"فصول احتراق" لمصطفى العثماني: جدلية الهايكو والإنسانية المعذَّبة

11 تموز 2020 | 11:00

المصدر: "النهار"

كتابٌ مفتوح (تعبيرية).

من يطالع للمغربي مصطفى العثماني، لا بد أن يقف عند حدود ضرب مغرٍ من الاستثناءات في كتابة الهايكو، لا من حيث جعله مطواعاً للمعلومة التي ما تفتأ تنغرس في الوعي وتنتسب إليه وتحرجه بمعانيها وصورها ورؤاها، وهكذا تدفع بالقول في هذا المجال، إلى تلوينات تراعي الذائقة أكثر مما تعنى بقوة تسريد المواقف، وترتيب المشاهد وتشذيبها.

إن هذا الهايكيست الجميل ينطلق من فلسفة حياتية خاصة، ويغوص في أسرار عوالم بيضاء تماماً، وغاية في العذرية، فهو يتبنّى ممارسة إبداعية بالتالي، تحتفي بإنسانيتنا المعذبة.

يشتغل على ذاكرة يقظة، كما يحاول ألا يقتنص من الآني والعابر سوى ما تحرز به إيقاعات الهايكو نبضاً إنسانياً متسارعاً، فيتم له بذلك ضخ دماء جديدة في شرايين هذا الفن الوافد.

مبدع ينفض ما تعلّق بمرايا ذاكرته، على نحو مؤنسن لنثار الذات، وسائر ما يمتد عنها، ويكمّلها من عناصر.

إنها معمارية جاذبة إلى آفاق هايكو لصيق بهواجس تحرير الإنسانية مما تكابد، وسفر نفسي يمتح من الخصوصية العربية واستقلال لغة الضاد، إنشاداً لملامح الهوية الجديدة التي تتناسل في دوائرها لغة الابتكار، والخلق في الصور والمعاني.

لهذا تحضر تيمة الاحتراق وبقوة، في مجمل الطقوس الإبداعية لدى شاعرنا، وقد تبرز جلية خرائطية انشدادها للمنبت أو الجذر الرومنطيقي، ودورانها معه، وما ذلك إلا لأن رمزية الأنثوي في الذاكرة والوعي، على حد سواء، قاهرة ومتجذّرة.

أجد العثماني ينأى عن الخطاب الإيديولوجي، في كتاباته، مع أني أعرف الرجل، وعهدي به مناضلاً نزيها يؤرقه الشأن السياسي الوطني وما آل إليه من ميوعة وتخبط في مستنقع الأنانيات والنفعيات التي راح يدفع ضريبتها المواطن، على نحو مرهق ومستنزف، بتوالي التناوبات السياسية المطبوعة بالنعرة الانتهازية، إجمالاً، بيد أن العثماني، ينحاز إلى مقامرة الإبحار في هموم العامة بروح شعبوية عصية عن المهادنات والمساومات.

يكتب بسلاسة ومشاكسة كبيرة، كأنه يعجن أحلام جيل أخجلته مراياه، وذهبت بماء وجهه هزائمه وانكساراته.

مبدع مثابر، لا يعول كثيراً، على الخلفيات الإصلاحية، بقدر ما تشغله رهانات بناء الإنسان وتكوينه التكوين الصحي السليم.

فهو أكثر إيماناً وأعمق اعتقاداً بأن الولد وإن كان سرّ أبيه كما يُقال، فإنه يتوجبّ عليه أن يفيض عن وجوده بهوية مستقلة ومعبّرة عن طموحاته وأحلامه كما آلامه، وبمعزل عن أي اجترار أو استنساخ مكرّس لعقلية قشيبة تظل تستعبدها التحديات والتجاوزات.

نقتطف له قوله:

غريب

حضنك وحده

وطني.

***

الشفة بطعم السكر

مجانية الابتسام

يا لكأسيَ الظامئة.

***

للسان زلاّت

على بعد خطوة

تعثّر حبّ أسطوري.

كتابة ترعى معاير هذا الحب الأسطوري، ما دام راهننا بمثل هذه الإسمنتية، والوحشية الذاهبة بكل هش وغض ومخملي في إنسانية الكائن.

فسيفساء من هايكو تفتح نافذة للحلم البرزخي الممتد، وتنصب محطات للاستجمام النفسي في عبور آمي آثم مثقل بالأخطاء والعبثية والابتذال.

بحيث لا تترع المسافة ما بين ذات تذود عن مشروع أحلامها، بشراسة واستماتة، وفوقية للمثاليات في شتى ألوان الحياة الطافية على صفحات الولادات الثانية، سوى هذه الصرخة العالمية المزلزلة والتي اسمها "هايكو"، توبّخ العالم والكائن، وتشرعن الهروب على تنوع مفاهيمه السيكولوجية والعاطفية والوجودية.

يقول أيضاً:

قمم موحشة

وحدها النسور

تتألّه المكان.

***

الرواء مستحيل

تثمل القلب

أشعارك.

***

لأجاريك

أركب الريح

كلماتك بساط سراب.

هي فصول احتراق إذن... يتم صرف رمادها الذي هو من رماد إنسانيتنا المعذبة والمحاصرة مثلما تحاول التفصيل في ذلك، المجموعة التي بين أيدينا.

توالت الرسائل التي تنهر الكائن وتردعه بلا هوادة، عساه يؤوب إلى إنسانيته الضائعة، ولكن دون جدوى، كون الإنسان يعشق مثل هذا الدوران في حلقة مفرغة، ويميل إلى غرائزه وبهيميته، باستمرار، ولو أنه أنصت بعمق لألحان صلصاله لاهتدى إلى ما يجعل منه سيد نفسه وكائناً تسربله النورانية والسمو، كل ما يهمه من عبوره إنسانيته.

نقتبس من المجموعة، قوله:

المعشوقة فلسطين

العطش الممتد الذي ليس يرويه عدا

دم الشهداء.

***

وا حرّ قلباه

اقتربي أكثر

أحترق بك.

***

كأن العالم لي وحدي

أشاكس ألوانه فيما الحبيبة تُسربلني به

من بياض.

***

لعينيَّ لغة تختزلها كلمة "أحبك"

وفي حبّكِ القلب كطائر هشّ

يكابد فصول الاحتراق.

هو تنويع في المواقف تمليه العفوية والاسترسال النفسي المتماهي مع الانشغالات العاطفية المتمكّنة من التكوين الشخصي والنفسي، متيحة مثل هذا التحليق في أكثر القضايا تعقيداً، باعتبار القضية الفلسطينية ليست مجرد همّ عربي محض، وإنما هي جزء لا يتجزأ من إشكالية كونية وإنسانية يتم التعتيم عليها بالعديد من الوسائل.

إنها جزء من إنسانيتنا المعذبة، والتي يحاول الإبداعي الانقلابي الذي عنيه مثل هذا المذهب، يحاول مقاربتها بنص جديد ولغة مختلفة وعقل ممسوس بأريج الانتماء الإنساني الكبير، ومطبوع بثقافة المشترك الكوني.

أعتقد أن فسيفساء تعبيرية كهذه، للمبدع مصطفى العثماني، استطاعت تفجير جملة من الأسئلة حول إنسانية الكائن، المهدورة والمعذبة، بأن جعلت الاغتراب الروحي في غمرة الاستعباد والاضطهاد المادي، أولوية، وبالسحر الذي تبدعه كتابة الهايكو المشتعل بالعاطفة الجياشة ومكنوناتها، حتّى وهو يعالج أوبئة ومثالب الواقع المتسلّط والمرير.

شاعر وناقد مغربي

*انظر مجموعة "فصول احتراق" لمؤلفها مصطفى العثماني.

ميسي وفابريغاس وجوزيف عطية والمئات يوجهون رسالة إلى هذا الطفل اللبناني



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard