الإرهاب الإسرائيلي والثالوث المقدس

28 حزيران 2020 | 09:59

عبور عمال فلسطينيين من خلال ثقب في الجدار العازل بالقرب من حاجز ميتار في مدينة الخليل (أ ف ب).

على الرغم من أن تعريف الإرهاب يمثل الشغل الشاغل للسياسيين ويؤرق مضاجع الباحثين والأكاديميين في المجالات السياسية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية، إلا أن معظم الدول لا تولي اهتماماً بطبيعة العمل المرتكب والأشخاص الذين يقومون به بقدر اهتمامها بما يحققه لها من مصالح، حيث تطغى مصالح ومنافع الدول، والجماعات الارهابية على المبادئ والقواعد الدولية والقيم الإنسانية، وتحتل التوازنات الدوليـة الأولوية في التطبيق على حساب العدالة الدولية للأسف الشديد، وتذهب بعض الدول إلى إعلان ما أسمته الحرب الاستباقية أو الوقائية ضد الإرهاب بشكل فردي من دون اكتراث بقواعد القانون الدولي سواء كان ذلك في حالات الحروب والنزاعات المسلحة أو في حالات السلم، مستغلة ما أسمته الحرب ضد الإرهاب لتبرير تدخلها في العديد من الدول والسيطرة على ثرواتها، مما ينذر بمستقبل أسود للقانون الدولي إن لم يُتصدَّ لتلك المحاولات التي تهدف الى إلغاء حق الشعوب في تقرير المصير والحق في المقاومة المسلحة ضد الاحتلال.

والمثال الحي على ذلك ما قامت به الولايات المتحدة بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر، وما تقوم به روسيا الاتحادية من عمليات خارج نطاق حدودها، وما قامت وتقوم به اسرائيل من إرهاب ضد الشعب الفلسطيني والدول والشعوب العربية في لبنان وسوريا والعراق وتونس والسودان بذريعة محاربة الإرهاب.

وتستند إسرائيل في استراتيجيتها الإرهابية على ثلاثة مصادر "تشكل ما أسميناه الثالوث الارهابي وهي النصوص التوراتية، فتاوى الحاخامات، وتصريحات القادة والسياسيين.

وتضطلع النصوص التوراتية بدور الموجه للجيش في حربه، استناداً على المعتقدات التلمودية التي ترى في الأجانب "غير اليهود" حيوانات متوحشة لا تزيد حقوقها عن الحيوانات الهائمة فى الحقول.

ويُعد قتل غير اليهود من الإغيار مُبَرر إلى الحد الذي يتم به التقرب للرب كما جاء في سفر التثنية "فضرباً تضربُ سكان تلك المدينة بحد السيف، وتحرق بالنار المدينة وكل أمتعتها كاملة للرب إلهك، فتكون تلاًّ إلى الأبد لا تُبنى بعد، لكي يرجع الرب عن حمو غضبه ويعطيك رحمة".

والله الحق منزه عن التحريفات العنصرية التي تمس ذاته الإلهية وتصفه بالغضب والعنصرية.

كما يؤدي الحاخامات دوراً هاماً في استراتيجية إسرائيل الإرهابية وتؤكد فتاوى عوفاديا يوسف الزعيم الروحي السابق لحزب "شاس" ذلك حيث اتهم "الرب بالندم على خلقه العرب الأنجاس".

إضافة إلى دعواته العنصرية المتكررة التي يحض فيها على قتل العرب ومن ذلك فتواه التي يقول فيها "إن اليهودي عندما يقتل عربياً فكأنما قتل ثعباناً أو دودة ولا أحد يستطيع أن ينكر أن كلاًّ من الثعبان أو الدودة خطر على البشر، لهذا فإن التخلص من العرب أمر طبيعي أن يحدث".

وأمام مؤتمر عقد في بروكلين في الولايات المتحدة حضّ الحاخام ابراهام شابير الشباب اليهودي على تطهير الأرض ممن ينازعون اليهود أرض الميعاد، ودعاهم للتخلص من العرب كما يتم التخلص من الميكروبات والجراثيم.

ويدل هذا على أن الإرهاب الإسرائيلي عقائدي يقوم على ازدراء دين الآخرين ويدعو إلى معاملتهم معاملة عنصرية، ولا شك في أن هذا يُعد توجهاً عنصرياً يستوجب المسائلة القانونية.

وأما مؤسس الكيان الإسرائيلي بن غوريون فقد وضع استراتيجية إسرائيل القائمة على الإرهاب بمقولة ما زال يتردد صداها في كل مكان في اسرائيل "بالدم والنار سقطت يهودا وبالدم والنار ستقوم ثانية".

وأكد مناحيم بيغن جزار مذبحة دير ياسين على أهمية هذه الاستراتيجية الارهابية في صنع التاريخ الاسرائيلي في كتابه "التمرد": "عندما تقتلون أعداءكم ينبغي أن لا تأخذكم بهم رحمة حتى تُدمر ما يسمى بالثقافة العربية التي سنبني على أنقاضها حضارتنا"، ووضع أسس برنامجه السياسي على التوسع ورسم الحدود التوراتية لاسرائيل بقوله: "إذا وعد حزب الليكود مؤيديه بإسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، فأنا أعدهم بإسرائيل العظمى من المحيط الى الخليج".

أما ليبرمان وزير الخارجية الاسرائيلي الأسبق فقد دعا إسرائيل إلى تفجير السد العالي وبحيرة ناصر لإغراق الأراضي المحيطة بهما عند نشوب حرب، وهذا بحد ذاته إرهاب وتهديد ضد دولة عضو في الأمم المتحدة ويدل على مدى العنجهية والاستكبار.

وفي ضوء ما تقدم، يتبين لنا أن المشروع الصهيوني في فلسطين استند إلى فكرتين أساسيتين، أولاهما الحق التاريخي المزعوم لليهود في فلسطين وثانيهما استخدام كل الأساليب والوسائل المتاحة لتحقيق ذلك استناداً إلى مقولة غولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل إبان حرب اكتوبر عام 1973 "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" التي كانت تصرح بها في المحافل الدولية لحشد التأييد الدولي لإسرائيل أولاً، كمقدمة لإقامة إسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات.

وتأسيساً على ما تقدم يتضح بما لا يدع مجالاً للشك بأن الإرهاب الإسرائيلي، لم يكن مجرد صدفة أو أنه جاء كرد فعل، بل هو جزء لا يتجزأ من العقيدة الصهيونية ويمثل الوجه الحقيقي لإسرائيل، ويُكيف بأنه إرهاب دولة منظم، وتطبيقاً لهذا النهج أنشئت إسرائيل العشرات من المدارس الدينية المتطرفة لتنشئة الأطفال على الإرهاب والعنف وكراهية العرب.

وتنفيذاً لهذه الاستراتيجية الإرهابية دمرت إسرائيل مئات القرى والبلدات في فلسطين، وأعلنت مواقعها مناطق عسكرية مغلقة قبل أن تقيم مستعمراتها على أنقاضها.

وأقاموا على أنقاض المقابر وعظام الموتى متحفاً يسمى متحف التسامح كما حصل في مقبرة مأمن الله التاريخية في مدينة القدس وتم نبش وانتهاك مقبرة الإسعاف الإسلامية في مدينة يافا لبناء مشاريع إسكان عليها في حين يثحرم المساس بأي قبر يهودي.

انتهجت إسرائيل سياسة قتل الأبرياء الآمنين من المصلين في الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل والمسجد الأقصى في القدس كما أحرقت منبر صلاح الدين الأيوبي في المسجد الأقصى عام 1969 واتهم من حاول القيام بذلك بأنه مريض نفسيا.

وامتد الإرهاب الاسرائيلي ليشمل دور العبادة المسيحية، حيث لم تسلم الكنائس من الاعتداءات بما في ذلك كنيسة القيامة في القدس حيث تم السطو عليها وسرقة المجوهرات الموضوعة على تمثال السيدة العذراء، وفي عام 1971 حاول أحد الارهابيين الاسرائيليين حرق كنيسة القيامة بعد أن حطم القناديل الأثرية فيها.

وإبان الانتفاضة الثانية عام 2002 أطلق الجيش الإسرائيلي النار على كنيسة المهد في بيت لحم وشب حريق في مدخلها.

ويتضح مما تقدم أن الإرهاب صناعة إسرائيلية خالصة، واسرائيل هي صاحبة الإمتياز في الأعمال الإرهابية فهي أول من قامت بخطف طائرة مدنية، وهي من قامت بإسقاط الطائرة الليبية فوق سيناء، وتعتمد اسرائيل سياسة تقوم على الخداع وقلب الحقائق واتهام العرب والفلسطينيين بالإرهاب، كما وتتهم كل من يعارضها بمعاداة السامية ويتم ملاحقته قانونياً وفقا لقوانين معاداة السامية دوليا.

إن هدف إسرائيل واضح وهو تفريغ فلسطين من أهلها وتهويد الأرض والشعب ويريدون اعترافا فلسطينيا بيهودية دولة إسرائيل يبرر استكمال مخططهم لإقامة كيانهم على أساس عنصري وديني ليس في فلسطين وحسب بل من النيل الى الفرات كما هو مثبت في خريطة اسرائيل الكبرى الموجودة في الكنيست الإسرائيلي.

[email protected]

"آيا صوفيا": قصة ١٥ قرناً ونزاع لم ينتهِ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard