بين الشرق والغرب.. حُسِمَ الخيار!

6 تموز 2020 | 16:37

تحرك أمام السفارة الأميركية في عوكر (تصوير مارك فياض).

يشتدّ الصّراع الإقليمي في المنطقة بين محاور القوى الدولية ويرسي بثقله يوماً بعد آخر على الداخل اللبناني، حيثُ السّاحة الخصبة مُعدّة سلفاً بخاصة أنّ الادارة السياسية، الاقتصادية والمالية للدولة اللبنانية وما ينبت على أطرافها وفي عمقها قد أطاحت بسفينة الشعب عن برّ الأمان.

بعد إعلان أمين عام "حزب الله" السيد حسن #نصرالله وهو الرّاعي الأساسي لحكومة الرئيس حسّان دياب، عن وجوب توجّه لبنان شرقاً لحتميّة الخروج من الأزمات المتتالية، ومع ردّة الفعل الصّامتة للحكومة والتي توازي قرار التأييد الحذر، يرنو عنوان "إنقاذ الشرق للبنان" صاخباً على مسامع اللبنانيين وهم الذين فقدوا شتّى أملٍ أكان عبر إصلاحات الداخل أم يد العون العربية والدولية التي اعتادوها. فما هي واقعيّة "المساندة الشّرقيّة" للبنان وهل أنَّ دولاً كالصين وإيران وسوريا قادرة على انتشالنا من عتمة المصير؟

استعداد العاصمة الايرانية لبيع لبنان المنتوجات النفطية بالليرة اللبنانية، كما تُعيد وتكرّر أوساط "حزب الله"، يُعدّ للوهلة الأولى فرصة رائعة لدولة تُعاني شحّ العملة الأميركية الصّعبة من خزائنها، ولكن ماذا ستفعل طهران بالعملة اللبنانية؟ هل باتت عملة لبنان "دولية" بين ليلة وأخرى؟ وهل باتت الأسواق الايرانية تتعامل بـ"ليرة لبنان" فجأةً؟ أو أنّ ما يُحكى عن تولّي الحزب مهمّة تحويل الليرة عبر "الصّرّافة السوداء" للعملة الصّعبة ومن ثمّ إرسالها لإيران هو المخطط الذي سيُعتمد؟ لا شكّ في أنّ الخيار الثاني وهو الأقرب إلى الواقع سيعود بنا إلى وجوب تسديد لبنان لحاجاته الاستيرادية، أكانت المنتوجات النفطية أم غيرها من سلع غذائيّة وصحيّة، بالعملة الصّعبة، فماذا سيتغيّر وفق هذا المسار، كون المعضلة ستعود وتُرواح نفسها لناحية تضاؤل حجم الاحتياطي المتبقّي في المصرف المركزي من العملة الخضراء.

هنا يحضر الرأي المعارض للتعامل التّجاري مع طهران، ليعتبر أنَّ خسارة لبنان لا تنطوي فقط على إخضاع الاتفاقات التجارية لرحمة التلاعب بالليرة في السوق السوداء، مع ما يفرضه من وجوب تأمين مبالغ مضاعفة من الخزينة بالليرة الوطنية، بل سيزيدها عمقاً تحمّل تبعات العقوبات الأميركية والدولية التي تُزنّر التعامل التجاري بالنفط الايراني، عدا عن اعتبار الرأي الاقتصادي والصحي المحلّي أنّ استيراد السلع الغذائية والصحية وبخاصة الادوية من #إيران يُهدّد المستوى الاستهلاكي اللبناني لناحية الجودة والفعاليّة كما القدرة على تغطية الحاجة القومية.

إضافةً إلى ما تقدّم، يُعتبر التّعاون التّجاري مع #الصين ركيزة أساسيّة للاقتصاد اللبناني، وهذا ما يستند إليه حاملو لواء "التوجّه شرقاً"، غافلين عن أنّ هذا التعاون "الضخم" يُقابله تبادلاً مضاعفاً مع الاسواق الاوروبية التي لا مفرّ منها استيرداً وتصديراً، ما يضع خيار "الشرق" كطرح أحادي في مهبّ الخيال.

سياسياً، لا يختلف اثنان أنَّ ما يُعانيه الشعبان الايراني والسوري من فقرٍ وبطالة وتدنّي للمستوى المعيشي والقدرة الشرائية، يطرح علامات جمّة عن صوابيّة اعتبار هذين البلدين مصدراً للحلّ الانقاذي للشعب اللبناني، مُضافاً إلى ذلك خطر العقوبات الأميركية الجديدة النّاجمة عن بدء تطبيق قانون قيصر، وهذا ما سيفتح قريباً معضلة التّصدير والاستيراد والتبادل التجاري الذي يحصل يومياً ولو بحدوده الدّنيا بين سوريا ولبنان، وهل سيكون لبنان قادراً على الاستمرار به وما هو البديل في حال نأيه بنفسه؟

الصّراع الدولي الذي تُرجمَ صراعاً حامياً في الساحة اللبنانية بين خياري الشرق والغرب، باتَ يقرع أسوار المحور الواحد داخل الحكومة اللبنانية التي تعرّضت لهزّة جزئيّة أوائل الاسبوع الأوّل من تموز الحالي، حيثُ استُحضر شبه القرار الغربي بقطع باب المساعدة بعد أصداء الموقف السلبي من صندوق النقد الدولي إزاء تخبّط الحكومة في طرح أوراقها الماليّة والاقتصاديّة كما استحالة التوجّه شرقاً بشكل كلّي لعدم تمكّن هذه الجهّة من مساندة لبنان وهي التي تُعاني ما تُعانيه في داخل بلدانها.

مُخطىءٌ من يعتقد أنّ ترف الوقت الذي يستلذّ اللبنانيون بممارسته ما زال متوافراً، فلا الغرب ينتظرنا ولا الشرق قادراً على استقبالنا، ليس لشيء سوى أنّ إصلاحات الحكومة لن تُولد، والمصالح السياسية للشعوب الأخرى قد وضعها بعض مَن يحكم باسم الشعب فوق مصلحة هذا الشعب. لا شرقاً ولا غرباً... لقد حسموا الخيار منذ البداية، وتوجّهوا بالسفينة إلى القعر، على أمل مخلّصٍ ما في غير زمن.

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard