الحَجْرُ... الحربُ... والحُبُّ

2 تموز 2020 | 16:38

المصدر: "النهار"

الصورة عن "أ.ف.ب".

مَن كان ليتخيَّل أنَّ البشريَّة جمعاء ستُسدل الأستار وتقبع في بيوتها خوفاً من وباء؟! مَن كان ليصدِّق أنَّ الإنسان الذي هبط على سطح القمر سيقف عاجزاً أمام جرثومة صغيرة؟! في باريس، في بيروت، كما في غيرهما من العواصم حلَّت كورونا كالزَّلزال، كالموت، كالحرب. نعم، كالحرب التي عاصرناها في لبنان. فالخوف من الوباء أعادني إلى ذلك الهلع اللَّعين من صوت الرَّصاص والقذائف والرَّاجمات. بلمحة بصرٍ عدتُ إلى مربَّع الخوف الأوَّل حيث اللُّعبة لعبة "الروليت الروسية المميتة"، وحممُ النَّار قد تصيبك وربَّما لا. فالمسألة مسألةُ حظٍّ. وهكذا الأمر مع الجائحة.

حتى تلك اللَّحظة كانت باريس واحة أمان. ولكنَّها تحوَّلت، في رمشةِ عين، إلى بؤرةٍ للفزع والقلق. الأسباب المعروفة تتلخَّص بانتشار الوباء. أمَّا الأسباب غير المعروفة فكانت الوجل من الإصابة بالفيروس والرَّحيل الأبدي بعيداً عن لبنان. الرحيل بعيداً عن الأرض الأولى هاجسٌ راودني منذ البداية وسيطر على أفكاري وأعطى لصراع البقاء معنىً آخر. فرنسا أُقفلت، ودَعت إلى شتَّى سبل الوقاية، وفي طليعتها الحَجْر الصِّحِّيُّ الشَّامل. أدَّى ذلك إلى الشُّعور بأنَّنا سجناء، وحيدون، متروكون لأقدارنا، لا نعلم إن كنا سننجو أم لا.

منذ اللَّحظة الأولى، شعرتُ بأنِّي أعيش من جديد تجربة الحرب. فشوارع مدينة الأنوار فرغت من ناسها، وأمست صحراء موحشة، أرضاً يباباً. ولكن، بعكس الحرب، كان الصَّمت مَوْلَىً على كلِّ شيء. وهنا المفارقة. في لبنان صوت الرَّاجمات مرعبٌ، وفي باريس صمتُ المدينة مريب. في لبنان الشَّوارع خاويةٌ إلَّا من المسلَّحين، وفي باريس الشَّوارع خاويةٌ إلَّا من المسعفين. في لبنان كانت الطَّريق محفوفةً بالمخاطر عند الذَّهاب إلى مبنى التِّلفزيون، وهنا الطَّريق محفوفةٌ بالمخاطر عند الخروج للتَّزوُّد بالأساسيَّات. هناك كنت أعمل في الإذاعة تحت نيران القصف، وهنا حربٌ يموت فيها من يعمل.

لا شكَّ أنَّ وباء كورونا واحدٌ من أصعب الاختبارات التي مرَّت بها البشريَّة. صدمةٌ نقلتنا من الحياة إلى الهمود. جاءت من أقصى أقاصي الصِّين إلى كلِّ العالم، فحوَّلتنا إلى مجرَّد أرقام. حبست أنفاسنا وأحصت علينا أعمارنا. فالشَّباب لا يُصابون، والكبار معرَّضون، والجميع في خطر. لقد حوَّلت "كورونا" العالم إلى كرةٍ متدحرجةٍ من الخوف، فتساوى الجميع. أزيز الموت قرعَ الأبواب فوحَّد البشريَّة. حتى الحبُّ كابدَ ظلالَ الوباء، فتعذَّر اللِّقاء، وتناءت المسافات، وانكسرت الأحلام. الحبُّ في زمن كورونا مؤلمٌ، معذِّب، مستبدٌّ. في الحَجْر المنزليِّ القسريِّ، قصصُ حبٍّ صارعَتْ من أجل البقاء. فمنها ما صمد، ومنها ما انهار، فافترق الأحبَّة وذهبت صحبة العمر أدراج الرِّياح. فالتَّقارب عرَّى الأرواح، وأسقط الأقنعة، وأطاح بالكثير من المسلَّمات. حتى إنَّه غيَّر سلَّم الأولويَّات، فانكفأ كلُّ امرئٍ إلى ذاته وغارت نفسه في أماكن جديدةٍ، عذراء غير مأهولة. تحوَّلت فيما بعد إلى أفكارٍ جديدةٍ ورؤيةٍ مغايرة.

الخروج الجزئيُّ من الحَجْر كان كالخروج من الملاجئ. ينتابك الهلع. لا تريد. ولكنَّك تحلم بتلك اللَّحظة. تخرج إلى الضَّوء وكأنَّك خارجٌ إلى معركة. إلى مجهولٍ آخر. لا تتذوَّق إلَّا طعم الشَّكِّ بالآخر. تخاف منه. تتجنَّبه كما لو كان قنبلةً موقوتة. سلاحُك الوحيد كمَّامةٌ. قناعٌ. تباعدٌ. لم تعد الدُّنيا هي هي: الشَّوارع، النَّاس، الضَّوضاء، حركة العيون، الأنفاس، الرَّوائح، كلُّها تبخَّرت. ووراء القناع أنت لم تعد أنت. أنت إنسانٌ آخر. الأفق مسدود. الحدود مقفلة. وحدها مخيِّلتك ما تزال تتمتَّع بحرِّيَّتها. تسافر. ترسو من حينٍ إلى آخر أينما يحلو لها. ثمَّ تعود إلى كوابيس لعنة الوباء. أمَّا روحُك فستحمل إلى الأبد هذه النُّدوب الجديدة.

حَجْرُ كورونا كان حرباً خاضتها الرُّوح البشريَّة ضدَّ الفيروس وضدَّ نفسها، لكنه أظهر أنَّ وراء الظُّلمة القابعة في النُّفوس فيضاً من الحبِّ والتَّضامن، وأنَّ السَّعادة، ولو طال أمدُ المأساة، تنتظرُنا على عتبة كلِّ باب؛ مهما تغيرت المفاتيحُ والأقفال. إذ صارت اللحظةُ سيدةَ الموقف. كورونا كان درسُ الحياة الأكبر. فاللحظةُ هي كل ما نملكُ. إذ نجهل إن كنا سنعودُ إلى الحَجْر، إلى الحرب، كما نجهل إن كانت الأقدار سترمينا في أحضان الحب.

كابي لطيف

باريس

والدا الكسندرا يكشفان تفاصيل اللحظات الأخيرة: الحساب آتٍ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard