفح أخبارها والتعلق بكتابها، لن يتم بشكل مباغت أو دفعة واحدة، أي إنه لن يحدث غداً أو بعد غد، المسألة ستستغرق سنوات لكن هذه السنوات ستأتي لا محالة".

وتوقع داوسون انقراض الصحافة الورقية في العالم العربي، حيث ستبدأ طلقة الرحمة من دولة الإمارات في عام 2028 ومنها إلى دول المنطقة، أما عالمياً فتوقع أن تنقرض بداية في الولايات المتحدة عام 2017 ثم بريطانيا وأيسلندا وذلك في العام 2019، وفي كندا والنرويج عام 2020، وفي أوستراليا العام 2022، وستستمر في فرنسا حتى 2029 نتيجة الدعم الحكومي، وفي ألمانيا في حلول 2030.

وبطبيعة الحال، لا يوافق باحثون آخرون آراء داوسون ضاربين المثال بالتوازن والتكامل بين دوري الصحافة الورقية وتلك الالكترونية.
في شارع الحمرا، يبدو الأمر أقرب الى طقوس وعادات منه الى البعد الاقتصادي لكيفية إستهلاك الأخبار. التبدلات التي شهدها الشارع في بعديها الاقتصادي والاجتماعي حاضرة أيضاً في حسم خيار أجيال مختلفة من رواد المقاهي من حاملي الصحيفة الورقية أو الأيباد أو الهاتف الذي تكفيه خدمة انترنت جيّدة ليكون مصدراً للخبر بامتياز.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard