الثلجٌ الأَسْوَد

4 نوار 2020 | 10:00

صباح كانوني (تعبيرية- Edvard Munch).

لست أذكر على وجْه الدِقَّة مَن القائِل: "وأجملُ صوتٍ في الوجود صوت أمي". لعلّه أحد الأدباء العجزة ممّن بلغوا من العمِر عتيًّا. فهُم إذا ما راح الحنين إلى الطفولة يجيش في صدورهم، سارعوا إلى القلم يدبّجون من المقالات الأدبيّة ما يدبّجون، حتّى لتخال واحدهم ابنًا للقديسة ريتا...

ولئن صحّت هذه المقولة في صوت الأم فوق سرير طفلٍ أقْعده المرض، فإنّها لا تصحّ أبدًا عندما ينتشلُكَ هذا الصوت الأموميّ من بحر أحلامك عند الفجر ليزفَّ إليك أوانَ النهوض للذهاب إلى المدرسة.

ناهيك بتلك الآلة اللعينة التي لا تنفكُّ تلعلعُ قربَ السرير، فتوتِّرُ الحجرَ والبشر، ممّا قد يجعل ديكَ الجيران يعتزلُ الصِّياح، فيهجرَ مهنته إلى غيرِ رَجعة... فكيف بك إذا كان ذلك في فصل الشتاء؟! عندها تكون الطامة الكبرى.

في أحد تلك الصباحات الكانونيَّة "المباركة"، حيث طغى صوت المزراب على صوت المنبِّه وصوت الأمّ مجتمعَيْن، قام الصغير ابن الأحدَ عشرَ ربيعًا من فراشه، فبدا في حالةٍ مُزرية، حتى لتكادُ تَحسَبُه محكومًا بالإعدام قد سيقَ فجْرًا لينفَّذَ فيه الحكم... وبينما الأم منهمكة بإعداد الفطور والزاد المدرسيّ، غاب الصَّغير في تأمُّلاتٍ وجوديَّةٍ سوداءَ، لو قُدِّرَ لـ"سارتر" الوصولُ إلى كُنْهِها، لَتَبَوّأَت فلسفتُه في "الوجوديَّة" الذُرى السامِقات بين فلسفات العالم المعاصر.

الريح في الخارج تزمجر حانقةً، وأمطار الليلة الماضية قد حوَّلت الطريق إلى جداول من الحصى والأوحال. أما الحذاء فقد خرج من المعركة معلنًا انسحابه، وذلك قبل الطلقة الأولى؛ ولو قيِّضَ له لجعل من الجوربين راَيَتَيْنِ بيضاوَين تُعلِنان الاستسلام والهزيمة... بالرغم من ذلك، مضى الصَّغير يُصَعِّدُ في طريق جلجلتهِ اليوميَّة... وقد تزاحمت التأمُّلات في رأسه: "أمَا كان من الأفضل لي، لو بَقيتُ هذا النهار في البيت قرب الموقد مع جدتي؟ فلا أحد غيرها يشعر بما أعانيه في النهوض الباكر من الظلم والقهر... ألم تقل لأمّي: "دعيه يبقى في البيت، مش رح يصير مطران بهالنهار"؟ ولكن أمّي كانت قد حفظت هذه الأسطوانة من قبل، فرمقت جدتي بنظرة قاسية، ما أدى إلى وأْدِ الفكرةِ قبل بلوغها.

"ثمّ ماذا؟ فهذه جدتي ما دخلت مدرسةً قطّ، وقد تعلَّمت القراءة في البيت، كما أخبرتني، ومع ذلك فهي تعرف الكتاب المقدس غيبًا، وقد صحَّحت لأبي ذات مساء اعتقاده الخاطئ، مؤكّدة أنّ يوحنا المعمدان شفيع كنيستنا هو غير يوحنا الرسول تلميذ المسيح. فكظم والدي غيظه ولاذَ بالصمت...

"وها أنا ذا في الصف السادس، وأُجيد القراءة والكتابة أيضًا ...ثمّ، عدا ذلك، أنا لا أحبُّ أن أصبحَ معلِّمًا... بل أنا أكره المعلِّمين جميعًا ...أقصد، ليس جميعهم، فمعلِّم "العربي" يحبّني ويجعلني أقرأ الدرس بعده على مسامع التلاميذ، ويطلب منهم التصفيق لي تقديرًا لإجادتي القراءة...

"ولكن، هذا الصباح كريهٌ جدًّا. فأستاذ "الفرنسي" سيُجري لنا امتحانًا في القواعد الفرنسيّة... والويلُ كلّ الويل لِمن لا يثبِتُ كفاءته، فإنّ المسْطرة الخشبيَّة الكبيرة لا تعرف أدنى رحمة...

"يا الله لماذا كل هذا العذاب؟". 

وتسارعت الأفكار في دماغ الفيلسوف الصغير حتى ضاقَ بها رأسه، فخرجت إلى العلن بصورة هذيان محموم، وراح يحدِّث نفسه بصوتٍ عالٍ غير حافلٍ بمن حوله من المارَّة:

"يا الله لِمَ خَلَقْتَ كلَّ هذا العذاب؟ ولماذا أوجدتَ كلَّ هذه المدارس؟!! مدارس "الراهبات" والمدارس الرسميّة على حدٍّ سواء... أصلًا لماذا هذا العِلم كلَّه؟!! فهذه جارتنا لا تنفكُّ تُجلد زوجها -أستاذ المدرسة - بكلّ مبتكَرٍ من الأوصاف والنُّعوت، ولماذا؟ لأنّ راتبه لا يكفي لإطعام العائلة حتى منتصف الشهر؛ بينما "السنكري عبود"، جارنا الآخر، يتنعّم بالمال، فيقتني السيّارات والأراضي وهو لا يكاد "يفكُّ الحرف"... وهذه زوجته اللعينة قد تقتل أمي كمدًا إن استمرَّت في زياراتها لها، عارضة أمام ناظرَيْها ما اشتراه لها "عبّودها" من المصاغ...

"والأنكى من كلّ ذلك قول أبي: "حُطّ شهادة بجيبتك، واعمل ما تريد..." حقًّا إن الكبار لا يفهمون... ففي السنوات التي سأصرفها لنيل الشهادة التي "سأحطّها في جيبي"، يمكنني أن أعملَ في أيّة مهنة فأحصل على النقود، وأشتري سيارة أحلى من سيارات جارنا، وآخذ أمّي كلَّ يوم في نزهة، نكاية بجارتها اللئيمة...

ولكنّ هذه التساؤلات باتت كالحلقة المفرغة، أو كالحائط المسدود حيث لا طاقة ولا مخرج. فهي تدور وتدور في رأس الصغير مخلّفة يأسًا فظيعًا، وخيبةً من كلّ أفكار الكِبار وعاداتهم وقوانينهم...

"ولكِن... رُغْم كل ذلك، هنالك ربٌّ رحيمٌ. هكذا تُردد جدتي بلا انقطاع...فيا ربّ، يا أرحم الراحمين، ألستَ ترى معاناتي في هذا الطقس الغاضب؟ فأنا بالأمس، قبل النوم، صلَّيْتُ لكي يطول الليل لستة أشهرٍ متواصلة، فلا يطلع الصباح إلّا في أوائل حزيران القادم! ولكن لا شيء من هذا قد حدث! فقلتُ في نفسي، لعلّ الثَّلج في الخارج قد كسى الطرقات أثناء الليل. أزَحْتُ الستائِرَ ونظرتُ خارجًا، فازدادت خيبتي... لا شيء. 

"لا شيء غير الصَّقيع والأمطار والوحول. أمّا الثّلج، المنقذ الوحيد في هذه الظروف، فقد صار كالبوليس في الأفلام المصريّة، إن أتى، فغالبًا بعد فوات الأوان. الأسبوع الفائت، زارنا الثلج نهار السبت، يوم عطلتنا المميّز، فحاصرنا في المنازل. أمَا كان الأجْدَر به أن يدْهَمنا في منتصف الأسبوع؟!! أتُراكَ أنت يا ربّ أيضًا تقف إلى جانب الأهل في هذه المسألة؟

"ونحن الصغار، من معنا؟ أمَا قلتَ في إنجيلكَ: "صَلّوا ولا تَملّوا، أُطلبوا تَجدوا"؟ وها أنا قد غَفَوْتُ البارحةَ والمِسبَحَةُ في يدي، ولكن... لا شيء ممّا طلبته قد حدَث... لا شيء! واليوم أيضًا، لا شيء غير جواربَ تَنِزُّ ماءً، وأطراف جمّدها الصقيع، وشفاه زرقاء تقلّصت بفعل البرد القارس.

"وهذا الجَرَس اللّعين الذي يرنُّ الآن في حرم المدرسة، والذي لا يكفّ أبدًا عن الرنين المزعج، كم وَدَدْتُ لَوْ يَنكَسِر يومًا. وكم اشتهيت له من الصواعق ما اشتهيت. كلُّ ذلك نكايةً بالنّاظِر. فمن يدري؟ قد يجد نفسه بغير عملٍ فيما لو انكسر جرسه اللّعين هذا، أو قد يُطْرَدُ من المدرسة فنستريح... ولكن، ما من مُجيب... لا ثلوج، ولا بروق، ولا صواعقَ أيضًا...

"تقول الجارة لأمّي: "شو بِها المعارف؟"، وهي تقصد المدرسة الرسميَّة؛ بينما تلمع عيناها خبثًا وهي تتكلّم عن ولديها اللذين سجّلتهما في المدرسة الخاصّة عند الراهبات... وكانت الحِجّة في ذلك أنّها تريد لهما تعليمًا دينيًّا أفضل. في حين أنَّهُ قَلَّما شوهِدَت تلِجُ كنيسةً إلّا في المناسبات الكبرى". 

- ولماذا أنا لستُ في مدرسةِ الراهبات يا أمّي؟...

فترُدُّ الأمُّ مُعَوِّلةً على قوّةِ إدراك صغيرها:

- لأنّنا فقراء يا بنيّ، والمدرسة الخاصّة مكلفة.

- ولماذا نحن فقراء يا أماه؟

- لأنّنا فقراء وكفى... إنّها إرادة الله...

- ولماذا يريدنا الله أن نكونَ فقراء يا أمّي؟

- لا أعرف، إسألهُ يا صغيري في المساء عندما تصلّي.

قالت: "إسألهُ!"...

"هي لا تعلم أنّني قد مللت الأسئلة. نعم، سئمت الأسئلة والطلبات، فما من أجوبة وما من مجيب...".

...وعلى وقْعِ الرَّنينِ المُستفزّ لجرس الناظر، دخل الصغير حرم المدرسة، المدرسة الرسميّة في القرية. وها هو الآن في الصفّ. والصفُّ حجرةٌ ضيّقة تتخلّلها نافذة يتيمة تطلُّ على الطريق المحاذي. في الصدر لوحٌ خشبي بُهِت اخضِراره، فغدا كخضراوات أم يوسف التي ترسلها لنا بين الفينة والأخرى من محصول بستانها، عملًا بالقول الشعبي: "الله طَعَمَكْ كول وِطْعام"؛ ولكِنَّ أمّ يوسف زادت عليه: "وَخَبِّر أيْضًا"...

في وسط حُجْرةِ الصفِّ، تنتصبُ "كالأَربعاء في وسط الجمعة"، مدفأة "شاميّةٌ" أو"صوبيا" -كما يسمّيها العامَّة- محاطة ببضعة مقاعد مُتهالكة، وقد تفرّع منها أنبوبٌ معدنيٌّ أسود، يَمَّمَ هو الآخرَ شطْرَ النافذةِ - بؤرة النّور الوحيدة في تلك الغرفة - فاخترق الزجاج مادًّا رقبته "الزرافيَّة" نحو الطريق. فتخاله، إذا نظرتَ من الخارج، من بقايا ذاك القطار الوطنيّ المتقاعد في محطَّة بحمدون الأثريَّة...

كانت المِدفأة تعملُ على المازوت، وقد اختيرَ أحدُ التلاميذ للإشراف على ورشة إشعالها صبيحة كلّ يوم... ولكنّها أبَتْ أن تعملَ في هذا الصباح المشؤوم، رُغم تكرار المحاولات لإشعالها! لَكأنّها ارتَأَتْ أن تتقاعدَ تلقائيًّا بعد عقودٍ طويلةٍ من الخدمة المُضْنيَة. وزاد الطين بلّة أنّ أستاذ اللغة الفرنسيّة على وشك إجراء المسابقة الخطّيَّة، وهذا وحده كفيلٌ بفرضِ جوٍّ من الوجومِ على الوجوهِ الفتيَّة الصغيرة.

وهنا حدث ما لَم يَكُن في الحُسبان، إذ بادر الأستاذُ إلى إشعالها بنفسه، بغية كسب المزيد من الوقت لصالح الامتحان؛ ولكنَّ الهواءَ في الخارج ساهمَ في إطفاء نارِها من جديد... ويبدو أنّ الأستاذ أفرطَ في ضَخِّ الوقودِ في بيتِ النّارِ الهَرِم... إذ بينما كانت أنظار التلاميذ مسمّرة في الِمدفأة ومُشْعِلِها اليائِس، دوّى صوتُ انفجارِ المازوت في جوفِها، فلفظَت غطاءَها الَمَعْدَنيّ، الذي انطلق ضاربًا السقف!

وتساقطَ "الشُحْتارِ" من الأعلى كَنُدَفٍ صغيرةٍ من النفناف الأسوَد، وحطّ هنا وهناك على الطاولات والكراسي والدفاتر والرؤوس الصغيرة، فغطّى الوجوه، ومن ثمَّ طاب له أن يستريحَ على الرموش، فبدا التلاميذ حين انقشع الدُّخان الأسود متنكِّرين، كما لو كانوا بصدد تحضير "بروفة" لعيد البربارة الذي بات على بُعد أيّام قليلة...

وكَجنديٍّ مهزومٍ خارجٍ من غبار معركة طاحنة، صرخ المعلِّمُ بأعلى صوتِه: "يِلْعَنْ أبو المْدارس وساعِتْها... روحو عَالبيت... ما في مدرسة اليَوم".

"وعُدت أدراجي ذاك الصباح، وقد غمرني فرحٌ عظيم، وأنا أتأمّلُ الآية الإنجيلية الشهيرة: "أطلبوا تَجِدوا"...، وعلى شَفَتَيَّ بسمة الانتصار!". 

أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard