زوارق وآثار وتراث... هنا أنفة زرقة البحر والحبّ

7 تموز 2020 | 18:31

المصدر: "النهار"

شاطئ أنفة.

تنتهي من القلمون، خمسة كيلومترات جنوبي طرابلس، لتبدأ أنفه عند محطة الحريشة للكهرباء. طريق ممتدة زهاء كيلومترين، يمناها البحر، تفصله عن الطريق سلسلة ملاّحات متآكلة ومتوقفة عن العمل.

ثم تبدأ منتجعات سياحية من الأضخم شمالاً، وربما لبنانياً، وبعدها إطلالة على ملاّحات تتاخم البلدة المسكونة، وصولاً إلى ساحة البلدية، حيث منعطفات منها ما هو نحو الساحل، ومنها نحو أحياء البلدة التراثية.

يوغل قاصد البلدة في المنعطف الأول المؤدي إلى ما يشبه الخليج الصغير الذي يحدّه شمالاً امتداد بحري يشبه التل المسطح، يفصله منخفض عن البرّ، وكأنه تشكيل عمراني تحوّل مع الوقت إلى مجرد كتلة جيولوجية. لكن حفريات على متنه تظهر أنه كان مسكوناً منذ عصور التاريخ الأولى على ما يذكر منشور لوزراة السياحة، ويمتد خمسماية متر في البحر، ويظهر عن بُعد، وعرضه مائة وخمسون متراً، لينتهي ببقايا سور مُقنِع كفاية لافتراض أن الموقع كان منشأة مدنية كقرية عتيقة، أو قلعة عسكرية.

على الجهة اليمنى من الامتداد البحري إطلالة على الطريق العام، وبين الموقع والطريق خليج صغير يحتمي من الرياح، نشأت عليه مبانٍ سياحية محلية، يستخدمها أبناء البلدة لمتعتهم، ولا يظهر عليها استثمار سياحي كالذي تجذبه المنتجعات الكبيرة القريبة من الموقع.

زوارق صغيرة ترسو في المنعطف البحري، تحتمي فيه من الرياح، وتشكيلات عمرانية بسيطة مثل جسر خشبي، وبعض أبنية متواضعة هي شاليهات الموقع، والإطلالة عليه من التل تُظهر لوحة بحرية جميلة ومتكاملة.

في هذا الموقع، آثار تعود لآلاف السنين، ومنها أدراج محفورة في الصخور، وبقايا غرف هي أيضاً محفورة في الصخور، مع مبانٍ صغيرة، وأمامها فسحات يعتقد السكان أنها كانت بمثابة مسرح عتيق لعروضات ذلك الزمن.

في التراث، تشتهر أنفه باعتماد أهلها على استخراج الملح من البحر، وذلك منذ زمن بعيد جداً يوم كان الإنسان يستخرج الملح بنقل مياه البحر إلى البر في جرار من الفخار، على ما تشير العديد من البرك الصغيرة المنتشرة على الشاطئ. لكن مع تقدم العصور، توسعت صناعة استخراج الملح من حاجة منزلية إلى تجارة، فانتشرت على الشاطئ آلاف البرك التي جُرَّت مياه البحر إليها بالضخّ بمراوح هوائية.

غير أن هذه الصناعة تراجعت كثيراً إلى حدود الانقراض بسبب المضاربة التجارية الخارجية، ففرُغت البرك من مياهها، وحلّت الطحالب محلها.

وعلى هامش صناعة الملح نشأت في البلدة مصانع للمراوح التي تحرك مضخات لضخ مياه البحر إلى البرك، ولا يزال واحد منها عاملاً حتى اليوم، ويقوم صاحبه رامح نخول بتصنيع المراوح، وربما كان آخر من يصنعها على امتداد الشاطئ اللبناني.

ومن أظرف المعالم ما أنشأه مخول من كوخ مرتفع على عمود أترنيت صلب، مطلّ على البحر، ومرتفع عنه زهاء متر ونصف المتر.

عودة إلى ساحة البلدية، ومنها نحو داخل الأحياء التراثية المرممة لأنفة، تمتاز بها، وتحولها إلى أحياء قديمة شهدت عناية قلّ نظيرها في مواقع تراثية أخرى.

في جولة في الأحياء، بيوت للسكان جرى ترتيبها وترميمها بالحفاظ على طابعها، وأشهرها بيت يعرفه العامة بـ"بيت أم سليم"، وملامح أثرية وتراثية من أجران قديمة وأدراج متوازية تعطي رونقاً خاصاً.

وتنتشر على الشاطئ مراكز دينية ممتدة من العصور الوثنية، جرى استخدامها في العصور المسيحية اللاحقة، ورُمِّم معظمها، وتدل على عراقة وقدم تاريخيين، خصوصاً في أحد المواقع المجاورة لكنيسة تعرف بـ"سيدة الريح" حيث تَظهر حفرة كبيرة صخرية وواسعة في الأرض يرجح أنها خزان للماء، وعلى جنباته ظهرت بقايا رقع فسيفساء تدل على أنها من العصر البيزنطي، ويرجح أنها كانت أرضية لكنيسة كبيرة دمرت، وبقيت أجزاء منها، وجرى ترميم القسم المعروف اليوم بـ"سيدة الريح".

ومن الآثار التاريخية الهامة كهفان صخريان يقعان على مرتفع يعلو عشرين متراً عن سطح البحر، عُثر فيهما على بقايا من حيوانات بحرية كالأسماك والصَدف المتحجرة.

الكهفان تجويفان كبيران، واحد اسمه كهف "الشق" والثاني كهف "العمود"، وقد حوّل فنان من البلدة كهف الشق الواقع في أرضه إلى متحف للأدوات القديمة المنقرضة، والتي عثر عليها المنقبون.

والدا الكسندرا يكشفان تفاصيل اللحظات الأخيرة: الحساب آتٍ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard