في مئويّة لبنان الكبير... الوطن بلا تاريخ
Smaller Bigger

بدأ تعليم التاريخ في المدارس اللبنانية منذ عهد المتصرفية، وكان كل منها يختار المواضيع التاريخية التي تناسبه. ولمّا كان اللبنانيّون غير متفقين على مستقبل بلادهم، فقد عجزوا عن توحيد نظرتهم إلى الماضي. اختار بعض المدارس كتبًا أجنبية باللغة الفرنسية أو الإنكليزية، وانخرط في الصراع السياسي والثقافي بين الإنكليز والفرنسيين، وأدت الإرساليات الكاثوليكية والبروتستانتية دورًا أساسيًّا في ذاك الصراع. أما المدارس الوطنية فاختارت كتبًا مختلفة، يعالج بعضها التاريخ العالمي، وغيرها التاريخ العربي، أو التاريخ القديم، أو التاريخ اللبناني.

أما أول كتاب لبناني وُضع لدراسة تاريخ لبنان فهو "مختصر تاريخ لبنان" لمؤلفه لحد خاطر سنة 1914. وبعد إعلان دولة لبنان الكبير سنة 1920، وضعت سلطات الانتداب الفرنسي مناهج تعليمية سنة 1924، إلا أن التباين كان على أشدّه في الكتب المدرسية التي وُضعت خلال تلك الحقبة. وعكست الكتب المدرسية خلافًا حادًّا على تاريخ لبنان في عصوره كافة، القديمة والوسيطة والحديثة والمعاصرة. ولا نستغرب هذا الواقع، فالصراع بين اللبنانيين على مستقبل بلادهم كان يهيمن على فكر المثقفين في تلك الآونة، كما أن المنهج الذي وضعته سلطات الانتداب كان عامًّا، فلم يدخل في تفاصيل العناوين ومضمونها. 

جدّدت المناهج سنة 1946، ثم وضِعت مناهج جديدة بين سنتَي 1968 و1971، التزمتها إلى حدّ كبير الكتب المدرسية، وتقاربت نظرة اللبنانيين إلى تاريخ بلادهم، ولكن المناهج افتقدت التعبير عن ثقافة وطنية واضحة المعالم، بسبب اختلاف نظرة اللبنانيين إلى ماضيهم ومستقبلهم، وصراعهم على مجمل حِقَب تاريخ لبنان وهويته. كذلك، لم تقارَب المسائل الخلافية في التاريخ اللبناني، وحاولت الالتفاف على بعض الأحداث التاريخيّة الحسّاسة.

أما المناهج الحالية التي تعتمدها المدارس اللبنانية فقد وُضعت سنة 1997، واستُثنيت مادة التاريخ منها، وما زالت تُدرَّس وفق مناهج 1968، علمًا أن الحاجة ملحّة اليوم لوضع مناهج جديدة، متجددة من حيث المضمون والمنهج، على أن يكون هدفها إعادة النظر في تاريخ لبنان، ودراسة كل حِقَبه بدءًا بالتاريخ القديم وصولًا إلى التاريخ المعاصر. فالتاريخ المعاصر ينتهي في الكتب المدرسية الحالية عند سنة 1946، وهذا معيب لأن الأجيال اللبنانية بحاجة إلى الاطلاع على ما جرى بعد هذا التاريخ، وعلى المؤرخين واجب وطني يقضي بتطوير مضمون دراساتهم واعتماد الأساليب المنهجية والتربوية الحديثة، لعلهم يغيّرون نظرة الطلاب السلبية إلى مادّة التاريخ التي تنقل إليهم معلومات بمضمون قديم لا يمتّ إلى حاضرهم بصلة، ويدرسون مواضيع لا تفيدهم بشيء، ويسألون أساتذتهم، بحق، عن السبب الذي يحول دون اطّلاعهم على أحداث تاريخية معاصرة، كما أن أكثريتهم يتساءلون عن أهمية مادة التاريخ أصلًا ويفضّلون لو أنها تلغى من منهاجهم المدرسي.