شعريَّةُ المُكاتَبَة والشّاعرُ السّائِحُ المُستأجِر: بَيانٌ شِعريّ/ نقديّ

26 نوار 2020 | 12:00

المصدر: "النهار"

الشّاعرُ السّائِحُ المُستأجِر (تعبيرية- Lucille Rella).

أوَّلاً: تحقيب ميلاد اللَّحظة الشِّعريّة المُعاصِرة

بدأتُ أعملُ - تجربةً وتجريباً - على إيجاد مناطق شِعريّة جديدة منذ ديواني الأوَّل، "قبلَ غزالة النَّوم"، الذي كتبتُ قصائدَهُ خلالَ الأعوام 1994 - 2003، ونشرتُهُ في العام 2006، مُروراً بقصائدي المكتوبة خلال العقد الأوَّل من القرن الحالي، وانهاءً بمجموعة تجارب بعد العام 2010، وفي مُقدِّمتِها نصوص كتابي قيْد النَّشر "فَجَوات حُرَّة".

رافقت هذهِ التَّجارب النَّصِّيّة مُحاوَلات تنظيريّة تمثَّلَتْ على نحْوٍ أساسيّ في بَياني الشِّعريّ الأوَّل، "الإعلان التَّخارُجيّ"، المنشور في صيغتهِ الأُولى في العام 2015، ثُمَّ بَياني الشِّعريّ/ النَّقديّ الثَّاني، "الجدَل النِّسْيَاقيّ المُضاعَف - الانتصاليّة/ البينشِعريّة" المنشور أوَّل مرّة في العام 2018، لأستكملَ هذا العمَل التَّنظيري ببَياني هذا الذي نحنُ في صددِهِ.

لمّا كانَ سُؤالُ الشِّعر سُؤالاً دائِم الحُضور، وكانَتْ سِمةُ "الأزمة" مُلتصقة بأصل االشِّعر وكينونتهِ، ولا سيما أنَّهُ قد ارتبطَ وجوديّاً وجَماليّاً بالتباسٍ جدَليٍّ دائمٍ بينَ زمن وجودهِ في العالم، وزمنهِ الخاصّ، لهذا يبدو البَحثُ عن شِعرٍ جديد بحثاً وجيهاً دائِماً، ويستمدُّ أصالتَهُ في هذهِ الحقبة تحديداً من طبيعة العصر الجديد الذي نحن في خضمِّهِ، فكلُّ انقطاعٍ تراكميّ يعتري الشِّعر، يحتفي بالخيانة، مثلما يدعو كُلّ اتّصال تراكميّ - مهما تجلببَ بدعوى الاطمئنان والتَّماسُك وقوَّة الحُضور - إلى هذهِ الخيانة.

إنَّ ما بلغتهُ العولمةُ من طغيان كونيّ مُتسارع، وما طبعَ العصر الحالي بتمدُّد غير مسبوق لآليّات السُّوق الرَّأسماليّة النيوليبيراليّة، فضلاً عن الانفجار العميق والشّامل لعصر تكنولوجيا المعلومات والرقميّات، يُفضي حتماً إلى إعلاء الوجاهة الكامنة في سؤال الشِّعر والشِّعريّة، حيث يبدو من الضَّروريّ أنْ يُفتَحَ هذا التَّساؤل على مصراعيهِ، فالبَحثُ الآن عن شِعرٍ جديد بسماتٍ وطاقاتٍ جديدة هو أولويّة وجوديّة وجماليّة تدفعُ إلى التَّنقيب - تجربةً وتجريباً - عن آليّات تخليق شِعر مُغايِر بأساليب وجود مُغايِرة وذات كينونة مُتجذِّرة عميقاً في مُواجهة عصر لا يرحمُ الفنّ بوجهٍ عامّ، ويُهمِّشُ الشِّعرَ بوجهٍ خاصّ.

لذلكَ، فالحديث عن عصرٍ معرفيّ جديد يُفضي إلى الحديث عن ضرورة حدوث "تحوُّل معرفيّ في الشِّعر"، وهو ليسَ تحوُّلاً ناهضاً على الانعكاس المُطابِق للعصر، بقدر ما هو تحوُّل اختلافيّ يبحثُ فيه الشِّعر عن منطقتِهِ المعرفيّة الجديدة التي تحمي وجودَهُ في هذا العصر المُرعب؛ أي إنَّ الشِّعر الجديد، في هذا المَعنى، هو مُقاوَمة وجوديّة/ إبداعيّة للعصر الحالي، من جانبٍ أوَّل، وحدس بما بعدَ هذا العصر، من جانبٍ ثانٍ، وهنا يصبح السُّؤال الآتي مُلحّاً: هل يُمكنُ تلمُّس ملامح شِعر مُختلِف بتحوُّل معرفيّ مُغايِر في مطلع الألفيّة الثّالثة؟

تقومُ الإجابةُ عن السُّؤال السّابق، بادئَ ذي بدء، بفهم طبيعة التَّحوُّل المعرفيّ في الشِّعر وفقَ تحقيب مسيرة الشِّعر، حيثُ أعتقدُ شخصيّاً أنَّ الشِّعر عرفَ مرحلتيْن معرفيتيْن كبيرين عبرَ تاريخهِ، أثَّرا على طبيعتِهِ ووظيفتِهِ، هُما:

1- مهيمنات المرحلة الشِّفاهيّة: التي امتدَّتْ منذُ بدايات الشِّعر حتّى عصر ظهور الطِّباعة وتطوُّرِها.

2_ مُهيمنات المرحلة الكتابيّة: التي بدأتْ بالنُّموّ مع ظُهور الطِّباعة، وتطوُّر الكتابة، وتقدُّم نظَريّات الشِّعر الحداثيّ وما بعد الحداثيّ.

مع بدء تطوُّر عصر العولمة وتكنولوجيا المعلوماتيّة والرَّقميّات، كانَ لا بُدَّ في رأيي أنْ ينشأَ تحوُّل معرفيّ جديد في الشِّعر، مُرتبط بمُهيمنات جديدة، أدعوه من جانبي:

3- مرحلة مُهيمنات شِعر المُكاتَبَة.

ثانياً: ما المُكاتَبَة؟

احتفَتِ الحداثةُ الشِّعريّة التَّقليديّة غالباً بسُلطة المُسَبَّقات الأيديولوجيّة والماهويّة القَبْليّة للذَّات، ونهَضَ علمُ جَمال هذه الحداثة على الانتقال من "علم جَمال الخطابة" إلى "علم جَمال الكتابة"، وظلَّ الهاجس الزّائف للحداثة هو القبض على المجهول عبرَ الانتقال من المُتحول في العالَم الخارجيّ إلى الثّابت النِّهائيّ في عالَم النَّصّ، وذلكَ عبرَ التَّمركُز على الجَوهرانيّات الحدِّيّة الميتافيزيقيّة بما هي جَوهرانيات تحكُّم وإحضار وإخضاع للمُطابَقات المُسَبَّقة. إذ لطالَما قامَتْ الذّات بطيِّ العالَم الشِّعريّ على مَركزيتها الاستبداديّة المُتعالية، بدلاً من فَهم الحداثة الشِّعريّة بوصفِها حركيّة دائمة تنتقلُ من المُتحوِّل إلى المُتحوِّل عبرَ جدَليّة "تحريك الماهيّة"؛ أي بفَهْمِ الماهيّة بأنَّها لا تكادُ تتعيَّنُ بما هيَ أساليبُ وجودٍ مُختلِفة، حتّى تتحوَّلَ بفعل اللَّعب الحُرّ إلى "عَرَض" جديد يفتَح النَّصّ باستمرار على المُحتمَل والمَجهول إلى ما لا نهاية.

لم تسْعَ الدَّعوات التَّنظيريّة والتَّطبيقيّة لمَشروع "الكتابة" - التي هيَ من دعوات الحداثة الشِّعريّة الشَّهيرة - إلى تحطيم سُلطة المُسَبَّقات الميتافيزيقيّة، بقدر ما رسخَّت تلكَ المُسَبَّقات التَّحكُّميّة عبرَ النَّظر إلى "الكتابة" بوصفها مَرحلة "تأريخيّة فنِّيّة" تنتمي إلى زمنٍ خطِّيّ تراكميّ للشِّعريّة (الشِّعر العموديّ ثمَّ شعر التَّفعيلة ثمَّ قصيدة النَّثر ثمَّ الكتابة). لهذا أخفقت الكتابة في تفكيك سيادة القَبْليّات المُهيمِنة، ولم تبسط شعريّة جديدة وأصيلة لانشغالها بأسئلة زائفة تقوم في جوانبَ كثيرة منها على مَوضوعة الثُّنائيّات، والنَّفي التَّمثُّليّ التَّقابُليّ الذي يطوي الاختلاف ويمحوه في وَحدة مُستقرّة مُتعالية ومُطلَقة.

تتأسَّسُ آليّة تفكيك مَشروع "الكتابة" والانتقال إلى مشروع "المُكاتَبَة" عندي على الانتقال من فكرة "تحرير الوعي" إلى فكرة "تحرير الوجود"، وذلكَ بناءً على اقتراحاتي التي تنطوي عليها "القصديّة التَّخارُجيّة النِّسْيَاقيّة" بوصفِها تنهَض على نحْوٍ محوريّ على فكرة "فَصْم الذّات"، والنَّظَر إليها بوصفِها "دَازِن" (على وزن فاعِل)؛ أي بوصفِها "موجوداً بشريّاً/ لُغويّاً" يبسط في عالم نصّ المُكاتَبة أساليبَ وجودٍ مُتنوِّعة تنجمُ عن "الحركيّة الجدَليّة المُلتبِسة" بينَ قصديّة الذَات الشّاعرة المَوجودة في العالَم الوقائعيّ، وقصديّة الذّات الشِّعريّة الموجودة في عالَم النَّصّ، حيثُ أسعى إلى تفسير "المُهيمِنات المَجازيّة/ الوجوديّة التَّفاعُليّة" في فَجوة "المُنفتَح/ المُنفصَم" النَّصِّيّ للمُكاتَبَة بمُحاوَلة مُقارَبة الآليّات النَّظَريّة والإجرائيّة لتلكَ المنطقة الكثيفة والغامِضة التي يتمُّ فيها تخليق هذا العالَم الجديد، وذلكَ بمُجاوَزة ما تناساه مُنظِّرو الحداثة وما بعدَ الحداثة وكُتّابِهِما من إشكاليّة مُزمِنة تقوم على الفَصْل التَّجريديّ للُّغة عن الذّات والوجود، ولا سيما أنَّهُ فَصْلٌ ميتافيزيقيّ مُسَبَّق يضَع فكرةَ تحقيق أصالة التَّشتُّت والتَّشظِّي والتَّباعُد والاختلاف مَوضِع شكّ في نسبة غير قليلة من نصوص الحداثة وما بعدَها وفْقَ اعتقادي.

ينطوي "الفَصْم الجدَليّ النِّسْيَاقيّ" في شِعر المُكاتَبة على آليّات تخارُجيّة تهدفُ أوَّلاً إلى تعديل جذريّ في عناصر العمليّة الإبداعيّة في الشِّعر، بالانتقال من ثلاثيّة "الشّاعر - العالَم - العمل الشِّعريّ اللُّغويّ" إلى ثلاثيّة "الذات الشّاعرة الموجودة في العالَم الوقائعيّ - الذّات الشِّعريّة الموجودة في العالَم الافتراضيّ - الدَّازِن النِّسْيَاقيّ الموجود في عالَم نصّ المُكاتَبَة". وتسعى هذهِ الآليّات الجدَليّة ثانياً إلى تجاوُز تلكَ الرُّؤى والآليّات القَبْليّة (الثُّنائيّة) التي كانت ترى عالَم النَّصّ إمّا بوصفِهِ فعلاً تعبيريّاً أنجزَتْهُ ذاتٌ وقائعيّة (سِياقيّة) واعية ومُتحكِّمة بهذا العالَم تحكُّماً مُتعالياً مُسَبّقاً (مَركزيّة المُؤلِّف: السُّلطة الشُّموليّة للذّات)، أو بوصفِهِ بِنية (نسَقيّة لُغويّة لا شعوريّة مُتماسِكة، ومُكتفية بذاتِها، ومُنفصِلة عن المُؤلِّف، ومُتعالية على الوجود في العالَم مُسَبَّقاً أيضاً (موت المُؤلِّف: المَحو الشُّموليّ للذّات)، ليُمثِّلَ ما أصطلِحُ عليه بِـ"براديغم النِّسْيَاقية" إعادةً للنَّظَر، أو لأقُل خلخلةً "انزياحيّة" لثُنائيتَي الحداثتيْن التَّقليديتيْن، السِّيَاق - النَّسَق والفاعِل - المَفعول به، عبرَ الحركيّات التي يُمارِسُها "الدَّازِن الشِّعريّ النِّسْيَاقيّ" بوصفِهِ "الحامِل الجدَليّ المُلتبِس" لقصديّة المَوجود البشريّ الإبداعيّ الذي يفتتِح عالَم النَّصّ بما هوَ "عالَم بينَ عالَميْن: مَجاز المَجاز"؛ أي بما هو محصِّلة جدَليّة بينَ قصديتَي سُلطة الذّات الشّاعِرة المَوجودة في العالَم الوقائعيّ (مَجاز العالَم)، وقصديّة سُلطة الذّات الشِّعريّة المَوجودة في العالَم الافتراضيّ (عالَم المَجاز).

لعلَّ من المَحاوِر المُفيدة في إيضاح مَعالِم مَشروع شِعر "المُكاتَبة"، يكمن في البناء التَّنظيريّ انطلاقاً من البُعد المِعجميّ؛ فالمُكاتَبة مثل الكتابة تأتي من الجذر "كَتَبَ"، لكنَّها تنفصلُ عن "الكتابة" في كونها مصدراً للفعل الثلاثيّ المزيد "كاتَبَ"، ذلكَ أن مَعنى هذا الفعل هو "كَتَبَ بعضهما إلى بعض"، فالمُكاتَبة مُحايَثةُ وصلٍ لمنقطَعٍ، وفصْلٍ لمُتَّصلٍ عبرَ "الفَصْم الجدَليّ النِّسْيَاقيّ" لِـ"الدَّازِن النَّصِّيّ الإبداعيّ"؛ أي بالنَّظَر إليه كأنَّهُ "ذاتان تمَّ فصمُهُما نظَريّاً وإجرائيّاً عبرَ حامِل جدَليّ مُلتبِس"، حيثُ إنَّ المُكاتَبة هيَ "مُدازَنة" بالمَعنى الشِّعريّ للتَّخارُجيّة النِّسْيَاقيّة التي سأتوسَّعُ في شرحها في الفقرات الآتية؛ أي إنَّها تأصيلٌ لحركيّة فَصْم "الذّات/ الدّازن" بوصفِها جدَليّة التَّخارُج الشِّعريّ التَّراكُبيّ في "وَحدة/ فَجوة" "الدَّازِن الشِّعريّ النِّسْيَاقيّ - الزَّمانيّة – اللُّغة"، وهنا أُقترِحُ عبرَ مَفهوم "المُكاتَبة" عُنصراً أساسيّاً في آليّات انزياحها، يتمثَّلُ في الانتقال من فكرة فَصْل الذّات عن الوجود بفَصْل اللُّغة عنه عبرَ الاكتفاء بالقول: إنَّ "الذَّات/ الدَّازِن وَحدة مركزيّة مُتعالية تكتُبُ إلى آخَر: مُتلقٍّ غيري"، إلى فكرة أنَّ "الذَّات/ الدَّازِن تتبادَلُ جدَليّاً الكتابة معَ نفسِها أوَّلاً وقبلَ أيِّ شيءٍ آخَر بوصفِها مَوجوداً بشريّاً/ لُغويّاً في العالَم يتشظّى ويتبعثَرُ ويتباعَدُ مُفتِّتاً مَركزيَّتَهُ المُسَبَّقة: المُتلقِّي الضِّمنيّ"، إذ تفتتِح حركيّة التَّخارُج الجدَليّ النِّسْيَاقيّ للدَّازِن المُنفصِم عالَمَ النَّصّ الجَديد (الاختلافيّ) بوصفِهِ عالَماً يبسطُ أساليبَ وجود "مَجاز المَجاز"؛ بما هيَ مُحصِّلةُ جدَليّةِ الحركيّات القصديّة للعُلُوّ المُحايِث في فَجوة "المُنفتَح/المُنفصَم".

ثالثاً: الفصمُ الجدَليّ المُضاعَف في شعر المُكاتَبَة

إذا كانَ شِعرُ المُكاتَبَة - في مُستوىً منه - هو سعيٌ إلى مُجاوَزة المُطابَقات المركزيّة المُسَبَّقة استناداً إلى خلخلة وَحدة الذّات المُحتفيّة في شِعري الحداثة وما بعدَها بنظام مركزيّ ميتافيزيقيّ ينسى الوجود، فإنَّ الفصم الجدَليّ الذي تحدَّثتُ عنه في بيانَيَّ الأوَّليْن يُعمِّق غاياتِهِ التَّجاوُزيّة المرغوبة بمُضاعفة حركيّة الفصم الجدَليّ؛ أي بالفصم الجدَليّ المُضاعَف الذي يُحلّ الدَّازِن النِّسْيَاقيّ مكان الذّات المُتعالية والمُتحكِّمة بالعالَم الشِّعري تبعاً لمُسَبَّقات نظَريّة وتطبيقيّة تُصادِرُ حُرِّيّة الانفتاح نحْوَ المجهول والاختلاف.

تحتفي قصيدة المُكاتَبَة عبر حركيّة الفصم الجدَليّ المُضاعَف بــِ"الانتصاليّة"، وهيَ إعادة فهم "القطيعة" الشِّعريّة في فَجْوة "المُنفتَح/ المُنفصَم" بوصفِها تنطوي جدَليّاً على آليتي "القطع والفصل" و"التَّعالُق والاتِّصال" في آنٍ واحد، وهذا الفَهم هو خُطوة إجرائيّة ضروريّة في شِعر المُكاتَبَة نحْوَ إعادة فتح عالَم القصيدة على المجهول والمُجاوِز للميتافيزيقا التَّحكُّميّة والسُّلطويّة تبعاً لحركيّة جدليّة تُفتِّت وَحدة المُطابَقة بالاتّصال التَّراكُميّ والانفصال التَّراكُميّ في الوقت نفسه بينَ الذّات الشّاعرة الموجودة في العالَم الوقائعيّ، والذّات الشِّعريّة الموجودة في العالَم الافتراضيّ، بما يفتحُ عالَم شِعر المُكاتَبَة على نِسْيَاق الدَّازِن الجديد.

كما يحتفي الفصم الجدَليّ النِّسْيَاقيّ المُلتبِس انتصاليّاً بما أدعوهُ "البينشعريّة" التي هيَ حركيّة "الدَّازِن/ الذّات" الفُصاميّة باستجابتِها الجدَليّة لدافعيّة الفصْم التي هيَ اللِّيبيدو الجديد بوصفِهِ كوجيتو مُكاتَبَة مُغايِر يفتَحُ عالَم النِّسْيَاق المُختلِف عبرَ صراع جدَليّ بينَ شهوة حُضور سُلطة الذّات الشّاعرة الوقائعيّة، وشهوة حُضور سُلطة الذّات الشِّعريّة الافتراضيّة.

لكنَّ بلوغ مُجاوَزة المُطابَقات الميتافيزيقيّة للذّات يتعمَّق جدَليّاً بمُضاعَفة حركيّة الجدَل الفاصِم عبر مُجاوَزة ليبيدو "الانتصاليّة/ البينشعريّة" للمُستوى الأوَّل من الفصم، أي مُستوى شَهوتَي الحُضور: الفصْم الجدَليّ الأُفقيّ: مُهيمنات الانزياح الأوَّليّ، وذلكَ بفتح حركيّة المُنفصَم على آليّات "الجدَل المُضاعَف: مُهيمنات الانزياح الثّانويّ" الذي يتجاوزُ الفصْم الجدَليّ الأُفُقيّ (أدعوهُ أيضاً: جدَل المُطابقتيْن) بالارتماء أبعد في حركيّة فصْم جدَليّ عموديّ (أدعوهُ أيضاً: جدَل المُطابقة/ الاختلاف)؛ أي بالسَّعي إلى الانتقال من جدَليّة "مجاز العالَم: الذّات الشّاعرة الموجودة في العالَم الوقائعيّ" و"عالَم المجاز: الذّات الشِّعريّة الموجودة في العالَم الافتراضيّ"، إلى "مجاز المجاز" الذي تنطوي عليه "شهوة الغِياب" لدازِن المُكاتَبَة النِّسْيَاقيّ الجديد.

إنَّ مُضاعَفة الجدَل الفاصِم بوصفِهِ استجابة لليبيدو الغِياب (كوجيتو الغياب) يُحقِّقُ إلى حدٍّ بعيد، كما أعتقد، خُصوصيّة شِعر المُكاتَبة الجديد (الوجوديّة/ الجَماليّة)، وهو الانزياح الأصيل الذي تمَّ نسيانُهُ، وباتَ يُنادي الشُّعراء كي يكونوا أوفياء للتَّحوُّل المعرفيّ الشِّعريّ المطلوب في هذا العصر، ولعلَّ فهم الآليّات الانزياحيّة لهذا الفصْم الجدَليّ المُضاعَف يحتاجُ إلى إيضاحٍ أكبر ينطوي عليه القسمان الآتيان من هذا البَيان.

رابعاً: علم جَمال المُكاتَبَة

إنَّ طُموح "الفَصْم الجدَليّ النِّسْيَاقيّ المُضاعَف" لمُجاوَزة الحداثتيْن الشِّعريتيْن لا يتحقَّق في اعتقادي بالانتقال فقط من "علم جَمال الخطابة" إلى "علم جَمال الكتابة"؛ إنَّما يُقدِّمُ هذا الفَصْم إمكان نظَريّة وتجريبيّة لاقتراحٍ جديدٍ أصطلِحُ عليه بِـ"علم جَمال المُكاتَبة".

يُحطِّمُ "علم جَمال المكاتَبة" أوَّلاً الزَّمن الخطِّيّ لتأريخ الشِّعريّة، فالمُكاتَبة ليسَتْ رداً على الكتابة، والكتابة ليسَتْ ما جاءَ بعدَ قصيدة النَّثر، ولا قصيدة النَّثر هي ردّ على قصيدة التَّفعيلة التي هيَ ردّ على الشِّعر العموديّ، فهذا يوقعُنا من حيثُ لا ندري في منطق الثُّنائيّات التَّقابُليّة الحدِّيّة والميتافيزيقيّة، في حين أنَّ "علم جَمال المُكاتَبة" هو ردّ على وَهْم الفكرة الحداثيّة وما بعدَ الحداثيّة القائِلة بِـ"تصحيح الخطأ السّابق" عبرَ التَّرويج لأنموذج شعريّة جديدة، وهذا أمرٌ ترفضُهُ "نظرَيّة المُكاتَبة" بما هيَ احتفاء بالخطأ، لا بوصفه نقيضاً للصَّحيح، إنما بوصفِهِ "فرق الجُهد التَّخارُجيّ الحيويّ" حركيّاً، فالخطأ حركيَّة التحوُّل المُستمرّ في فَجوة "المُنفتَح/المُنفصَم"، وهذه مَسألة تُؤكِّد فكرة مُجاوَزة ثنائيّة "العيانيّ - الآنيّ – اليوميّ"/ "الكشفيّ - الرُّؤيويّ – الكُلِّيّ"، ذلكَ أن مُحصِّلة القصديّة النِّسْيَاقيّة تُفتِّتُ أيّة وَحدة ثُنائيّة تقابُليّة ذات جُذور ميتافيزيقيّة، وفي مُقدِّمتِها ثُنائيّة "الحقيقة/ اللّاحقيقة"، ولا سيما أنَّ هذِهِ المُجاوَزة المُقترَحة تنطوي أيضاً على مُفارَقة ثُنائيّة "الزَّمانيّة الخطِّيّة التَّأريخيّة" فَجوة انفتاح تكرار الاختلاف.

يقترِحُ "التَّجريبُ" في "المُكاتَبة"، كما أعتقدُ، أحد أهمّ عناصر "علم جمالها"، فهذا التَّجريب في مَرجعيتِهِ النّاهِضة على "براديغم النِّسْيَاقيّة" يُمارِسُ نظَريّاً وتطبيقيّاً نقضاً عميقاً للحداثة وما بعدَ الحداثة في "مَشروع الكتابة وما قبلها، يكمنُ في مُجاوَزة ما تحدَّثَ عنه هذا المَشروع حولَ "دمج الأجناس الأدَبيّة في الكتابة"، حيث وقَعَ مُنظّرو الحداثتيْن من جَديد في هُوَّة ميتافيزيقيّة مُسَبَّقة تقومُ على مَبادئ التَّحكُّم والإخضاع والإحضار والتَّمثُّل والمُطابَقات؛ وذلكَ حينما تحدَّثوا عن "تجاوُر" بينَ الأجناس في نصّ "الكتابة"؛ أي أنْ نقرأ في النَّصّ شِعراً وِنثراً وحوارات مسرحيّة وسرداً روائياً وذُرىً قصصيّة ومونولوغات داخليّة ويوميّات وخَواطِر...إلخ، لكنَّ "علم جَمال المُكاتَبة" ينهضُ نِسْيَاقيّاً على فكرة "اختلافيّة" ترفضُ مبدأ "التَّعيُّن التَّجنيسيّ" الذي تُوحي بهِ أدبيّات "مَشروع الكتابة"، كأنَّ تلكَ الأدبيّات كانَتْ تقولُ: إنَّ كتابة نصّ عابر للأجناس يتأسَّسُ على لصْقٍ تلفيقيّ مُفتعَل لِـ"التِّقنيّات الفنِّيّة" خطِّيّاً وتجاوُريّاً برصفِها إلى جانب بعضِها، لا بوصفِها أساليبَ وجودٍ مُغايِرة تنفتِحُ عبرَ "آليّات وجوديّة/ مَجازيّة جدَليّة مُحايِثة" بلا فواصلَ عن كُلّ كيفيّات الوجود في عالَم هذا النَّصّ؛ أو كأنَّها كانَتْ تنظُرُ إلى تلكَ التِّقنيّات بوصفِها عناصِرَ لُغويّة تجريديّة مُضافة من خارِج النَّصّ، ومَعزولة أصلاً عن أساليب الوجود في العالَم، وهوَ الأمرُ الذي يخونُ عبرَهُ الحداثيّون وما بعدَ الحداثيّين روحَ الانزياح والتَّشظّي والتَّبعثُر والاختلاف والتَّعدُّد الدَّلاليّ ببسطهِم مُطابَقاتٍ مُسَبَّقة من جديد.

إنَّ الفصْم الجدَليّ المُضاعَف في شِعر المُكاتَبَة يقومُ على اقتراح "وجوديّ/ جَماليّ" جديد أدعوهُ "حركيّة السِّياحتيْن".

1- السِّياحة الفوقيّة:

أ- سياحة عابرة للأجناس الأدبيّة.

ب- سياحة عابرة للحُقول المعرفيّة.

ج- سياحة عابرة للنَّظَريّات والمدارس الأدَبيّة والفنِّيّة والفكريّة.

2- السِّياحة التَّحتيّة:

أ- تشويش المُباطَنة.

ب- من الشّاعر الرّائي إلى الشّاعر المرئيّ (عصرُ البصيرة الجدَليّة).

ج- خَلْقُ المكشوف من قَبْل.

تنهَضُ السِّياحة الفوقيّة على ما أدعوهُ "التَّمنُّع التَّجنيسيّ"، حيثُ تتحرَّكُ شِعريّة المُكاتَبَة بينَ الأجناس الأدَبيّة، والحُقول المعرفيّة، والنَّظَريّات والمدارس الأدَبيّة والفنِّيّة والفكريّة. فمرَّةً تُهيمنُ في عالَم النَّصّ تقنيّات السَّرد الرِّوائيّ مثلاً، أو تُهيمنُ تناصّات مع اكتشاف طُبِّيّ حديث، أو مع بعض الرُّؤى من نظريّات الرُّومنتيكيّة، من دون أنْ ترتبطَ العلاقةُ بينَ كُلّ عناصِر السِّياحة الفوقيّة إلاّ بالجدَل الفاصِم، حيثُ تتقاطَعُ العناصر وتتشابَكُ، أو تتتالى، تبعاً لأساليب انفتاح العالَم الشِّعريّ الجديد.

هكذا، تتجاوَزُ المُكاتَبَةُ عبر التَّمنُّع التَّجنيسيّ الرُّؤى الحدِّيّة الفاصِلة بينَ تلكَ الاتِّجاهات. فمثلأً تُخلِّفُ السِّياحةُ الفوقيّة ذلكَ الفصل التَّقليديّ بينَ الشِّعر والفلسفة، حيثُ تتجاوَزُ المُكاتَبةُ تلكَ الثُّنائيّة التَّقابُليّة الحدِّيّة الميتافيزيقيّة القائمة بينَ الخِطاب العقلانيّ الذي مثَّلتهُ الفَلسفة في تاريخ الفكر، والخِطاب المَجازيّ البلاغيّ الذي مثَّلهُ الشِّعر في تاريخ الأدب، فكما اقتحمَتِ اللُّغة الاستعاريّة حُقولَ الفَلسفة الحديثة والمُعاصِرة، ينبغي فتح الباب عريضاً أمامَ اقتحام الأسئلة الفَلسفيّة حُقولَ الإبداع الأدبيّ.

لعلَّ فكرة فصْل الأدَب عن الفَلسفة أحد أهمّ عناصر سُلطة "ميتافيزيقا الحُضور" التي نظرَتْ إلى الفَلسفةِ بوصفها ذلكَ الخِطاب المَركزيّ المُتعالي المُتحكِّم بالوجود عبرَ لُغة برهانيّة تعيُّنُ "الحقيقةَ" على نحْوٍ نهائيّ، بينما كانَ الأدبُ خيانةً للجوهرانيّة العقلانيّة المُتعالية والثّابتة عبرَ المَجاز، في حين أنَّ "براديغم النِّسْيَاقيّة" يرى أنَّ المَجازَ أصْلٌ في "وجود الموجود البشريّ اللُّغوي في العالَم"، وأنَّ قصديّة الفَصْم الجدَليّ التَّخارُجيّ تبسط "وَحدة/فَجوة" "المُنفتَج/المُنفصَم" لِـ"الدازن الشِّعريّ النِّسْيَاقي - الزَّمانيّة – اللُّغة" بفعل طبقات مُعقَّدة من تخارُج "المَجاز التَّراكُبيّ"، الشِّعريّ/الفلسفيّ.

إنَّ سَعيي القائِم عبرَ "براديغم النِّسْيَاقيّة" لبسْطِ التَّشظِّي والتَّباعُد والاختلاف في نُصوص "المُكاتَبة"، يتمُّ بتأصيل مُجاوَزة ثُنائيّة "الأدَب – الفَلسفة" نظَريّاً وإجرائيّاً؛ وهذا ما تُقدِّمُهُ حركيّة "التَّخارُج الجدَليّ النِّسْيَاقيّ" التي ينهَضُ بها "المَجازُ التَّراكُبيّ" تبعاً لآليّات تعالُق وصِراع واتّصال وانفصال وانقلاب، يتجادَلُ عبرَها حقلا "الأدَب/ الشِّعر" و"الفكر/ الفَلسفة" كأنَّهُما غرفتان في بيت الوجود الواحد مَفتوحتان إحداهما على الأخرى بنافذةٍ تُتيحُ للمَجازِ أنْ يُمارِسَ "لُعبةَ التَّلصُّصِ"، وببابٍ يُتيحُ لهُ الالتحاقَ بِـ"الالتباس الجدَليّ" إلى ما لا نهاية، حيثُ يُفتِّتُ كُلّ حقلٍ منهُما الجهاز المَفاهيميّ والإجرائيّ للآخَر، ويُعيدُ إنتاجَهُ باستثمار "كثافة المَجاز" بما يُبسطُ نمَطاً مُغايِراً وجَديداً من الشِّعريّة الجدَليّة النِّسْيَاقيّة في نُصوص "المُكاتَبة"، تنطوي عليها مُحصِّلة "المُهيمِنات المَجازيّة/ الوجوديّة التَّفاعُليّة".

يُرسِّخُ علم جَمال "المُكاتَبة النِّسْيَاقيّة الحُرّة الجديدة" تجذيرَ "الاستعارَةِ" في قلبِ التَّخارُجِ التَّفاعليِّ لا التَّصوُّرِ التَّجريديِّ الذِّهنيِّ، وهو الأمرُ الذي يُتيح لِـ "المَجاز التَّراكُبيّ" أنْ يُؤسِّس ما أدعوه بِـ"ميلادَ اللَّحظة الفلسفيّة الكونيّة المُعاصِرة" عبرَ بوّابة عالَم "الشِّعر/المُكاتَبة: ميلاد اللَّحظة الشِّعريّة المُعاصِرة"، وهذا الميلاد هوَ في الوقت نفسِهِ آليّة مُتحرِّكة في الاتّجاهيْن معاً - وبلا فاصِلٍ حدِّيّ بعدَ الآن - من جانبٍ أوَّل، وهوَ آليّة "عالَميّة كونيّة" من جانبٍ ثانٍ، نهَضَتْ على "تحقيبٍ تاريخيّ" مُرتبِطٍ بعصر العولمة وتكنولوجيا المعلومات والرَّقميّات.

كُلَّما جنَحَ الكوكب أكثر نحْو المجهول، وبدت سُلطة العولمة أقسى، وتمدَّدتْ ثورة تكنولوجيا المعلومات والرَّقميّات، بدا أنَّ العصر الرّاهن في طريقهِ للإطاحة بالفلسفة إلى غير رجعة، لكنَّ شِعر المُكاتَبَة الجديد يبسطُ عوالِمَهُ مُمسِكاً بأسئلتِهِ الكيانيّة المُغايِرة، ومُعلِناً في فَجوة تخارُجِهِ تضامُنَهُ الضِّمنيّ مع الفلسفة، مُؤكِّداً أنَّ هذهِ اللَّحظة العالَميّة المسعورة - بما هيَ لحظة شِعريّة محمولة على التَّحوُّل المعرفيّ الجديد في شِعر المُكاتَبَة - تُبشِّرُ بعودة الفلسفة من بوّابة شِعر المُكاتَبَة.

لا شيء أكثر وفاءً للفلسفة من الشِّعر، وهذا لا يعني أنَّ شِعر المُكاتَبَة يبسطُ في عوالِمِهِ نظَريّات فلسفيّة أو قراءات فلسفيّة تقليديّة أو جديدة؛ إنَّما هو اختبار شِعريّ للفلسفة عبر سياحة المجاز: لا مكان أكثر رحابة من شِعر المُكاتَبَة، ليسَ فقط لاختبار الفلسفة؛ إنَّما لاختبار الأجناس الأدبيّة والحقول المعرفيّة والنَّظَريّات الأدَبيّة والفنِّيّة والفكريّة، وذلكَ عبرَ بسط المجازيّ بوصفِهِ حركيّة أحداث وأساليب وجود تنفتِحُ فَجْوتُها الفاصِمة عبر السِّياحة الفوقيّة.

ويكتملُ التَّحوُّل المعرفيّ في شِعر المُكاتَبَة بنهوضِهِ أيضاً على آليّات السِّياحة التَّحتيّة المُؤلَّفة من المَحاوِر الآتية:

أ- تشويش المُباطَنة: إذا كانت المُكاتَبَة مُدازنة تتجاوَزُ فكرة "الذَّات/ الدَّازِن وَحدة مركزيّة مُتعالية تكتُبُ إلى آخَر: مُتلقٍّ غيريّ"، إلى فكرة أنَّ "الذَّات/ الدَّازِن تتبادَلُ جدَليّاً الكتابة معَ نفسِها أوَّلاً وقبلَ أي شيءٍ آخَر بوصفِها مَوجوداً بشريّاً/ لُغويّاً في العالَم يتشظّى ويتبعثَرُ ويتباعَدُ مُفتِّتاً مَركزيَّتَهُ المُسَبَّقة: متلقٍّ ضمنيّ"، فإنَّ التَّشويش الجديد في المُكاتَبَة لا يقومُ - كما كانَ في حداثة رامبو وسُلالاتِهِ مثلاً - على تشويش الحواسّ فحسب؛ إنَّما ينبسطُ تشويش الحواسّ بوصفِهِ محمولاً على تشويش المُباطَنة القائِمة على ما أدعوه "صورولوجيا الباطن": وهيَ العلاقة التَّراكُبيّة الجدَليّة المُعقَّدة للدَّازِن النِّسْيَاقيّ في تخليقِهِ عالَم المُكاتَبَة الجديد عبر الفصم الجدَليّ المُضاعَف بينَ الذّات الشّاعرة الموجودة في العالَم الوقائعيّ، والذّات الشّعريّة الموجودة في العالَم الافتراضيّ، وهُنا يقومُ دازِنُ الشّاعر المُكاتِب بتشويش عوالم هذهِ العلاقة الجدَليّة عبر حوار "وجوديّ/ كتابيّ" باطنيّ يبسطُ عبرَهُ العالَم النِّسْيَاقيّ الجديد، وهذا الأمر يعني - في ما يعني - أنَّ صورولوجيا المُكاتَبَة تقوم على فتح فَجْوة أساليب وجود "صورة الذّات المفصومة" بدلاً من "صورة الآخَر"، حيثُ يبسطُ الفصم الجدَليّ للدَّازِن علاقةً جدَليّة بينَ ذاتيْن، تكونُ كُلّ منهُما هيَ آخَر للأُخرى، وهذهِ العلاقة هيَ أساسُ تشويش المُباطَنة الخالِق لعالَم شِعر المُكاتَبَة الجديد.

ب- من الشّاعر الرّائي إلى الشّاعر المرئيّ (عصرُ البصيرة الجدَليّة): تُستكمَلُ آليّات تشويش المُباطَنة بالانتقال، كما ذكرتُ من قبل، من الحقبتين الآتيتين:

1- مهيمنات المرحلة الشِّفاهيّة.

2- مُهيمنات المرحلة الكتابيّة.

إلى الحقبة الآتية:

2- مُهيمنات شِعر المُكاتَبَة.

لقد هيمنَ في المرحلة الشَّفاهيّة البُعد "السَّمعيّ" للشِّعر، وهيمنَ في المرحلة الكتابيّة البُعد "البصريّ" للشِّعر، وسيُهيمنُ في مرحلة المُكاتَبَة: بُعدُ "البصيرة".

إنَّ تشويش المُباطَنَة القائِم على صورولوجيا المُكاتَبَة الجديد (مُتلقٍّ ضمنيّ) تفتتحُ فَجوة الحَدْس الشِّعريّ المُنبسِطة نحْوَ المجهول عبرَ "البصيرة" الجديدة التي تنقلُ الشِّعريّة من مرحلة الشّاعر الرّائيّ إلى مرحلة الشّاعر المرئيّ؛ وذلكَ بوصف كُلّ ذات ضمن حركيّة فصم الدَّازِن جدَليّاً ترى الذّات الأُخرى، فيبدو أساسُ تخليق الرُّؤيا في شِعر المُكاتَبَة ناجماً عن آليّات الجدَل الدّاخليّ للدّازن بما هو جدَل فصم الذّات الذي ينهضُ على آليّات البصيرة الجديدة؛ أي كأنَّ كُلّ ذات من الذّاتيْن المفصومتيْن تخارُجيّأً (الدَّازِن المفصوم) هيَ شاعر مرئيّ من الذّات الأُخرى ضمن فَجْوة المُنفصَم الجدَليّ الخالِق لعالَم قصيدة المُكاتَبَة الجديد، بما هو عالَم تشويش المُباطَنة.

ج- خَلْقُ المكشوف من قَبْل: إنَّ الفصْم الجدَليّ بينَ الذّات الشّاعرة الموجودة في العالَم الوقائعيّ، والذّات الشِّعريّة الموجودة في العالَم الافتراضيّ، يخلُقُ عالَم شِعر المُكاتَبَة الجديد بوصفِهِ مُجاوَزةً عبرَ آليّات الفصْم لمَا كانَ مكشوفاً من قبل، فالقصيدة الجديدة ليسَتْ قصيدة كشف فحسب؛ إنَّما هي خلق عالَم جديد لهُ أساليب وجودهِ الخاصّة عبر حركيّة الفصْم النّاهِضة تخارُجيّاً على تشويش المُباطَنَة وآليّات مخض البصيرة عند الشّاعر المرئيّ، لتحقيق مُجاوَزة الكشف نحوَ الخلق.

بمعنى آخَر: تسعى المُكاتَبَة عبر الفصم الجدليّ النِّسْيَاقيّ للدَّازِن إلى تعميق الانزياح عن سُلطة المُطابَقات التي كانت تبسطها مُهيمنات الكشف، لبلوغ ما هو أبعد من الكشف؛ أي لبلوغ الخلق بوصفِهِ احتفاءً بالاختلاف، حيث اكتفتْ مُعظَم قصائد شِعر الحداثة وما بعدها بما أدعوهُ "كشف المكشوف من قبل"، بوصفِهِ تعميقا لسُلطة المُطابَقات المُسَبَّقة، في حين يسعى شِعرُ المُكاتَبَة عبر حركيّة الفصْم الجدَليّ المُضاعَف إلى مُجاوَزة مُطابَقات الكشف، ببلوغ أساليب وجود الخَلْق الجديد المُغايِر.

خامساً: يوتوبيا مُكاتَبَة الشّاعر المُستأجِر

ينهض الموقف اليوتوبيّ المُفارِق للأيديولوجيا الميتافيزيقيّة في شِعر المُكاتَبَة على فكرة الشّاعر "السّائحُ المُستأجِر": وهوَ شاعرُ المُكاتَبَة اليوتوبيّ الجديد. فالاستئجارُ هو سِمة شِعر المُكاتَبَة الجديدة، والشّاعر المُستأجِرُ هو شاعر مُهاجِرٌ دوماً، لا يُقيم في سُلطة التَّملُّك (أيديولوجيا تملُّكُ بيتٍ في المفهوم الحياتيّ: مُطابَقة)، ولا يُقيم في سُلطة التَّصعلُك: (أيديولوجيا تملُّكُ الخارِج للشّاعر: سُلطة تملُّك مقلوبة: مُطابَقة مقلوبة)؛ إنَّما هو مُستأجِرٌ دائِم التَّنقُّل في فَجوة فصْم الدَّازِن الجدَليّ التَّخارُجيّ بهدف خَلْق عالَم قصيدة المُكاتَبَة المفتوحة نحْوَ المجهول باستمرار.

تقومُ حركيّة الشّاعر المُستأجِر على الآليّات الأربع الآتية:

1- استشرافُ ما بعدَ العصر الرّاهن: يقوم التَّحوُّل المعرفيّ اليوتوبيّ في شِعر المُكاتَبَة الجديد على مُجاوَزة الشّاعر المُستأجِر في سياحتِهِ الانعكاسَ المُطابِق للعصر الرّاهن، نحْوَ استشراف المجهول بوصفِهِ استشراف الاختلاف في عصر ما بعدَ العولمة وتكنولوجيا المعلوماتيّة والرَّقميّات.

2- الالتزامُ بالحركيّة والكُلِّيّات: يُقدِّمُ التَّحوُّل المعرفيّ اليوتوبيّ في شِعر المُكاتَبَة تعديلاً جذريّاً لمفهوم الالتزام التَّقليديّ المعروف بوصفِهِ التزاماً بالقضايا الكُبرى، فيدعو هذا الشِّعر إلى التزام الشّاعر المُستأجِر في سياحتِهِ بالحركيّة المُتحوِّلة واختلاف أساليب الوجود المُنبسِطة في عوالِم القصائد بما هو التزام بالكُلِّيّات، وهذا لا ينفي أهمِّيّة القضايا الكُبرى، لكنَّهُ يُغيِّر في طريقة المُعالَجة شِعريّاً.

3- يوتوبيا التَّرويج: يقومُ التَّحوُّل المعرفيّ في شِعر المُكاتَبَة الجديد على "يوتوبيا التَّرويج"، فالعصر الرّاهن يحتفي بـِ"الاستهلاك" المُنبسِط أيديولوجيّاً ليكونَ سِمة عصر العولمة وتكنولوجيا المعلومات والرَّقميّات، وهو - بنقل مفهوم "الاستهلاك" إلى الشِّعر- ليسَ سوى فقدان للخُصوصيّة، في حين أنَّ شِعر المُكاتَبَة الجديد ينفي "الاستهلاك" بما هو سيولة البيع والشِّراء، ويحتفي بـِ"التَّرويج" بما هو إشهارٌ معرفيٌّ مُتعالٍ وحافظٌ للخُصوصيّة: من حقّ قصيدة المُكاتَبَة ألاّ تُستهلَكَ، وأفضل طريقة لذلكَ تكمن في استثمار الشّاعر المُستأجِر في سياحتِهِ الفوقيّة والتَّحتيّة أدوات العصر الرّاهنَ بالتَّرويج والإشهار والتَّعيُّن الوجوديّ المعرفيّ حفظاً لخُصوصيّة قصيدة المُكاتَبَة.

4- الشّاعرُ مُؤوِّلٌ مشاعيٌّ: تتكثَّفُ قدرة الشّاعر السّائح المُستأجر في قصيدة المُكاتَبَة على تأويل الذّات والآخَر والعالَم، فشاعرُ المُكاتَبَة الجديد هو مُؤوِّلٌ مشاعيّ لا حُدود ولا مُسَبَّقات في تأويلِهِ اليوتوبيّ الذي ينبسطُ في أساليب وجود مختلِفة في عالَم القصيدة المُنفصِم جدَليّاً، والمشاعيّة هُنا روح الاختلاف في شِعر المُكاتَبَة عن مُطابَقات شِعرَي الحداثة وما بعدَها، بوصفِ تلكَ المُطابَقات كانتْ تُمثِّلُ تملُّكاً وتحكُّماً مُسَبَّقاً ينفي قُدرة الشّاعر الأصيلة على أنْ يكونَ مُؤوِّلاً مشاعيّاً حُرَّاً. ولعلَّ انفتاح عصر الشَّبكات المعلوماتيّة والرَّقميّات على غير النِّهائيّ يُمثِّلُ الفضاء الأمثل لانبساط روح المشاعيّة.

أخيراً: تدَّعي شِعريّة المُكاتَبَة أنَّها اقتراحٌ جديدٌ يتجاوَزُ تلكَ الرُّؤى الخطِّيّة والحدِّيّة التي قسمَتِ الشِّعر تراتُبيّاً، حيثُ تفتَحُ المُكاتَبَةُ ذراعيْها للشِّعر العموديّ ولشعر التَّفعيلة ولقصيدة النَّثر ولمشروع الكتابة، لا ليكونَ الفيصلُ موقفاً مُسَبَّقاً يُعيِّنُ قبْلِيّاً الشِّعرَ المطلوبَ أو المُنجَزَ المُراد خوضه وتحقيقه؛ إنَّما ليكونَ الفيصلُ موقفاً إبداعيّاً فنِّيّاً رحباً مرجعيتُهُ الوحيدة حُرِّيّة العالَم الشِّعريّ الذي يجدُ الشّاعرُ في مُنفتَحِهِ كينونَتِهِ الأصيلة أيّاً كانَ شكلُ ذلكَ العالَم.

(شاعر وناقد سوري)

أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard