الحمامة جلست على ظهر الأسد تتأمل في السينما!

7 أيلول 2014 | 19:04

روي اندرسون يرفع جائزة "الأسد الذهب" خلال حفل ختام مهرجان البندقية الـ71 أمس.

على الرغم من مشاركة أربعة أفلام فرنسية في مسابقة هذه السنة من مهرجان البندقية (27 آب - 6 أيلول)، فالموسيقي الفرنسي ألكسندر دبلا الذي ترأس لجنة تحكيمه، لم يمنح جوائز مهمة الى أيٍّ من أفلام مواطنيه (تضمنت المسابقة الرسمية 20 فيلماً). منح دبلا وفريقه شريط روي أندرسون المخرب، "حمامة جالسة على غصن تتأمل في الوجود"، "الأسد الذهب"، أرقى جائزة في أقدم تظاهرة سينمائية، بعدما فضّلاه على فيلم بونوا جاكو، "ثلاثة قلوب"، الذي أشاد به الناقد الفرنسي ميشال سيمان معتبراً اياه تحفة سينمائية. هذه ارفع جائزة ينالها الى اليوم هذا السينمائي الأسوجي المُقلّ، البالغ من العمر 71 عاماً. عام 2000 خطف جائزة لجنة التحكيم في كانّ من يد لوك بوسون عن "أغنية الطابق الثاني"، الذي اشتغل اربعة اعوام على تحقيقه. منذ ذلك الحين، لم يقدّم الا فيلماً يتيماً "أنتَ، العيش" (2007)، سجل به مشاركته الثانية في كانّ، ولكن هذه المرة في قسم "نظرة ما".

برغمان المهرّج
بين 1975، تاريخ انجاز فيلمه الثاني، "غيلياب"، و2000 الذي جاء بـ"أغنية الطابق الثاني"، لم يقدّم اندرسون أي عمل جديد، وهذه تقريباً الفترة التي غاب فيها تيرينس ماليك عن الاخراج. ربما لأن "غيلياب"، لم يستحوذ على الإعجاب النقدي ولم يُغوِ الجمهور، فابتعد اندرسون عن السينما. ولكن هذا لا يعني انه جلس على غصن شجرة يتأمل الوجود، بل انجز نحواً من 400 اعلان تجاري لمحطات اسكندينافية مختلفة، صاقلاً بها معارفه التقنية.
لارس فون ترير قال مرة إنه "يخاف" أندرسون، ويشكّل بالنسبة اليه تهديداً حقيقياً. كان الدانماركي الفوضوي يرى أنه الأكثر جدارة بنيل "سعفة" كانّ. صرح بذلك يوم تسابقا معاً على الجائزة المهيبة، التي ذهبت في نهاية الجولة الى ترير وفيلمه "راقصة في الظلام".
ينتج أندرسون، بكادراته الأنيقة والمشغولة والستاتيكية التي تطغى عليها ألوان ميتة كالأزرق والرمادي والبيج والأخضر الباهت، متتاليات بصرية فيها شيء من كآبة الروح والضجر. بعضهم أطلق عليه تسمية "برغمان المهرّج". فلا شيء جدّياً عنده، ولا شيء مضحكاً فعلاً. سينماه بين بين. تستخرج المأساة من الملهاة، والملهاة من المأساة. عبثية المواقف التي يضع فيها شخوصه هي من مقوّمات سينماه. شخوصه نماذج في البلادة، لكنه لا يهزأ منهم، كما هي الحال مع زميله النمسوي اولريش زيدل، اذ يمنحهم أسباباً تخفيفية ويراعي معاناتهم الشخصية. سينماه تحاول إعادة النظر في القيم الاسكندينافية ليعرّيها ويعطّل فاعليتها.

يشرح الماء بالماء
الرجل ليس مهيأ لفيض المشاعر المتضاربة، كمخرج أسوج الأشهر، ذلك أنه يكبتها كي تنفجر تلك الأحاسيس من الداخل. ولا يمكن تجاهل الجسمانية في عمله. فالشخصيات التي نراها هي أولاً حضور جسدي قبل أن تكون قلباً وعاطفة. أفلامه مصممة ومهندسة كي تبقى راسخة في الذهن، وتقيم في الذاكرة السينيفيلية لأطول فترة ممكنة. في "حمامة..." مثلاً، هناك بضعة مشاهد قد تدخل بأسرع وقت في معاجم السينما: 1) رجل يقع على الأرض في مطعم. إنها النهاية بالنسبة اليه: ولكن، بمَ تهتم موظفة الصندوق في تلك اللحظة؟ بالطعام الذي دفع الراحل ثمنه. همّها الآن، مَن الذي سيأخذ هذا الطعام. 2) فوج من العسكر يدخل حانة ومعهم ملك. على جلالته أن يدخل الحمّام لقضاء حاجة. بيد أن الحمّام مشغول!
هكذا يتبلور خامس أفلام أندرسون، بالعبثية واللامنطق والايقاع البطيء. محاولة شرح ما نراه على الشاشة طوال مئة دقيقة، هي أشبه بمحاولة شرح الحياة نفسها. ماذا يمكن الكتابة في أفلام هذا الرجل ونحن نعلم أنها أولاً وأخيراً تجربة بصرية لا شفهية، أي أن الكلام فيها لا يفيد اذا لم يكن مصحوباً بمشاهدة تخوّلك "لمس" ألوان الفيلم الباهتة القريبة من حالة احتضار. مهلاً: لن يفيدك أيضاً أن تسأل اندرسون عما أراد قوله. ولا عن معنى العنوان الذي كان نجم العناوين في المهرجان. فأندرسون غير قابل للتصنيف على الرغم من المحاولات، يشرح الماء بالماء، ويذكّرنا بأن وظيفة المخرج ليست بالضرورة التعليق على فيلمه. وعندما يشرح أن فيلمه هذا مستوحى من "سارق الدراجة" لفيتوريو دو سيكا، عبثاً نحاول أن نفهم العلاقة بين الفيلمين!

أسنان دراكولا
للمناسبة، هذا الفيلم الثاني في المهرجان عما يمكن تسميته الملل الاوروبي، علماً أن الأول هو "في القبو" لزيدل. دائماً بكادراته وبمقاربته الجغرافية للقطة، وبالحركات الجسمانية القليلة، ينجز أندرسون فيلماً تجري حوادثه في غوتنبرغ مانحاً إيانا إحساساً رهيباً بالمكان والزمان، الأمر الذي يفتقر اليه الكثير من الأفلام في هذه الدورة.
بائعان متنقلان يجوبان المدينة وفي حوزتهما أكسسوارات: وجه بسنّ واحدة، لعبة تُصدر أصوات ضحك، ووجبة أسنان دراكولا. الكلّ يرفض شراء هذه المنتوجات التافهة، ولكن في فيلم لأندرسون، هذا ليس سبباً كي يوقف جوناتان وسام المهمة التي بدآها. إنهما الوحيدان اللذان لا ينتبهان الى سماجة ما يفعلانه. وعندما، بوجهيهما المتجهمين وبابتسامتهما المفقودة، يعلنان أنهما يسعيان الى ملء قلوب الناس بالبهجة، فهذه لحظة سينمائية خالصة تختلط فيها السخرية بالشفقة.
يقدّم أندرسون "حمامة..." باعتباره الجزء الثالث والأخير من ثلاثية عنوانها "أن يكون المرء انساناً" (أو شيء من هذا القبيل)! هذا العنوان وحده، المحفور في أسفل الجنريك، يثير الرعشة ويشكّل برنامجاً كاملاً من الإثارة المترابطة. إنه تمرين فيلمي على إضاعة الوقت وإطالته، يبدأ بثلاثة مشاهد: ثلاثة موتى لا نعرف مَن هم ولا ما علاقتهم بالفيلم الذي سيلي، يبرر وجودهم هنا افتراضٌ مفاده أن الأسوجيين يموتون من الملل. ففي فيلم أندرسون، كما في أفلامه السابقة، كل شيء لامع، نظيف، مهذّب، الى حد الاختناق، والانفجار... والموت.

القيامة قريبة
كعادته، قطّع أندرسون فيلمه مجموعة لوحات، لكن اللوحة الاساسية التي استلهم منها كل شيء هي "صيّادون في الثلج" للرسام الفلمنكي الهولندي بيتر بروغل الأكبر (1525 - 1569) المعروف برسمه للأرياف والقرى. اللوحة التي شكّلت مصدر وحي لأندرسون، رسمها بروغل قبل أربع سنوات من رحيله، نرى فيها منظراً ريفياً شتوياً، حيث بعض الطيور تحطّ على أغصان الشجر. دخل أندرسون في جسد الطيور، تخيّل أنها تتأمل الناس وتتسأل عما يفعلونه ولماذا هم مشغولون الى هذا الحد. بالنسبة إلى أندرسون، الطير لا يفكر فقط في الوجود، بل يقلق عليه أيضاً، كما يقلق من تجاهل البشر للقيامة التي باتت قريبة.

تحفة كونتشالوفسكي
فيلم روي أندرسون عمل طَموح ومهمّ، وإن كان لا يحمل مفاجآت كبيرة. لكن الفيلم الأكثر تكاملاً من حيث الفكرة وتماسكاً من حيث الاخراج وثراءً من حيث المعالجة البصرية، هو "ليالي ساعي البريد البيضاء" للروسي المعلم أندره كونتشالوفسكي (77 عاماً) الذي فاز بجائزة الاخراج ("الأسد الفضة") في الـ"موسترا"، وهذا الامر ذروة العبثية والتناقض، اذ كيف لا يستحق الفيلم الجائزة الكبرى، اذا كان إخراجه هو الأفضل (مشكلة الجوائز الأبدية). نصّ أندرسون يتضمن مشهدين بديعين، والباقي يحشر مخرجه بين جدران أسلوبية تمنعه من قول المزيد عن العالم الذي يريد إظهاره. أما كونتشالوفسكي، فقد جاءنا بتحفة سينمائية تبهرنا لحظة بعد لحظة، عبر سرد تصاعدي وتعبئة للأجواء وعودة الى الطبيعة (مشهد الطفل في النهر). يحملنا الفيلم الى العمق الروسي، إلى البشر المتروكين والناس العاديين. روسيا حيث الحيوات المؤجلة والجهد الفارغ. شخصية ساعي البريد استعارة لبلاد شاسعة لا يمكن تأطيرها. هذه عودة كبيرة لمخرج "سيبيرياد"، من خلال سمفونية تجمع المتناهي في الصغر بالمتناهي في الكبر. هذا عمل آخر تتداخل فيه الحدود بين الروائي والوثائقي، يتصاعد منه هذا الاحساس بالصح والأصيل.

فعل الذاكرة
"نظرة الصمت" لجوشوا اوبنهايمر نال جائزة لجنة التحكيم الكبرى. يواصل المخرج الاميركي تصوير الضمير الميت في اندونيسيا على المستوى الجماعي بعد تحفته السينمائية، "فعل القتل"، العام الماضي. حجم الموضوع جعله لا يكتفي بالذهاب الى القتلة وتحويلهم مجموعة مهرّجين تثير أعمالهم المقززة الشفقة. هذه المرة وضع يده على الشجاع الذي تجرأ على الوقوف أمام قاتل شقيقه ومواجهته. فكما رأينا في الفيلم السابق، هؤلاء القتلة لم يحاكَموا، بل يرهبون الناس الى اليوم، وتروّج وسائل الاعلام لهم باعتبارهم من الأبطال القوميين. بالنسبة إلى أوبنهايمر، كان "فعل القتل" من النتائج التي تترتب على المجتمع عندما يعيش في النفاق والخوف، أما جديده فاسكتشاف لمعنى أن يكون المرء ضحية هذين النفاق والخوف.
"نظرة الصمت" فيلم بديع عن الذاكرة الفردية والضمير وضرورة مواجة الشرّ، وإن لم يكن ببراعة "فعل القتل" وجانبه الابتكاري غير المسبوق. الفيلم رحلة الى أقاصي العنف والعذاب والأسئلة المعلقة، رحلة شقيق لم يعرف شقيقه، يتنقل فيها من مجرم الى آخر، لعل عينيه تلتقيان بعيني القاتل وتعيدان اليه شيئاً من انسانيته المفقودة. فيلم أساسي كي نفهم ماذا يعني ان نعيش في مجتمع يتحكم فيه بعض المجرمين بمصير الجماعة.

دعارة وكلاب
جائزة السيناريو ذهبت الى "حكايات" للمخرجة الايرانية رخشان بني اعتماد، التي تغوص هنا في حال بلادها من خلال مقاربتها المشكلات الاجتماعية المتفشية فيها، كالمخدرات والأمومة العزباء والدعارة. فيلم قاتم مملوء بالأحاسيس والدراما. دائماً من الشرق الأوسط، يأتينا فيلم "سيفاس" التركي الذي نال جائزة لجنة التحكيم الخاصة. هذه باكورة أعمال الشاب كان مودجاسي الذي وضع كاميراه في بوادي الأناضول ليصوّر حكاية صبي في الحادية عشرة من عمره وكلب المصارعة الذي يربّيه.

جوائز مهرجان البندقية 71:

"الأسد الذهب": "حمامة جالسة على غصن تتأمل في الوجود" لروي اندرسون.
"الأسد الفضة": "ليالي ساعي البريد البيضاء" لأندره كونتشالوفسكي.
جائزة لجنة التحكيم الكبرى: "نظرة الصمت" لجوشوا اوبنهايمر.
جائزة فولبي لأفضل ممثل: آدام درايفر عن "قلوب جائعة" لسافييرو كوستانزو.
جائزة فولبي لأفضل ممثلة: ألبا رورفاكر عن "قلوب جائعة" لسافييرو كوستانزو.
جائزة مارتشيللو ماستروياني: رومان بول عن "ضربة المطرقة الاخيرة" لأليكس دولابورت.
جائزة افضل سيناريو: رخشان بني اعتماد وفريد مصطففي عن "حكايات".
جائزة لجنة التحكيم الخاصة: "سيفاس" لكان مودجسي.

(*) الفيديو الثاني يستعرض مقاطع من الإعلانات التجارية التي انجزها روي اندرسون.

 

 

 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard