"أم ريم" في شوارع بيروت: "يسترجي يقول شي"

2 تشرين الأول 2014 | 12:38

المصدر: "النهار"

عملت سنين طويلة في جلي الصحون، وتنظيف المكاتب، والطبخ في الفنادق والمطاعم، إلى حين بدأت صحّتها تتدهور وتعاني من أوجاعٍ في المفاصل وترقّق في العظام. عندها قرّرت رشواق أو "إم ريم"، كما تحبّ أن ينادوها، أن تترك الوظيفة التي تشغلها وتتجه إلى قيادة سيّارة أجرة، تُكسبها مالًا شريفًا، يُطعمها عيشًا من تعب جبينها، ويُمكّنها من مساعدة زوجها في مصاريف المنزل والأولاد.

من يعمل في بيروت، ويجول شوارعها يوميًا متنقّلًا في سيّارات الأجرة، لا بدّ له أن صادف امرأة لا تفارق البسمة محيّاها، تجلس وراء مقود سيّارة إجرة، تحدّثهم بلكنتها الجنوبيّة، وتقلّهم إلى وجهاتهم المختفلة داخل العاصمة.

من الجلي إلى التاكسي
أخذت رشواق قرارها بترك العمل، بعدما ملّت من الوظيفة التي لا يكفي راتبها لسدّ نفقات كثيرة، في بلد غالية فيه المعيشة، وتكثر فيه مسلتزمات العيش الكريم. مهنتها الحالية جعلتها أكثر استقلاليّة، فهي تعمل في الوقت الذي تريده، وترتاح عندما تشعر بالتعب، قد تبقى في منزلها يومًا كاملًا من دون أن تضطر لاستئذان أي مدير أو صاحب عمل. وتقول رشواق لـ"النهار": "كنت أجلي صحون الموظّفين في إحدى الشركات على مدار سبعة أعوام، لكن صحّتي تدهورت، فقرّرت ترك الوظيفة والتوجّه إلى عمل آخر يدرّ مالًا أكثر، ويريحني من أوجاعي، وأكون فيه سيّدة نفسي ووقتي. اقترضت المال من المصرف واشتريت سيّارة حديثة، ثمّ استقلت من وظيفتي، وجلست خلف المقود أبحث عن الركّاب في شوارع العاصمة".

تأثرًا بنساء الضاحية
راودتها الفكرة بعدما رأت سيّدات كثيرات يقدن سيّارات أجرة في الضاحية الجنوبيّة لبيروت، لكنها فكّرت جيّدًا بعامل المنافسة، لذلك اختارت مناطق الحمرا والروشة والأشرفية لتبحث فيهم عن الزبائن، وتقول: "الأيّام المرّة جعلتني أفكّر كثيرًا، والشغل لدى الناس أمرضني. رأيت كثيرات يقدن سيّارات الأجرة ، لذلك وجدتها المهنة الأسهل لي ولوضعي. أخرج من المنزل حوالى السادسة والنصف صباحًا، وأعود إليه في حدود الثانية والنصف من بعد الظهر لأعدّ الطعام وأقوم بواجباتي المنزليّة. سابقًا كنت أطهو وأجلي والآن أصبحت "شوفورة"، أتعرّف إلى ناس من كلّ الألوان بدل الجلوس بين أربعة حيطان. لقد كان قرارًا جريئًا".

ع شو بدو ينقّ؟
رشواق ابنة الجنوب، بنت جبيل تحديدًا، تبلغ من العمر 35 عامًا، متزوّجة ولديها ثلاثة أولاد لم يتجاوزوا سنّ الثانية عشرة، زوجها متفهّم لعملها وهو أيضًا يعمل سائقًا لدى إحدى العائلات. وعمّا إذا كان يعارض عملها تقول: "لا يحقّ له التذمّر؟ عليه أن يرضى شاء أم أبى، أنا أعمل وأساعده، يسترجي يقول شي. أنا مسؤولة عن قراراتي، وعملي يمدّني باستقلاليّة كي لا يتحكّم بي".

تحبّ "أم ريم" عملها وتتفانى فيه، وتقول: "أحلا شي شغل التاكسي، علمًا أن النساء يعملن أكثر من الرجال، لأننا أكثر جديّة، قد لا أعرف كلّ الشوارع خصوصًا أنه لم يمرّ عام كامل على مزاولتي هذه المهنة، بس لي بيسأل ما بضيع. أسعاري مدروسة وبات لديّ زبائن دائمون يطلبوني خصيصًا لأقلّهم إلى وجهاتهم".

بين المسايرة والتطنيش
على الرغم من حبّها لعملها، إلّا أنّها تتعرّض لمواقف كثيرة، فتسرد أم ريم بعضها قائلة: "عملي لا يحول دون تعرّضي لمواقف كثيرة، وتعرّفي إلى أشخاص من كلّ الألوان. بعض السائقات يضعن العصي لكي يدافعن عن أنفسهن من مضايقات بعض السائقين، أمّا أنا فاتبع أسلوب المسايرة والمزاح أحيانًا والتطنيش في أحيان أخرى. لكن عددًا كبيرًا من سائقي السيّارات العموميّة ينزعجون مني، لأنني أنافسهم في عقر دارهم. يصيبهم الجنون عندما يفضّلني أحد الركّاب عليهم. يكسرون عليّ ولكنني أتجنّبهم لأنني لا أرضى بأذية الركّاب ولا بأذية نفسي أو إلحاق الضرر بسيّارتي التي مازلت أدفع أقساطها. وفي النهاية الرزقة على الله الذي لم يخيّبني يومًا. من جهة أخرى، بعض الركّاب يحاول التذاكي عليّ لأنني امرأة ولكني "قدّ حالي" وما بيمرقوا عليّ حركاتن. لكلّ مهنة مصاعبها، لكن العمل أفضل من الشحادة".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard