من زهور بغداد إلى حجارة القامشلي

4 حزيران 2020 | 19:22

المصدر: "النهار"

جندي عراقي وقف عند نقطة تفتيش في بغداد (31 أيار 2020، أ ف ب).

في عام 2003 كان العالم يراقب بذهول كيف أن العراقيين يقدّمون الورود إلى القوات #الأميركية وهي تدخل #بغداد. كانت التفسيرات حينها عديدة. ولكن، الأكيد الوحيد فيها أن الإرهاق، والخنق، والاستبداد الذي عاشه سكان بلاد الرافدين تحت حكم نظام بوليسي من طينة نظام صدام حسين كان له عامل رئيسي في هذه الاندفاعة. وكانت الوعود التي تروّج لها واشنطن عاملاً إضافياً لهذه السعادة.

بمرور عامين من احتلالها تحول العراق إلى ساحة حرب واسعة. كانت الهجمات ضد القوات الأميركية في تصاعد، وكان القتال متنوع الهويات. جماعات سنيّة في الغرب، والعاصمة، والشمال الأوسط، وجماعات شيعيّة في الوسط والجنوب. كان لسوريا وإيران دور فعّال في تسعيرها طبعاً.

ظل إقليم #كردستان العراق المنطقة الوحيدة الآمنة من شرور الإرهاب والفوضى والاقتتال الطائفي. اعترفت أميركا حينها بقراراتها الخاطئة التاريخية فيما بعد. بدأت تلك الاعترافات بعدم وجود أسلحة محرمة دولية في العراق، وبعدها بقرارها الخاطئ بتفكيك الجيش العراقي بشكل نهائي، وفقدان الأمن. بالإضافة إلى قرارات أخرى ساهمت في تعزيز الهويات الطائفية والإثنية في شكل الإدارة في البلاد. وأخيراً، اعترافها بأن قرار أوباما بسحب القوات من العراق ساهم في ظهور داعش وتسيّده لما يقارب ثلث الأراضي هناك.

هذه الأخطاء التي كان من المفترض أن الأميركيين سيتداركونها في حربهم الجديدة في سوريا. لكن، يبدو أن التدارك أصبح كارثياً أكثر. هناك فوضى واضحة في العمل الأميركي السياسي في سوريا. وشملت تلك الفوضى وتلك القرارات الهوجاء حكومتي باراك أوباما وترامب، وإن كان عهد ترامب الأكثر كارثية على حلفاء واشنطن في المنطقة، وعلى مصالح أميركا أيضاً في المدى البعيد.

ومن الواضح للعيان أن أميركا "أوباما" قدّمت بغداد لطهران، وحالياً مع القرار الأخير لترامب بالانسحاب من سوريا والتمركز حول حقول النفط في شرق الفرات، فقد أصبح ثلث الأراضي السورية هدية واشنطن الجديدة لتركيا وروسيا وحلفائهم في سوريا. في تكرار غير مبرر لسيناريو الخسارة، والانهزام، والانعزال عن العالم ككل.

شمال شرقي سوريا الذي لا مثيل له

يعاني الجيش الأميركي في كل النقاط التي دخلها واحتلها في الشرق الأوسط وآسيا. هذا الجيش لا يشعر بالارتياح عند التحرك خارج القواعد. يحتاج الجندي الأميركي في أفغانستان، والعراق، والصومال، وتركيا، وحتى في دول الخليج العربي القريبة منها، أن يقوم بترتيبات كبيرة للتحرك. هناك عداوات عامة لأميركا في المنطقة. في العراق كان الجميع ينظر إلى أميركا كمخلص باستثناء عدد واسع من الطيف السنّي.

ولكن، مع الوقت كانت تصرفات أميركا غير المدروسة وغير المنضبطة تسببت بخسارة كامل السنّة والقسم الكبير من الشيعة، نتيجة قرارتها الخاطئة، وظهورها في السنوات الأخيرة بمظهر الضعيف أو غير المكترث. وكان لأميركا دور في الإحباط لدى الحلفاء الأكراد نتيجة وقوفها ضد الاستفتاء الأخير في إقليم كردستان العراق، والذي كانت نتيجته لصالح الاستقلال، إذ سمح ذلك الموقف الأميركي بزيادة نفوذ الدول المعادية لأميركا في المنطقة والعراق وإحراج الأكراد دون مبرر مقبول من واشنطن. وظل ترامب يعتبر أن تبعات عدم دعم الأكراد هي تبعات بسيطة! فيما يبدو، وبحسب متابعين، أن خسارة كركوك لحلفاء إيران بالنسبة لترامب شيء لا يستحق الذكر!

عندما دخلت واشنطن المعركة في سوريا بعد ظهور داعش بقوة، وبعد صمود المقاتلين الأكراد في كوباني، كان كثيرون يتحدثون عن أن الاختيار كان صائباً. فشلت واشنطن في تعزيز دور المعارضة السورية التي أصبحت ضمن المنظومة المتطرفة. وتحول بعضها إلى أجنحة للأجندة الإقليمية، وبخاصة المدعومة من تركيا وقطر، حيث سرقت جماعة الإخوان المسلمين المُريبة ساحة المعارضة، وحصرت العمل لصالحها بالتوازي مع نمو القاعدة وداعش. هذه الجماعة أصبحت الجندي التركي المخيف والفاشل في سوريا.

في شمال شرق سوريا نجح المقاتلون الأكراد وبدعم واشنطن في القضاء على داعش، وتم تطوير القوات لتصبح قوات سوريا الديمقراطية المتنوعة الهويات. كان هناك عمل دؤوب من تلك القوات مع واشنطن لإضعاف داعش وتأمين الأمن في المنطقة. وكانت هناك هياكل إدارية قيد التشكل في عموم شرق الفرات، وفي الطبقة ومنبج، وإن كانت تلك ضعيفة نسبياً، وفوضوية نوعاً ما.

إن وجود تلك القوات رسخت سياسة واشنطن الجديدة التي تعتمد على الآخرين في القتال عنها. كان نموذج قوات سوريا الديمقراطية هو الأكثر نجاعة في تلك المنهجية على طول الخارطة السورية.

في شمال شرق سوريا كان هناك عامل لا يتم تسليط الضوء عليه، له ميزة لا تتوافر في أي موقع من المواقع التي ينتشر فيها الجيش الأميركي. الميزة تلك هي المجتمع المحيط. معظم المجتمع الكردي والمسيحي والنسبي العربي كان مناصراً لظهور أميركا في شمال سوريا بعد أن قمعهم النظام السوري أولاً وخذلهم ثانياً في مساعدتهم ضد داعش، وبعد أن توضح أن المعارضة السورية المسلحة هي معارضة متطرفة وعدوانية. الناس في شمال شرق سوريا رحبوا بالولايات المتحدة تحت عوامل عدة أولها أنهم كانوا منهكين من التهميش السياسي لهم في العقود الأربعة الماضية. وكان لديهم أمل بتكرار ظهور إقليم فدرالي في سوريا مُناظر لإقليم كردستان العراق القريب.

كان هذا القبول بالوجود الأميركي جزءاً من خوفهم من المستقبل المجهول، ومن عمليات السحق القومي والديني. يدرك الكثيرون أن التعامل مع واشنطن يعرّضهم ليكونوا أهدافاً لعدة قوى، ويدركون أن واشنطن نفسها تدير الكثير من الانتهاكات على الأرض في حروبها بالخارج، ولكن، كانت الخيارات محصورة بين النظام السوري وحلفائه الذين كانوا قد انكمشوا في مساحة تقارب العشرين في المئة من الأراضي السورية، ويرفضون أي مقترح لإعطائهم حقوقهم، وبين المعارضة السورية التي تحولت إلى ميليشيات تعمل لتركيا وقطر. طبعاً، هؤلاء ينظرون باحتقار للمقاتلين الأكراد والعرب في قسد. الخيار الثالث كانت القاعدة وداعش، أما الخيار الرابع، هو البقاء وحيدين ريثما تنكشف الأمور. ولكن المحيط الصاخب كان أقوى منهم. بالنهاية، حوصروا بخيار العمل مع واشنطن بعد ظهورها لمحاربة داعش.

إن القبول الاجتماعي للتحالف مع واشنطن كان في جزء منه تأميناً لحركة الجيش الأميركي. لم يخشَ الأميركيون أن تكون هناك عمليات اغتيال ضدهم، حيث يذكر العديد من الناشطين العراقيين الصعوبات والمرارة التي كابدها الأميركيون في مدن العراق. ومن المعروف كيف أن القوات الأميركية لا تزال محصورة بقواعد محصنة في أفغانستان وتبحث عن حلّ للخروج المشرف من المنطقة بعد تغول طالبان من جديد.

وليس من الضروري ذكر أن الجيش الأميركي يخشى من كامل المحيط في الصومال، ويتفادى الظهور في الكثير من المناطق في تركيا وبعض دول العالم الحليفة لها نتيجة العداوات ضده. في شمال شرق سوريا كان الوضع مختلفاً. كانت الحاضنة الاجتماعية لـ"قسد" تنظر يإيجابية لوجود الجيش الأميركي ظناً منها أن هناك توافقاً سياسياً مرافقاً للعمل العسكري المشترك بين الطرفين. ولكن، تبخر كل شيء مع قرارات ترامب الأخيرة بفتح الطريق لتركيا بغزو تل أبيض ورأس العين (سرى كانيه)، وبالانسحاب من سوريا فيما بعد. وأخيراً، بتخصيص عمله في سوريا على حماية حقول النفط عوضاً عن حماية الحلفاء المحليين!

خطّ الصّدع غير المتناسق في العلاقة بين مجتمع شمال شرق سوريا وواشنطن

بعد أن فتحت واشنطن الطريق للغزو التركي، وبعد أن رأى الناس كيف أن الأتراك يدكّون معاقل القوات المدافعة عن المنطقة، وبعد أن أصبح طوفان النازحين يتعاظم، توسع الشعور بالغضب من واشنطن. زاد ذلك الشعور آلية تعامل الرئيس الأميركي مع أوجاع الناس في سوريا. إن مسار الصدع هذا وقوته كانت تختلف من جغرافية إلى أخرى. من خلال المراقبة المديدة والرصد كانت المنطقة المحاذية لخط القتال أكثر المناطق حنقاً على واشنطن. اتهم الكثيرون القادة الأميركيين بالخيانة، وتحدثوا عن أن واشنطن تبيع حلفاءها المحليين لمجموعة من الميليشيات المتطرفة الشبيهة لداعش دون سبب. مع توسع الجغرافية كانت المناطق البعيدة قليلاً عن خط القتال ككوباني ومنبج أكثر ريبة من المستقبل.

ظل هؤلاء يظنون قبل وصول طلائع الجيش الروسي وجيش النظام أنهم إما سيباعون إلى تركيا أو أن واشنطن ستتدارك الوضع مع تدخل الساسة في البرلمان والكونغرس. مع الوقت، تيقن سكان تلك المنطقة المتنوعة الهويات أن واشنطن تخلت عنهم، وقال أحدهم لي: حالياً بوتين سيد الشرق الأوسط الجديد! وقال آخر من كوباني: هذه المدينة الرمز ضد داعش ستسلِّم دون قتال للروس بسبب ترامب.

في الخط الخلفي البعيد قليلاً، في الرقة، كان السكان قلقين من موجات النزوح، كما هزّتهم قوافل النظام المارة. كان الخوف المزدوج يشتت تركيزهم على أميركا رغم أن الجميع عرف أن أميركا ودّعت دون سبب جوهري. وفي هذا المجال قال شخص من سكان المدينة: حرَّرنا البلاد من داعش لنسلمها للنظام القادم من دمشق. وأضاف ضاحكاً: لم أكن أعلم أن ترامب حوّل أميركا إلى شركة لتقديم الخدمات لأعدائه المفترضين!

في الريف الشرقي لمحافظة دير الزور كانت الأنظار نحو الجنوب أوضح. ظل الناس يترقبون احتمال عبور النظام أو الميليشيات الإيرانية نهر الفرات. هؤلاء لهم خلاف طويل مع النظام، ويخشون من مستقبل مخيف. وقال زعيم محلي: إن حقول النفط فيما يبدو ستحمينا مؤقتاً! لماذا لا يتحول المجتمع في شرق الفرات إلى كتل بشرية تستوطن حول حقول النفط لعله ينجو، ويتلقى الحماية من أميركا حينها؟!

في الحيّز الكردي الواضح، على طول الخط الشرقي لرأس العين حتى الحدود مع إقليم كردستان، كان الحنق ضد واشنطن كبيراً. الخزان البشري الكبير الذي قدّمه الأكراد لتحرير المنطقة من داعش جعل جرحهم أكبر. المجتمع المحلي الذي كان ينظر إلى أميركا كحليف قادم رغم إدراكهم للروح النفعية للمؤسسات الأميركية، لم يكن يتصور هذا النوع من التخلي. هذا النوع من التخلي تحول إلى نوع من النقمة العامة بعد تصريح ترامب بأنه سيحمي حقول النفط بدل أي شيء آخر. لقد رأى العالم نساء ورجال المدن الكردية وهم يرشقون الجيش الأميركي بالحجارة. كانت تلك الحجارة تعبيراً قاسياَ لهم عن الجروح والقلاقل التي عايشوها منذ سماح ترامب لتركيا بغزو المنطقة. قالت عجوز من سكان بلدة حدودية: دخلوا ضيوفاً، وساعدناهم أربع سنوات، وخانوا العهد لصالح الجار الشمالي ووحوشه البشرية دون سبب. وأضافت: يستحقون تلك الحجارة.

توصيات لا بدّ منها لعودة الثقة بواشنطن في كامل الإقليم

في خضم هذه الفوضى التي تعم القرارات السياسية والتدخلات الدولية، وفي خضم حركة الجيوش المختلفة الهويات على الأرض، التي لا تتوقف، على أميركا التفكير كثيراً بما سببته قراراتها لمجتمع منفتح، ومتنوع الهويات، ويُعتبر سدّاً بشريّاً في وجه التطرف الديني وحرب المذاهب التي تعمّ المنطقة. على الساسة المحيطين بالرئيس الأميركي دفعه لوقف تمدد تركيا، وضبط سلوكها، وميليشياتها. وعليها البحث عن وضع موطئ قدم للأكراد وحلفائهم العرب والمسيحيين في العملية السياسية النهائية حول الحل في سوريا. على القيادة الأميركية العمل على رأب الصدع الذي سببته تصرفاتها وقرارتها المتهورة قبل أن يضطر السكان في شرق الفرات ومنبج إلى الاستسلام للبدائل الصعبة والقليلة المتوافرة.

على القوات المحلية في شرق الفرات أن تفتح قنوات الاتصال الرسمية والديبلوماسية عبر موسكو مع دمشق، وألّا تخسر فرصة الوصول إلى حل نهائي للمنطقة معها، والبحث فيما بعد حول مصير المناطق التي احتلتها تركيا. في جميع الأحوال كانت الحجارة التي يرميها سكان المدن الشمالية الشرقية في سوريا جرس إنذار للجميع في الشرق الأوسط عن طبيعة العلاقة غير المستقرة التي أظهرتها إدارة ترامب مع حلفائها وشركائها.

هذا التخلي الأميركي عن قسد هو ضوء للقوى الإقليمية للبحث عن البدائل رغم الابتسامات المشتركة مع المسؤولين الأميركيين حتى اللحظة، وهو بحد ذاته فسحة أمل جديدة لروسيا، وباقي الدول، لتظهر خدماتها لحلفاء واشنطن في المشرق طبعاً. لا يمكن لأميركا أن تحمي موقعها في كامل الشرق الأدنى إلا من خلال تحسين موقع قوات سوريا الديمقراطية العسكري والسياسي في سوريا، وتحجيم تركيا والميليشيات المتطرفة التابعة لها، وضبط سلوك الميليشيات الإيرانية في المنطقة، وتعزيز الانسجام العربي الكردي المسيحي في منطقة شرق الفرات، وفتح الطريق للوصول إلى حل نهائي للحرب السورية الطويلة، وعدم اختصار دورها في حراسة حقول النفط في بلد أصبحت التقارير تتحدث عن تحول نصف سكانه بين لاجئ، ونازح، وقتيل، ومعاق، وسجين أمام مرأى العالم.

براء صبري

محلل وباحث من سورية. مقيم في إقليم كردستان العراق حالياً. يكتب في الصحف العربية المعروفة والمراكز البحثية الدولية عن الشأن السياسي والاجتماعي للمنطقة. يعمل مع المنظمات الدولية غير الحكومية.


"آيا صوفيا": قصة ١٥ قرناً ونزاع لم ينتهِ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard