عمليّة "تقاسم" الثوب اللبنانيّ كيف تُفشَّل؟

16 تموز 2020 | 13:38

المصدر: "النهار"

لبنان.

الطبقة السياسيّة، في مجملها، وفي غالبها الأعمّ، "متّفقة ضمنًا" في ما بينها، على أنّ "دولة لبنان الكبير"، بدستورها، وبميثاقها، وباتّفاق طائفها، وباتّفاق دوحتها، لم تعد مرغوبةً (من أطرافها) ولا قابلةً للاستمرار في رأيهم. تتعدّد الأسباب لدى كلّ طرفٍ، وقد تختلف، وتتناقض، لكنّ الأكيد أنّ هؤلاء الأطراف باتوا مقتنعين بأنّ الوقت قد حان لينصرف كلٌّ منهم إلى أنْ "يفتح على حسابه"، في كلّ ما يتعلّق بمصير الكيان والجمهوريّة.

وعليه، فإنّ كلّ ما يُعمَل الآن في الظاهر، وكلّ ما يُقال في العلن، بخلاف هذا "الاتّفاق الضمنيّ" الموضوعيّ بين الأطراف اللبنانيّين، إنّما يندرج في باب الكذب الخطير للغاية، الذي من شأنه أنْ يُعمي العقول عن حقيقة ما يُدبَّر للمركب الوطنيّ المشرف على الغرق من فرط الثقوب التي ثُقِبتْ بأيدي هؤلاء الأطراف أنفسهم.

الخطر الذي يتهدّد المركب الوطنيّ اللبنانيّ من الخارج، ليس بشيءٍ يُذكَر – على رغم فداحته - مقارنةً بالخطر الذي يحدق به من الداخل.

لا أنزّه الخارج البتّة، لكنّي أعرف تمامًا أنْ لا أحد – مثل الأطراف اللبنانيّين - يستطيع أنْ يتهدّد وجود لبنان، ويدمّره، ويجعله عرضة للزوال النهائيّ.

الطبقة السياسيّة، بما فيها السلطة الحاكمة، والقوى التي تعارضها من داخل المنظومة السياسيّة، تكذب مثلما تشرب الماء. هي تكذب على ذاتها، وعلى الناس، في كلّ الشؤون والقضايا المتعلّقة بوضع لبنان الاقتصاديّ والاجتماعيّ والسياسيّ والوطنيّ والوجوديّ.

أخطر ما ينطوي عليه هذا الوصف أعلاه، أنّ هذه الطبقة السياسيّة تسمح لنفسها بمواصلة ارتكاب هذا العته الخطير، بل البالغ الخطورة، على رغم التهوّر غير المسبوق الذي ينطوي عليه هذا الارتكاب، في اللحظة التاريخيّة الراهنة.

مركب لبنان يغرق، لكنّ الطبقة السياسيّة – بأطرافها كافّةً، ولا استثناء - لا تأبه إلّا لمصالحها وحساباتها الضيّقة والفئويّة.

أمام هذه الحقيقة الماثلة أمام عيون اللبنانيّين، قد لا يعود "العالم"، أي المجتمع الدوليّ، مهتّمًا ببقاء "دولة لبنان الكبير"، أو قد يجد نفسه معنيًّا بشهوات المحاور الدوليّة والإقليميّة، وبصراعاتها، وبالمصالح الناجمة عنها.

حيال هذه المعادلة، هل نستسلم لهذه الطبقة السياسيّة الخطيرة والفاسدة والقاصرة والرعناء؟ هل نتركها تتصرّف على هوى حساباتها ومغامراتها بـ"دولة لبنان الكبير"، وبالمصير؟

ممنوعٌ أنْ لا نكون معنيّين بتفشيل هذه المعادلة الجحيميّة.

بل يجب أنْ نفشّلها تفشيلًا لا عودة عنه.

وعليه، يجب مباشرة التشهير الفوريّ الأقصى بما تدبّره الطبقة السياسيّة للبنان، لا الاكتفاء فقط بمسألة رغيف الخبز ولقمة العيش وقسط المدرسة والمازوت والكهرباء.

هذه القضيّة لا تتحمّل الجدال ولا الإهمال ولا الإرجاء ولا الانتظار: الطبقة السياسيّة تعمل – تحت الطاولة - على "تقاسم" الثوب اللبنانيّ. علمًا أنّ المركب الوطنيّ والوجوديّ مثقوبٌ وغريقٌ، وتكاد تبتلعه وتطويه تلاطمات الخضمّ الهائج.

مطلوبٌ فورًا قيامُ القوّة التاريخيّة المانعة تنفيذ هذا الاغتيال الكيانيّ.

هي هذه القوّة التاريخيّة الحرّة السيّدة المستقلّة العابرة الطوائف والمذاهب والأحزاب والقوى والتيّارات العفنة القائمة، التي ستكون وحدها قادرةً على تفشيل "تقاسم" الثوب اللبنانيّ، الجاري تنفيذه تحت الطاولة، هنا، وفي الخارج، على يد الطبقة السياسيّة بأطرافها كافّة ولا استثناء، بالتنسيق مع الولاءات والإيعازات الإقليميّة والدوليّة المتصارعة.

هذه القوّة التاريّخية وحدها قادرةٌ على إعادة إنتاج "دولة لبنان الكبير".

إنّ هذه القوّة التاريخيّة لواجبة الوجود.

ما هي هذه القوّة التاريخيّة؟

[email protected]

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard