.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
تُرسم أوجه شبه عدّة في الحاضر اللبنانيّ من وحي ماضي مجاعة جبل لبنان التي فتكت بالبلاد والعباد قبل قرنٍ كامل، بعد انضمام السلطنة العثمانية إلى القوى المركزيّة في الحرب العالمية الأولى سنة 1914 وتخصيص جميع خدمات السكك الحديدية للاستخدام العسكريّ، وتبنّي سياسة أعطت الأولويّة لتخصيص جميع المواد الغذائيّة للجنود العثمانيين المشاركين في الحرب. وهنا يكمن وجه الشبه الأوّل مع قضيّة المعابر غير الشرعيّة وتهريب البضائع المدعومة بالعملة الصعبة، عبر الحدود، والتي تحمل بُعدَين: ربحيّاً من جهة، وسياسيّاً مرتبطاً من جهة ثانية بالمحور الممانع. يأتي ذلك في وقتٍ بدأ اللبنانيون يستشعرون الضيقة تماماً كما المرحلة الأولى من المجاعة صيف 1914 التي بدأت تشحّ فيها المواد الغذائية وترتفع أسعارها.
ويشرح أوهانيس قيومجيان (آخر متصرّف على جبل لبنان) في مذكّراته، كيف تقلّص عدد رحلات القطار التي كانت تصل جبل لبنان محمّلة بالقمح، وذلك بحجّة التعبئة العامة لتجهيز الجيش العثمانيّ والحاجة إلى الحنطة والمواد الغذائيّة، فحجزت السلطنة القطارات التي كانت تصل إلى محطّة الحدت وتوزّع الحبوب في بيروت وجبل لبنان. حصل ذلك في وقت كان العثمانيون يعلمون أنّ موارد جبل لبنان الغذائيّة لا تكفي لأكثر من 3 اشهر وقتذاك، وذلك ما أكدته الدراسة التي أعدها اسماعيل حقي بك عام 1918 وأطلق عليها اسم "مباحث علمية". وقد خصّص باباً في هذه الدراسة تحدثت عن أسباب موت أهالي الجبل، وبيّن فيها أن السبب الأعلى هو المجاعة، لكنّه أطلق تسمية السفالة الفيزيولوجية ولم يشرح معناها، وهي تعني أن الجسد أصبح سافلاً وهزيلاً. كما مات عدد من السكان بسبب الأمراض التي ازدادت بعد انتشار الجثث في الطرق في ظلّ الموت من الجوع، إذ مات قسم من المواطنين بسبب مرض التيفوس.
لمعرفة عدد المواطنين الذين قضوا جوعاً بين عامي 1914 و1918، استُند إلى لوائح اسمية تمّت مقارنتها مع إحصاءات أجرتها الكنيسة سنة 1913. وبيّنت الإحصاءات التي لا تزال محفوظة في أرشيف بكركي، أن عدد سكان المتصرفية كان يبلغ 413 ألف نسمة قبل المجاعة، في حين قضى أكثر من الثلث أي نحو 150 ألف نسمة بسبب المجاعة. وأكد البطريرك الياس الحويك بأن المجاعة قضت على أكثر من ثلث سكان جبل لبنان.