"فتح" و"حماس"... وحدة السلاح أم سلام المقاومة؟

12 تموز 2020 | 11:20

فلسطينيون أمام القوات الإسرائيلية (أ ف ب).

بعد السنوات العجاف التي عاشها الشعب الفلسطيني والانقسام المر الذي تجرع مرارته، هل نستطيع بالوحدة والحوار تشكيل حكومة وحدة وطنية مقاومة، ووضع وثيقة الوفاق الوطني؟ وهل نستطيع أن نعمل سوية لإعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية بمشاركة الجميع؟

وأقصد بالجميع هنا جميع المناضلين. لم يكن أحد يدخل منظمة التحرير إلا من باب الحرية الحمراء ونصيب كل فصيل كان يوازي حصته من دم الشهداء في ساحات القتال وأعداد الأسرى في سجون الاحتلال وليس بعدد المرات التي يظهر فيها على الفضائيات أو بعدد البيانات الصحفية التي يطلقها، ولا بحجم علاقاته المشبوهة مع إسرائيل والإدارة الأميركية وأذنابهم الإقليميين.

والسؤال الذي يطرح نفسه على الكل الفلسطيني هو كيف سيكون الرد الفلسطيني في مجابهة الضم الإسرائيلي، والتحكم في المعابر والمخارج وفي البحر والأرض والسماء؟

وكيف سيكون الرد الفلسطيني في مواجهة الموقف الأميركي الشريك حتى الثمالة الغارق في الآثام والجرائم التي ترتكبها إسرائيل ضده.

وبعد أن أصبح الفلسطينيون في حل من التنسيق الأمني، هل ينتقل سلاح المقاومة من القطاع إلى الضفة رغم اختلاف الظروف السائدة في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة؟

في الضفة الغربية هناك احتلال يمتد في طول البلاد وعرضها، ومزيد من الضم والمستوطنات ومزيد من الإجراءات القمعية؟

وفي غزة حصار إسرائيلي، وعدوان مستمر على الشعب، وعلى كل من يبدي المقاومة أو الرفض لإسرائيل وخططها، فهل بالإمكان وضع صيغة لسلطة مقاومة بالتنسيق بين الجميع، لكي لا يكون تناقض بين سلاح السلطة وسلاح المقاومة؟

هل نستطيع أن نحفظ الأمن ومبدأ سيادة القانون وأن نمنح الحقوق والحريات وأن نبتعد عن التخوين والتكفير واعتقال المعارضين ونتحلى بروح المسؤولية وأن نثق بالأجهزة الأمنية للسلطة والمقاومة؟

هل نستطيع توحيد المقاومة بمرجعية سياسية قوامها جميع القوى والفصائل، وعلى رأسها فتح وحماس، تكون صاحبة القرارات الحاسمة، تصعيداً شعبياً عندما ترى ذلك، وتهدئةً عند الضرورة؟

لكن هل ترضى إسرائيل بذلك وتترك التوافق بين فتح وحماس من دون تخريب، وهل ترضى أن تدخل المقاومة إلى غرفة نوم قياداتها أم أنها ستزيد من ممارساتها وقمعها ضد الكل الفلسطيني؟ وهل هي مهيأة لذلك ومستعدة له؟

إنها الورطة المركبة للجميع، واسرائيل تفتح على نفسها البركان الخامد منذ سنين، كيف لا وقد أزال كل من نتنياهو والرئيس ترمب الغشاوة عن العيون وساهموا بإغلاق ملف الانقسام بعد أن دعمته اسرائيل منذ 13 عاماً عجافاً عاشها الشعب الفلسطيني.

لقد نجحت إسرائيل فيما فشلت به جميع المبادرات والتوافقات والتفاهمات المصرية والسعودية والقطرية والتركية والتي اصطدمت بالعديد من العراقيل فيما مضى. ولعل أكثر التحديات كان تجاوز الاشتراطات من الطرفين، حيث ثار الخلاف حول حصر الشرعية ببندقية المقاومة أم ببندقية السلطة؟

وكأن بندقية السلطة ليست شرعية، أو بندقية خارجة على القانون، يحملها مجموعة من قطاع الطرق، المتمردين على القانون، والواجب تجريدهم منها، أو تجريد بندقية المقاومة وكأنها تنظيم إرهابي وفقاً لادعاءات إسرائيل وأميركا.

كنا نضع الشروط على بعضنا ونتحدث كأننا نعيش في كنف دولة كاملة السيادة، تمارس سيادتها على حدودها وهي لا تملك تأمين خروج قياداتها من مدينة إلى أخرى.

الحل الآن في وحدة بندقية السلطة وبندقية المقاومة، البندقية ولدت من رحم الثورة الفلسطينية ولا يجوز أن تقيّد، بل يجب تنظيم عملها ومرجعيتها بحيث لا تكون في مواجهة السلطة أو في مواجهة المقاومة، البندقية كانت وما زالت عنوان الكرامة الوطنية لشعب فلسطين، وهي التي أدخلت م.ت.ف، الأمم المتحدة جنباَ الى جنب مع غصن الزيتون ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني، ولطالما أرادت إسرائيل أن تجرد الشعب الفلسطيني منها، ولم تفلح أو أن تكون حامية لإسرائيل فقط ولن تفلح أبدأ.

البندقية تذكّر الشعب الفلسطيني بأيام الكرامة والتعاطف العربي والإقليمي والإسلامي والمساندة الدولية. البندقية الفلسطينية لم تتقاعد بعد وهي تذكرنا بالشهيد أحمد ياسين الذي كان يتطلع إلى حق تقرير المصير والشهيد ياسر عرفات الذي قال: لا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي وحق تقرير المصير لا يمكن تحقيقه بالمفاوضات التي لا أفق لها مع عدو لا يعترف بالآخرين ولا بحقوق أحد على هذه الأرض غيره، ولم يسقط الغصن الأخضر فقط بل عمل على اقتلاع أشجار الزيتون من جذورها معتقداً وواهماً بأنه يقتلع هذا الشعب باقتلاعها .

إن الضم يخلص السلطة من القيود التي كبلتها بها الإدارة الأميركية سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وكانت عاجزة عن وضع استراتيجية عملية تمارس من خلالها سيادتها على الأرض والشعب في ظل التقسيمات العجيبة للأرض لمناطق A.B.C.

هل سيكون برنامج وطني يتم تطبيقه ميدانياً من الجميع ضد الاحتلال، بكل أشكال النضال الشعبي؟ هل تلتئم ثقة الشعب بقيادة تدافع عنه في الميدان وأن لا يكون التوافق ورقة مساومة تحت سقف أوسلو جديد؟

الضم وحّد الجميع في الوطن المحتل وأصبحوا يشعرون بالحاجة إلى برنامج سياسي وخيار استراتيجي يسهم في كنس الاحتلال، وأحيا روح اللاجئين وصمودهم ورفضهم للتوطين والمشاريع البديلة، وزاد من تمسكهم ببرنامج وطني يعيد لهم الأمل ويحقق حلمهم بحق العودة.

مع بارقة الأمل الحالية، الكل الفلسطيني في وضع حرج، والكل بحاجة إلى الآخر. حماس محاصرة في غزة ومن العرب، أما السلطة فرغم المفاوضات واعتبارها العمل المسلح نوعاً من العبث، فإن ذلك لم يضمن لها دولة، ولا تملك إلا اللجوء إلى المنظمات الدولية سعياً وراء اعتراف أممي بدولة فلسطينية مقطعة الأوصال تصعب مهمة إقامتها يوماً بعد يوم.

لكن ماذا بعد هذا الاتفاق؟ هل يستمر النهج السلمي في انتظار قاطن جديد للبيت الأبيض لبدء التفاوض ثانية مع إسرائيل؟ ونتائج المفاوضات تعني مزيداً من ضم الأراضي وتشريد من تبقّى من الشعب الفلسطيني ليقيم الصهاينة دولتهم الدينية المزعومة.

أم أن المقاومة أضحت الحل الوحيد المتبقي؟ والإرث النضالي يدعو الجميع إلى التخلص من أوسلو والالتزامات التي تترتب عليه إلى الأبد. والواقع العملي يُظهر أن إسرائيل لن تتوقف عن الضم، وأن الاحتلال لن ينتهي إذا شعرت إسرائيل بالراحة والأمان. والحل يكمن في كيفية جعل الحياة مستحيلة أمام قطعان المستوطنين في فلسطين.

لكن كيف يكون التموضع في مرجعية واحدة، إن لم يكن موقف واحد وموحد يقوم على رفض جميع الخطط الإسرائيلية والأميركية؟

إن مواجهة المشاريع الإسرائيلية والخروج من مأزق الانقسام الفلسطيني يجب أن يستند إلى أسس واضحة وعملية ووضع برنامج عملي للمواجهة يقوم على:

1. رد الاعتبار إلى منظمة التحرير بما في ذلك التطوير والإصلاح وإعادة هيكلتها وانتخاب مجلس وطني جديد.

2. أن يكون الهدف الرئيسي هو إنهاء الاحتلال باعتباره السبب الرئيسي في عدم الاستقرار في المنطقة، الاحتلال هو أم كل الخطايا والجرائم والمؤامرات في فلسطين والمنطقة.

3. وضع ميثاق وطني يمنع الاقتتال والتكفير والتخوين.

4. إنشاء مرجعيات فلسطينية مشتركة على مختلف الصعد والميادين بما في ذلك المرجعيات السياسية والأمنية لتوحيد العمل المشترك ودراسة الخيارات.

5. وضع برنامج وطني للعمل المشترك سياسياً وأمنياً واجتماعياً وإعلامياً.

6. تعزيز صمود الشعب الفلسطيني على أرضه ودعمه مالياً واقتصادياً.

7. تعزيز صمود الفلسطينيين في الشتات لأنهم الخزان الاستراتيجي الداعم لأي تحرك وطني فلسطيني.

8. محاربة التطبيع بجميع أشكاله وأنواعه ومسمياته بما في ذلك التعاون والتطبيع الرياضي والاقتصادي والصحي والأكاديمي والبحثي باعتبار ذلك مدخلاً لإقامة علاقات مع إسرائيل وتكريساً للاحتلال الإسرائيلي.

9. العودة إلى ما قبل مؤتمر الجزائر عام 1988، ولا بد من مؤتمر جزائر ثانٍ لإعادة الوحدة في إطار منظمة التحرير.

10. العودة إلى العمل الشعبي والجماهيري في فلسطين، والعودة إلى حضن الجماهير العربية والشعوب الإسلامية وشعوب العالم الحر حيث كانت المنظمة ممتدة إقليمياً وعربياً وإسلامياً ودولياً.

11. العمل على مواجهة الامتداد الإسرائيلي في أفريقيا وأميركا اللاتينية وأوستراليا وغيرها بعد ازدياد النفوذ الاسرائيلي، تلك الساحات الدولية الهامة التي خسرناها بحاجة إلى العمل فيها وفضح مخططات إسرائيل ومنعها من التحرك فيها.

12. ملاحقة إسرائيل قانونياً وملاحقة قادتها بحيث لا يستطيعون التنقل بأمان في العالم.

وأخيراً، فإن كل ما يحيط بالشعب الفلسطيني يفرض عليه الاتفاق والوحدة، غزة محاصرة والضفة تتربص بها إسرائيل وتستولي عليها رويداً رويداً، وأخوة المصير شركاء الوطن يسيرون في اتجاهين مختلفين، والانقسام الذي جرى بتشجيع اسرائيلي ومساعدة عربية وإقليمية أدى إلى الطلاق، ونأمل أن يبقى طلاقاً رجعياً ولا يصل إلى الطلاق البائن.

الدكتور علي خشان وزير العدل الفلسطيني الأسبق

[email protected]

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard