"أريد ساقاً أقف عليها" التجربة مرآة الخبرة

21 نوار 2020 | 09:09

المصدر: النهار

"إن مناسبات الطبّ هي وليدة المرض، أو الإصابة، أو المرضى. أما مناسبة هذا الكتاب فهي إصابة غريبة، أو على الأقل إصابة ذات تأثيرات غريبة ناتجة عن حادثة في جبل بإحدى مناطق النرويج. كطبيب محترف لم أختبر نفسي أبدًا كمريض من قبل، ووجدت نفسي بعد الحادثة طبيبًا ومريضًا في الوقت نفسه."

يَعبُر الكاتب أوليفر ساكس ضفتَي التعبير والوصف على موكبٍ طريف على قدر ما هو مؤلم، فقد عرّت تجربته الموجعة التي جرّدته من حريته، مبادئ الطب الذي تلقّنه في دراسته كطبيب، إذ توصّل إلى حقيقة تنفي الثبات القائم في عالم الطب، وترجّح الاحتمالات البعيدة عن المنطق.

تبدأ الرواية في مكانٍ يضجّ بالمغامرة والهدوء، وهو جبل النرويج الذي قصده الكاتب، وهو جراح أعصاب، للتسلّق والمتعة، فاعترض طريقه ثور هائج بعد أن تجاهل تحذير لافتة عريضة كتب عليها "خطر الموت"، فينزلق مسرعاً بالنزول، ولكنّه يفقد توازنه ويقع على ركبته، ما يؤدي إلى تمزق كامل للعضلة رباعية الرؤوس في قدمه.

يعثر عليه صيادان وهو يكاد يشق تلابيب جسده من الألم، فيهرعان لنجدته، ويُنقل إلى مستشفى المدينة ليتعالج، وتُجرى له عملية على يدي أمهر الجراحين فيها، ولكنّه يتعرّض لسلسلةٍ متدرّجة من الانتكاسات النفسية والتأرجحات الإنفعالية حتى يخال بأنه فقد ساقه نهائياً ويهمّ بمناقشة الجراح بما يعتريه من القلق والهلع، ولكنّ الأخير يصدّه بأسلوبٍ خشن يفتقد للإنسانية.

حينئذٍ، ينبش في ذاكرته صوراً ذاوية لمرضى مرّوا في تاريخه المهني وحاولوا التعبير عن آلامهم، ولكنّه لم يشعر بوجعهم حتى اختبره بنفسه، فيتيقّن أنّ التجربة مرآة الخبرة، ويستكين لقدره بعد أن حاول أن يثور ويتمرّد في المستشفى، ثم يتفاجأ بأنّ ساقه تعود تدريجيّاً لعملها الطبيعي وأنّه يتماثل للشفاء بعد أن حلّل وضعه بأنّه شلل هستيري، وصفه فرويد على أنّه مفاهيم ومشاعر نشأت عن صدمة نفسية، وليس تلفاً تشريحيّاً في الجهاز العصبي، وهو دينامي نفسي بمفهومٍ سيكولوجي، أي أنّه شلل نفسي وليس شللاً عضويّاً.

وقد قال الفيلسوف مونتيني في هذا: "يدّعي الطبّ دوماً أن التجربة هي الاختبار لعملياته، وبالتالي كان أفلاطون محقاً عندما قال إنه من أجل أن يصبح المرء طبيباً حقيقياً لا بد أن يكون قد اختبر جميع الأمراض التي يأمل أن يعالجها وجميع الحوادث والحالات التي سيشخّصها... سأثق برجل كهذا، لأن البقية ترشدنا مثل الشخص الذي يرسم البحار والصخور والموانئ بينما يجلس إلى طاولته ويدير سفينته بأمان تام. إقذف به في المشهد الحقيقي وستجده لا يعرف أين يبدأ".

تجربة الكاتب أوليفر ساكس الشخصية دفعته للانفصال الوقتي عن نفسه ومشاهدة الألم من منظار الفلسفة السيكولوجية، ليشقّ ضلوع الفجر من جسد الليل الحالك ويختلق البعث، ويبثّ في جسده روح الأمل من جديد، وينفض غبار اليأس عن حلقات اليأس المفرطة، فيقدّم علاجاً جديداً يستعرضه من خلال سرده للمشاهد المتتابعة في قصته، ملمّحاً إلى دور الطبيب الأساسي في تحفيز مرضاه على التقدم والتغلّب على المحن، منتقداً الأسلوب الآلي الذي يعتمده كبار الجراحين في العالم حيث يعملون وهم معصوبو الأحاسيس لا يلقون بالاً للانفعالات المتضاربة التي تعتمل في صدور مرضاهم.

نجح أوليفر ساكس في خلق التجربة بحلّة جديدة من خلال حبكة مترابطة مع شرحٍ روتيني مبالغ به للمشهد. وكان الفصل الأول من الرواية أكثر إثارة وتشويقاً من الفصول التي تتالت بعده، وجاءت القصة تجربة ذاتية تفصح عن معاناة حقيقية يتكبّدها الإنسان العليل لا يحرق شظاها من حوله، بل تتركّز فيه عصيّة على الاستسلام حتى يستسلم هو أو يعلن الثورة الحقيقية على الخنوع، فيشفى نفسيّاً ليُبرِئ بنفسه جسدَه وأعضاءَه.


ما رأيكم بتحضير هذه الحلوى العراقية بمكوّنات بسيطة مع المدونة ديما الأسدي؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard