"أنا بريء من دم هذا الشعر" لنهيد درجاني: أسلوبية التمايز وظاهرة الإيقاعات

28 حزيران 2020 | 13:01

المصدر: "النهار"

غلاف المجموعة.

"ما هو الشعر؟ إن شئنا تعريف هذا المفهوم، وجب علينا أن نضع له نقيضا ما هو ليس شعرًا. ولكن ليس من اليسير اليوم، أن تقول ما ليس شعرًا "

JAKOBSON, R (1973)

في هذا القول المقتبس من مقدّمة مقالة بحثية كان رومان ياكوبسون تناول فيها الموضوعات التي عالجها الشعراء من أمثال ماياكوفسكي ونرفال ولوتريامون ومالارميه وغيرهم، والتي بدت غريبة، بعض الشيء، بل مخالفة المنطق المألوف والسائد في ما سبقهم من الشعر التقليدي. يقول ياكوبسون بما معناه أنّ الشعرية الحديثة، أي كلّ الخصائص والحساسيّات التي تتّسم بها النصوص الشعرية، سواء من حيث الموضوع أو المعجم، أو الصور البيانية، أو تنضيد النصّ المطبعي، أو غير ذلك، من الظواهر التي تُستخلص اليوم من نصوص الشعر ولا تُفرض مسبقاً بمعايير جاهزة، ما عادت محصورة بقواعد النظم التقليدية ولا بحساسيّات أو بذوق أدبي يُنمى الى حقبة تاريخية طواها الزمن وما عاد بالإمكان فرضها، على نحو ما كانت نازك الملائكة تتمنّاه، أوّل الستينيّات من القرن الماضي، يوم عابت على السيّاب انثياله الغنائيّ وتهشيمه بنية البيت الشعري التقليدي.

ونحن، اليوم، في عشرينيّات القرن الحادي والعشرين، لا يزال الشعر العربي المعاصر يستطلع أفقًا جديدًا للكتابة الشعرية يكون فيه لقصيدة النثر الموقع الأبرز. وشاعرنا، نهيد درجاني، المتأثّر بأساليب شعراء قصيدة النثر، وأوّلهم شوقي أبي شقرا (خطوات الملك، سنجاب يقع من البرج، حيرتي جالسة تفاحة على الطاولة، صلاة الاشتياق على سرير الوحدة، وغيرها) ربّما ليقينه بأنّ رؤية الأخير إلى العالم هي أقرب من رؤيته الريفية، الساعية الى تبيّن سماته وملامح أسطورته الشخصية، على ما يقول شارل مورون، ورسم حدود أولى لأسلوب الشاعر درجاني، لا تلبث أن تتحوّل وتتشعّب على امتداد تجربته الشعرية عبر الزمن، وعلى توالي مجموعاته الشعرية الآتية.

لا أقول هذا لأثبت على كتابة الشاعر نهيد درجاني، الصّاعد حديثاً إلى منبر النشر، عبر مجموعته الشعرية الأولى ("أنا بريء من دم هذا الشعر") الصادرة حديثاً (2019) عن دار النهضة العربية، على الرغم من الزمن الطويل الذي استغرقه في تجربته الشعرية وأسلبة لغته (لا أقلّ من ثلاثة عقود) وهو في الخمسين من شبابه الشعري، مقولة ياكوبسون التي أناقشها لاحقاً، وإنما لأدلّ على حِرَفيّة تلازم كتابة الشعر، واطّلاع بالعمق والاتساع على كلّ نتاج شعري حديث ومعاصر يحسن بالشاعر الدّرِب أن يقوم به من أجل أن يكتشف صوته الشعري المميّز، ويمتحن ذائقته الشعرية الخاصّة، ويستطيب الوقوف لدى بعض القضايا والمواضيع وينأى عن أخرى، كلّ ذلك بفضل قراءاته المتأنّية وميله إلى مدّ جسور التأثّر ناحية شاعر أو أكثر من دون الذوبان فيه أو في شعره. أمّا أن ينجز الشاعر باكورته الشعرية، بعد طول المخاض، فهذا يعني أنه أمكن له أن يضع اللبنات الأولى لعالمه الشعري (الشخوص والأمكنة والقضايا والأفكار الفلسفية وغيرها)، مثلما يعني أنه خلُص إلى وضع جملته الشعرية، وقواعده البيانية الخاصّة ورموزه وتصوّراته عن الإيقاع (الداخلي بالطبع)، وكثير من الظواهر التي يستخلصه القارئ الناقد، شأني.

إذاً، تتألف المجموعة الشعرية "أنا بريء من دم هذا الشعر" (في معارضة ناقصة لكلمة بيلاطس البنطي في المسيح لمّا سيق إليه لمحاكمته قائلاً: "أنا بريء من هذا الدّم..": متّى 27-24)، من ثلاثة أقسام، بل من ثلاث قصائد طويلة، بل متفاوتة الطول؛ القصيدة الأولى، وهي بعنوان "رحلتِ الشّقراء"، وقد خصّها الشاعر برثاء والدته، والقصيدة الثانية بعنوان: "كيلا يضجر أبي" وعنوانها دالّ على مضمونها. أمّا القصيدة الثالثة، وهي الأطول والأهمّ لدواعٍ نفصّلها لاحقاً وعنوانها نقيض لذاك في الكتاب: "لستُ بريئًا من دمِ هذا الشّعر"، تأكيداً للّعب الأسلوبي الذي شاءه الشاعر وللمراوغة في الإيحاء التي يلجأ اليها ربحًا لكثافة المعاني وشدّاً لانتباه القارىء إلى الصّورة المركّبة، والمشهد المبتدع والجملة المُعاد صقلها في قوالب سلسة ومشدودة ومجافية لتلك الجاهزة، قدر الإمكان.

في القصيدة الطويلة الأولى، "رحلت الشقراء" يتّكئ الشاعر على نقاطٍ علاّم مستلّة من طفولته من أجل أن يرسم للراحلة ملامح تلك المرأة الريفية "نبيلة العرائش"(ص:6) التي حبلت به وأسقطت نُبل أمومتها على كائناتها البيتية، إلى أن ولدَ لها ذلك الذي كفاه أن "يرهز اللغة"(ص:7). بيد أنّ الشاعر غالباً ما لا يكفيه المعنى الواحد والمقصد المفرد، عنيتُ رثاء الأم واستحضارها، وإنما تراه "يهجم" بكلّ استراتيجياته :métapoésie وأحواله وآرائه المتّصلة بما وراء الشعر

"كلّ آلهة الأساطير

بلّت فمها من قصائدي

وما بلغتُ الشعر

فبتُّ ليلتي منبوذاً في سرير اللغة " (ص:24)

من أجل أن يرسل تغريباته الغنائية العالية التي يعبّر فيها عن عظيم فقده، ليس والدته موضوع الرثاء فحسب، وإنما ليرثي نفسه أيضاً من خلالها ("الآنَ/ لا كفنَ يليقُ بي "ص:13)، وليعاود البحث العبثي عن نظير لها "في أصوات النساء"، وليستحضر آخر الذكريات التي ما برحت لصيقة بحافظته الطفوليّة، وليصنع لها من مأثوراتها الريفية لوحة مثالية جديرة بمعاندة الزمن:

"ماذا قال الصّعتر البرّيّ ليديكِ في الصّوم الكبير

لدينا بقعتان من الزيت،

واحدة على فستانك النيلي

وواحدة في شراييني.." (23)

"ماذا قالت البقول ليديك في الصّوم الكبير"(ص:24)

"في الوجبة الأخيرة التي أعددتِها

نَيزكٌ، بطَعم الرّشاد البرّيّ" (ص:27)

غلاف المجموعة.

أما صورة الوالد التي يستخلصها القارئ من القصيدة المفردة ("كيلا يضجر أبي") فقد صاغها الشاعر الإبن بنبرة أدنى، وفي محصّلتها رزمة من علامات الشقاء التي عاش فيها وتركها إرثًا له مستحقًا، يضاف إليه "لغة التراب"، وكلمات يرتق بها الشاعر غياب الأب الذي كان "قلبه رقيقًا لتحيا"، والذي "شبّ / شاخ/ هرِم / وغابَ من جديد" (ص:25)

القسم الثالث في المجموعة، يمكن اعتباره مانيفستو أوّلاً يطلقه الشاعر على الملأ ليعرف من يقرأه أنّ تلك سماته وسيماؤه، وأنّ تلك هي حدود عالمه وشخوصه ومناوراته الأسلوبية ورموزه وأساطيره المستعادة وإيقاعاته الداخلية وجمَلُه الشعرية على "جِمال" الجناسات الناقصة وصوره الشعرية الفالتة وتلك المضبوطة، وبعض لغته العامّية وكناياتها الشائعة ونبرة عالية لشاعر "حقّاً قام" (ص:167)

في المانيفستو المُشار إليه أعلاه، وعلى امتداد مئة وثماني عشرة صفحة، يرسم الشاعر صورة المرأة المحبوبة: "الآتية أنثى، نصفها ساحرٌ، نصفها شاعرٌ"(ص:49)، ويرسم نفسه "العاشق الأبد"(ص:79) والحبيب الذي يرى العالم وكائناته من شوقه إلى المحبوبة، وانغماسه الهاجسيّ في طيّاتها الأنثويّة.

"لم يعدْ يتّسع الحنينُ لحنيني

ولا مخازن القمح لشهوتي

اصهريني،

جنّياً معقوفاً على ركبتيه " (ص:57)

ثم إنه لا يزال حتّى يرسم صورة لذاته باعتبار صلته بالكتابة الشعرية، فتتبدّى المرأة (المحبوبة) ملهمة الشعر ("خلف كلّ قصيدة/ تزهر أنثى وتفوح"، ص:75) والمساهمة الكبرى في ابتداع العالم الشعريّ الدرجانيّ المتأرجح بين البرَكة واللعنة، بين الوعي واللاوعي، بين التعقّل والجنون، وبين الجدّيّ الصارم وبلغة الضاد من كعب الدست، وبين المازح العامّي المأخوذة عباراته وكناياته من أفواه الناس:

*"كفّ امرأة مقطوعة من غيمة..، ليبتلع القطّ لساني، ولدتُ مفشكلاً، قبلة تجيبني أرضاً، أبردخ خشب الدائرة، دبّر رأسَ قلمك، كمشتُكِ، خذوني على قدّ عقلي، عدّادين (جمع عدّان، كلمة سريانية الأصل تعني الوقت او برهته المخصّصة بأمر)، وغيرها من العبارات.

تستحقّ المجموعة أن يتطرّق الدارس إلى ظاهرة الصور الشعرية ويعرّج على بعض الاصطناع في تركيب الصور ("لم يكن للمظلّة سبب كافٍ لإذابتي/، سوى انشغال يديكِ بكشّ الغيمِ قبالةَ /جسدي"(ص:107)، وظاهرة الإيقاعات الداخليّة الذكيّة في النصوص -الأناشيد التسع والعشرين التي تشكّلت منها القصيدة الكبرى "لستُ بريئا من دم هذا الشعر"، وظاهرة التناص الذي يمكن تبيّنه في بعض العبارات والصيغ، وظاهرة تحويل العبارات ذات الدلالة الدينية إلى ما يناسب السياق الشعري، وغيرها الكثير. ولعلّها جميعا، المدروسة وتلك المؤجّلة، تصنع تمايز لغة الشاعر، وتشي بتقدّمه إلى نقاط غير مطروقة بعد.

أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard