الوباء كفحص جهد للبشرية

9 نوار 2020 | 16:14

المصدر: "النهار"

تصوير مارك فياض.

نادراً ما خرج العالم من وباءٍ كما دخل فيه، وغالباً ما كانت آثاره تتخطى صحة الفرد والعامة لتغير سياسات دول وإمبراطوريات واقتصاداتها ونُظمها. ضرب الطاعون أهل سواحل مصر عام 541 م، ثم وصل بعد نحو السنة الى العاصمة الشرقية للإمبراطورية الرومانية- القسطنطينية- حاصداً عشرات الآلاف، كما ذكر المؤرخون، فاتكاً بالأغنياء والفقراء والأقوياء والضعفاء، وعلى رأسهم الإمبراطور الأشهر جوستينيان. رأى جوستينيان رعيته وأفراد جيشه يتساقطون امام عينيه، وعمل على دفن الأموات وإعانة عائلاتهم الى ان أصيب هو بالطاعون والذي سمي بعدها باسمه "طاعون جوستينيان"، الذي انتشر حتى روما وبريطانيا ليهدأ عام ٧٥٠. مئتا عام ونيف من الوباء أنهكت روما وقلصت أهلها وجيشها الذي لا يُقهر، مما ساعد في ظهور قوى جديدة اجتاحت الروم من الشرق والغرب وأطبقت على أعظم إمبراطوريات العالم القديم.

هنا ليس الرجال فقط من يكتبون التاريخ بل الأوبئة والجراثيم كما تصف الكاتبة إليزابيت كولبرت في مقالتها في "نيويوركر". وقتها- كما الآن- اعتقد الناس ان هذا الوباء مرعب ونادر ولن يتكرر، حتى جاءهم الجدري مستوطنًا ومتنقلًا بمعدل وفيات تجاوز 30% أكثرهم من الاطفال. وصل الجدري الى المكسيك وأميركا الوسطى واللاتينية فاتحاً الأبواب بسهولة أمام الغزو الإسباني. 

لم يغير الوباء في مراكز القوى في أوروبا والشرق والعالم الجديد فقط، بل أيضاً في أفريقيا حيث أخضعها لتجارة الرق لحاجة الإسبان لليد العاملة في إمبراطوريتهم الشاسعة. في كل ذلك غابت معايير الصحة العامة وحقوق الانسان، وغابت فرصة إنقاذ المصابات والمصابين، إلى أن بدأت إمارة البندقية بتطبيق الحجر أو الكرنتينا (من كوارنتا أي أربعين بالإيطالية) عقب الطاعون الأسود، ما اُعتبر أول مأسسة لفكرة الصحة العامة. يشير المؤرخ والباحث سنودن من جامعة يال، ان مؤسسة الصحة العامة ساهمت في صعود القوة في الدولة الحديثة، بمعنى وقوف ممارسات وإجراءات الصحة العامة ضد الممارسات التقليدية الموروثة والطقوس الدينية البائدة. بعد الطاعون الأسود، جاءت الكوليرا بطفراتها الوبائية المتكررة متنقلة عبر أوروبا الى روسيا القيصرية مشرعة الأبواب لثورة البولشيفيك؟

استمر العالم بالعبور من وباء الى وباء مغيراً ملامحه السياسية حينًا والاقتصادية أحيانا، لكنه قليلاً ما غيّر في ملامح أنظمته الصحية لتكون أكثر جهوزية للأوبئة. يقف العالم اليوم أمام وباء "كوفيد-١٩" بما يشبه ما سبق زارعاً الموت والانهيارات السياسية والاقتصادية والإجتماعية والصحية، وأيضا لن يكون الأخير كما ظنّ أسلافنا. في مقالة لريتشارد هورتون في "لانسيت"، رأى ان "كوفيد-"١٩ ليس فقط أزمة صحية، بل هو أزمة الحياة نفسها. كشفت الأزمة عيوب الناس وعرّت السياسات وأنظمة الرعاية وجهوزيتها، وحتى الكائن البشري عموماً، الذي ظن انه سيد الكائنات يفعل بها ما يشاء، حتى جاءه برهان ان هناك كائنات غير مرئية قادرة على تدمير الناس ومعاشهم دون أي جهد. تطرح مقالة "لانسيت" سؤالًا حول ما اذا كان الوباء أزمة الحياة نفسها فما هي الخلاصات المستقاة من تأثيره على المجتمع البشري؟

يحاول الإجابة من كتابات الطبيب ديدييه فاسين حول عدم المساواة بين البشر وحول القيمة المعطاة للحياة البشرية من النواحي البيولوجية والسياسية. يتراءى "كوفيد-١٩" لنا كتحدٍ بيولوجي نسعى لفهم سلوكه الباثولوجي والوبائي  وإيجاد العلاج واللقاح للتخلص منه كآفة مرضية من دون النظر الى ما وراء ذلك. تماما كما نفعل في علاج السكري، مثلاً، من دون معالجة ما ادى الى انتشاره. بينما المطلوب أن نرى الوباء كفحص جهد أو كحدث بيوغرافي لملايين البشر، يكشف عورات اللامساواة ومآسي غياب العدالة الاجتماعية والصحية. كشف الوباء أشكال الحياة التي يعيشها الناس بقلقها وعوزها نتيجة أنظمة حكم تدعي ما لا تحكم به، وكشف غياب أخلاقيات الحياة بين شرعية صاعدة لما هو بيولوجي وبين الشرعية الهابطة لحياة الفقراء وسكان أحزمة البؤس، حيث يكونوا أكثر عرضة للوباء. كشف الوباء أيضاً عن سياسة الحياة وكيف تؤثر الأنظمة السياسية في حياة الناس بشكل غير عادل يعزز اللامساواة ويزيد من التعرض والهلاك. 

من الأهمية بمكان أن ندرس الوباء والوقاية منه وعلاجه، لكن يجب علينا وبالأهمية نفسها بحث الجوانب السياسية والاجتماعية لكوفيد-١٩ وكشف سيرة الذين ماتوا بالوباء والذين انتصروا عليه، ودرس قدرات الناس وتعاملهم مع إجراءات الوقاية. واجبنا الأخلاقي أن نفهم معنى الآثار والعواقب لهذا الوباء على حياة الناس وما يجب أن يتغير تبعًا لذلك. 

كثيرة تلك الثقوب التي كشفتها الجائحة في منظومة حياتنا وأخلاقياتنا اليومية، فرّقت الناس وحزّبتهم بين شيع مختلفة. سيتغير العالم حتماً. كل الأمل ان يفعل ذلك بشكل عادل ونحو الأفضل.




ما رأيكم بتحضير هذه الحلوى العراقية بمكوّنات بسيطة مع المدونة ديما الأسدي؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard