من الفتّة إلى الكبّة

4 تموز 2014 | 23:53

المصدر: النهار

المعدة بيت الداء، والحِمية رأس الدواء، وأصل كل داء البردة. وفسر ذلك بأن المقصود هو.. المعدة بيت الداء، فهو ظاهر، وأما قوله: الحِمية رأس الدواء، فالحِمية الجوع، وهو الاحتماء عن الطعام، والمعنى أن الجوع هو الدواء العظيم الذي هو أصل الأدوية، وأما قوله: أصل كل داء البردة، فمعنى البردة إدخال الطعام على الطعام في المعدة قبل أن يتم هضم الأوّل".

شهر رمضان إقترن بمأكولاته الخاصة، التي صارت تعرف بمأكولات رمضان نظراً لعدم خلو أي مائدة منها على مدى ثلاثين يوماً متواصلة، وأصبحت بالتالي من العادات والتقاليد الإجتماعية التي يتميّز بها شهر الخير والبركة إلى جانب البعد الديني الذي يتحلى به.
بالنسبة للطبق الأساسي فهو إما أن يكون من "اليخاني" أو مصنوع من اللبن أو من اللحمة. و"اليخنة" هي كلمة تركية الأصل وتعني المأكولات الدسمة التي تصنع من الخضر واللحمة وتؤكل إلى جانب الأرز مثل: يخاني البطاطا والكوسى والفاصولية والبزيلة و"الداوود باشا" و"الأبلمة" والأرز باللحمة أو "بالفول أو بالحمص" و"المقلوبة" و"المأمورة" و"المدردرة".
أما المأكولات المصنوعة من اللحمة فنذكر منها": "الكفتة بالصينية"، "الكبة بالصينية"، "الكبة المشوية" و"اللحمة بالصينية".
أما المأكولات المصنوعة من اللبن فندكر منها: "لبن أمه"، "كبة بلبنية"، "كوسى باللبن"، "شيخ المحشي" و"الشيشبرك".
وأكثر الأطباق الرئيسية التي تعتمد خلال رمضان على موائده: "الأرز باللحمة" أو على دجاج، "الأرنبية"، "المغربية"، الفتّة، والشيش برك، التي ستكون موضوع حلقتنا اليوم.

الأرز باللحم والدجاج

يكتسب طبق الأرز باللحم أو الدجاج منذ مدة بعيدة أهمية خاصة، كونه يرتبط بالمناسبات والأعياد، لأنه كان عالي الكلفة، خصوصاً في زمن المجاعة التي عاشتها بيروت زمن الدولة العثمانية، على إعتبار أن الأرز كان مادة نادرة ومستوردة، في حين أن البرغل كان متوافراً وبكلفة زهيدة لذلك كان معتمداً في تحضير أغلب المأكولات اللبنانية. ومن هنا جاء المثل الشعبي: "العز للرز والبرغل شنق حالو".
يُضاف إلى ذلك، ان إستخدام اللحمة والدجاج لم يكن بالأمر اليسير ولا في متناول ربّات البيوت، كما هو الحال في يومنا هذا، في ظل وجود البرادات الكهربائية مع إمكان توافرها في أي وقت.
فكان رب الأسرة يقصد "سوق اللحامين" في وسط بيروت المجاور لسوق الخضر المعروف بـ "سوق النورية" لشراء حاجاته من أصناف اللحوم قبل إنتشار محلات القصابين في الأحياء والمناطق السكنية، أو كان يقصد "درج خان البيض" مقابل "اللعازارية" المقابل لساحة السمك لشراء الدجاج الطازج.
هذا ما جعل طبق الأرز باللحم أو الدجاج من الأصناف المميزة على المائدة الرمضانية، إذ تحرص الأمهات والزوجات على إعتباره طبقاً رئيسياً خلال الشهر الكريم، بحيث يعمدن إلى تزيينه بالمكسرات والزبيب وحب الهال، لإضافة نكهة مكملة لمذاقه الطيب والشهي.

الكبّة اللبنانية

تتنافس ريات البيوت خلال شهر رمضان المبارك على جودة صناعة "الكبة"، ذلك الطعام الغني بالمواد الصحية والغذائية النافعة التي تتألف بشكل أساسي من مادة البرغل الناعم بأحد نوعيه الأبيض أو الأسمر، ولحم الغنم البلدي التي يتم عركها باليد، أو ضربها بالجرن الحجري أو النحاسي أو على قطعة بلاط مع أداة الضرب المسماة "الهاون".
فالكبة بأنواعها الغريبة التي لا تعد ولا تحصى تتصدر المائدة الرمضانية، ولا فرق إن كانت من لائحة المقبلات المتمثلة بالكبة النيئة أو بطبق رئيسي كالكبة بالصينية، فهي في كلتا الحالتين تترك وقعاً خاصاً في حاضرة الأطباق اللبنانية.
إعتبرت الكبة الضيف الأبرز في التاريخ الغذائي اللبناني نظراً لإرتكاز مكوناتها على البرغل بالدرجة الأولى وما يرافقه من مواد أخرى تتنوع بين اللحمة والبندورة أو البطاطا وغيرها من المواد التي تشكل مجتمعة طبقاً غنياً بإمتياز.
يضرب تاريخ الكبة في القدم، ويلفت النظر غرابة الأسماء التي تميز كبة كل منطقة، فتزخر ذاكرة اللبنانيين بحكايات ترددها ألسنة كبار السن الذين كانت تشكل الكبة بالنسبة إليهم وفي مناسباتهم محطة بارزة تجمع حولها أفراد العائلة لتتولى الجدة مهمة "دق الكبة" على قطعة البلاط أو في الجرن الخاص بها، العادة المشهورة بين أوساط اللبنانيينن ويساعدها في المهمة رجال العائلة وفتيانها. ولأن "دق الكبة" يحتاج إلى عناء.
وأبرز ما يميز أنواع الكبة أنها تناسب كل الأذواق، فهي تلبي حاجة من يتبع نظاماً غذائياً نباتياً فيلجأ إلى كبة البطاطا أو كبة البندورة أو كبة اليقطين وكبة العدس، كما تلائم "الكبة اللبنانية الأصلية" من لا يستغنون عن اللحم في غذائهم.
المهتمون بالمطبخ أحصوا عدد أنواع الكبة بحوالى تسعين نوعاً تصنع بطرق وأساليب مختلفة سواء على الطريقة اللبنانية أو الحلبية، ومن أشهرها الكبة النيئة، والكبة المقلية.
وهناك أيضاً (الكبة الحميص)، المقلية بالزيت، ويتم تصنيع الكبة على شكل أكواز يطلق الحلبيون عليها الدرويشية، ويتم حشوها باللحم المحمص بالبصل والجوز أو الصنوبر، وتقدم بأحجام مختلفة.
وهناك "الكبّة المشوية"، وعادة تصنع على شكل أقراص كبيرة ويتم حشوها باللحم والجوز البلدي والرمان الحب أو دبس الرمان وتطلى بطبقة من شحمة الخروف لإعطائها نكهة لذيذة ولمعاناً براقاً قبل وضعها في الفرن، ويفضل الكثيرون تناولها مشوية على الفحم، بحيث تأخذ شكلاً جميلاً وطعماً لذيذاً.
كذلك هناك "الكبة السفرجلية"، التي تطبخ مع فاكهة السفرجل بعد تقطيعها وسلقها وتوضع مع أكواز الكبة في ماء البندورة، وتغلى على النار حتى تطهو بشكل جيد ويلين تماماً السفرجل ليؤكل مع أكواز الكبة.
ومن أنواع الكبة، "الكبة اللبنية"، وتبدأ بتحريك النشا مع اللبن الرائب بعد مزجه بالماء حتى يصبح سائلاً ويصل لدرجة الغليان بعد ذلك تطهو أكواز الكبة الخالية من حشوة اللحم باللبن المقدد وتقدمها ساخنة على مائدة الطعام مع صحن أرز أبيض سادة مطبوخ.
ويوجد أيضاً "الكبة بالصينية"، بحيث يتم مد الكبة في صينية كبيرة ووضعها في الفرن حتى تطهى جيداً ومن ثم تقوم سيدة المنزل بتقطيعها بشكل فني جذاب يشبه التفنن بعرض الحلوايات العربية، وتقدم بالصينية كما هي مائدة الطعام.
ومن الأنواع المعروفة في المطبخ الحلبي من الكبة هناك "الكبة الصاجية"، وتصنع على شكل طبق واحد دائري كبير من اللحم والبرغل وتشوى على الصاج. أما "الكبة المبرومة"، فتصنع مع اللوز وتشوى بالفرن وتقدم مع صحن شوربة "حساء" العدس، ومن أنواع الكبة أيضاً هناك: "الكبة الكزبرة"، تطهى مع ثمار الكرز. و"الكبة السماقية" التي يتم طهوها تطهو مع نبات السماق.

الفتة - التسقية

تُعتبر وجبة "التسقية" أو "فتة الحمص" واحدة من الوجبات الشعبية التي لا تغيب عن مائدة شهر رمضان المبارك. وهي الوجبة الشعبية الأولى في كل من دمشق وطرابلس وبيروت. وهي معشوقة الأغنياء والفقراء على حد سواء.
و"الفتة" و"التسقية" هي شامية المنشأ، حيث ما تزال الأسر الشامية تحرص على إعتبارها وجبة الفطور الأساسية يوم عطلة نهاية الأسبوع. وتُعرف بأنها أكلة جماعية، حيث تكتمل لذتها بلمة العائلة والأهل والأصدقاء، الذين يتحلقون حول صينية الفتة الشهية التي يُؤتى بها من محل "الحمصاني"، أي الشخص الذي يُعد ويبيع "الفتة".
و"التسقية" أو "الفتة" رغم شهرتها وعراقتها فهي أكلة بسيطة وغير معقدة، ولكن تحضيرها يحتاج إلى خبرة ومهارة "الحمصاني" التي غالباً ما تكونا متوارثتين عن الآباء والأجداد.
و"الفتة" مكونة من الحمص المسلوق وقطع الخبز المحمص ويُضاف إليها إما اللبن أو زيت الزيتون، وفي بعض الأحيان الطحينة والسمن البلدي والصنوبر. وهناك من يطلب إضافة لحم الغنم البلدي إليها لتصبح وجبة دسمة.
وسُمّيت هذه الأكلة بـ "الفتة" لأنها تتكون بشكل أساسي من الخبز المفتفت أي المقطع. فكلمة فتافيت تعني في اللغة العربية القطع الصغيرة من أي شيء، فيُقال فتفت الخبز تفتيتاً. ومن هنا سُميت الأكلة بـ "الفتة".
أما الكلمة المُرادفة لها أي "التسقية"، فهي مستمدة من أن طبق "الفتة" يُسقى باللبن والزيت أو السمن، فأُطلق عليه تسمية "التسقية".
إلى ذلك شهدت الفتة تطويرات عديدة فأُدخلت إليها مكملات متنوعة لتنقسم معها إلى عدة أصناف، نذكر منها: فتة اللحمة، فتة المكدوس، "فتة الدجاج بالخضار"، "فتة الخل بالثوم"، "فتة الباذنجان والبطاطا" و"فتة العدس" الخ...
لكن "فتة الحمص" أو "التسقية" تبقى "الفتة" التي تحمل الرقم 1 بين "الفتات" لأن فيها عبق الماضي وهي صاحبة الشعبية التي لا تُضاهى، وبالتالي فإن إجتماع العائلة حول صينيتها تساعد على تعزيز الوصال بين أفرادها.
وبما أن "الفتة" تعتمد على الحمص بشكل أساسي، فإنها تحتوي على طائفة واسعة من العناصر الغذائية، خصوصاً وأن الحمص كان يُستخدم في الماضي بديلاً عن اللحمة في أيام الشدة، حيث يُقال: "إذا غاب عنك الضاني (لحم الأغنام) فعليك بالحمصاني (بائع الحمص)".

الشيش برك

مع قدوم شهر رمضان المبارك في فصل الصيف حيث الحرارة مرتفعة والجو حار والعطش والظمأ يتمكن من الصائمين، تحرص ربات البيوت على إعداد المأكولات الرمضانية التي تتكون بشكل أساسي من اللبن، كونه يعطي برودة للجسم ويساعد في ترطيب المعدة.
فاللبن له فائدة عظيمة، فهو يمد الجسم بالبروتين الكافي للعمل وبالكالسيوم الضروري للأداء العضلي، كما يحتوي على فيتامين A الذي يساعد في تقوية الجسم، كذلك فهو غني أيضاً بالمعادن والدهنيات، ويساعد في الوقاية من الأمراض ويكسب الجسم صفة المناعة ضد البكتيريا والفيروسات، ويشكل درعاً واقية للجهاز الهضمي، ويفيد في خفض الكولستيرول وعلاج الكبد.
من المأكولات اللبنية التي تحجز موقعها المميز على المائدة الرمضانية: "لبن إمو"، و"كوسى باللبن"، و"الشاكرية"، و"شيخ المحشي"، و"كبة لبنية"، و"الشيش برك".
ومن بين هذه الأكلات التي تُطبخ باللبن سوف نتناول في حلقة اليوم "الشيش برك".
"الشيش برك هي عبارة عن قطع من العجين يتم حشوه باللحمة الناعمة والكزبرة وتُلف بشكل طرابيش صغيرة وتُطبخ مع اللبن، ويقدم معها الأرز بالشعيرية.
و"الشيش برك" رغم رواجها في كل من سوريا ولبنان، فهي تركية الأصل وتتضارب الروايات بشأن الإسم الذي تحمله. فهناك من يقول أنها سُميت "شيش برك" كأنها موضوعة في "العشش"، الذي تُعنى باللغة التركية السيخ أو السيف. قطع العجين يتم صفها خلال تحضيرها بآنتظام جنباً إلى جنب في الصينية مثل طابور العسكر، فأطلقوا عليها هذه التسمية. وهنالك من يقول بأنها سميت كذلك لأن قطع العجين تبرك في قاع القدر عندما تُطبخ مع اللبن.
وهنالك أيضاً من يسمي هذه الأكلة إسم "أذن الشائب"، لأن قطع العجين تُشبه شكل الأذن، وبما أنها تُطبخ مع اللبن، فإن اللون الأبيض يرمز الى الشيب.
كذلك عندما يُضاف إلى "الشيش برك" إضافة إلى قطع العجين أقراص الكبة المحشوة باللحم والصنوبر يتم تسميتها "عساكر الباشا"، أو "عسكر وحرامية" نسبة للمنافسة بين العجين والكبة في الطبق الواحد.
بغض النظر عن أصل التسمية، فإن كلمة "برك" هي فارسية وتعني أمتعة المسافر، وشاعت في العهد المملكوي للدلالة على المتاع الخاص من الثياب وقماش. ومن المرجح أن تكون "الشيش يرك" قد سُميت كذلك لأن قطع العجين تُشبه "الصرة" التي كانت في الماضي تُوضب فيها الألبسة.

إعلامي وباحث في التراث الشعبي

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard