.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
تمتلك "ثورة 17 تشرين"، بما أعلنته من إمكانات تغيير، مفاتيح الحل لسلسلة من الإشكاليات التي أثيرت والتي تطلّبت قرارات حاسمة خلال الفترة التي أعقبت "اتّفاق الطائف" الذي شكّل استمراريّة للحرب بوسائل أخرى.
ومن بين تلك القرارات تحديد المسؤولين عن الفظائع والاقتصاص من مرتكبي الجرائم وكذلك البحث عن حقيقة مصير المفقودين وإعادة بناء الذاكرة الوطنيّة وإعادة كتابة التاريخ، أو بشكل أعم تغيير سياسي وتجديد للنّخب. وقد تعطّلت تلك القرارات الأمر الذي كشف عجز نظام ما بعد الحرب عن التخلّي عن النخب السياسية السائدة والتخلّص من القيادات الميليشياويّة المُهيمنة.
وفي هذا السياق، فرض سؤال إنساني بامتياز نفسه خلال السنوات التي أعقبت الحرب، وكشف قدرة ذلك النظام على تعطيل إمكانات المساءلة في وقت تعاني خلاله شريحة من الشعب أقسى أنواع المعاناة منذ أربعين سنة.
وتتمحور، المسألة تلك، حول 17415 مفقودَ حربٍ وعائلاتهم التي لم تعرف حتى اليوم مصير مفقوديها وتعلّل النفس بأمل ضئيل بلقياهم في الآتي من الأيام.
ولا تزال هذه المسألة حاضرة لأنها لم تلقَ جوابًا ولم تجد حلًا حتى ولو تبنتها الدولة وقد حصل ذلك في مرحلة ما بعد الحرب.
وفي معرض كشفنا عن أسباب التعطيل وجب التساؤل: كيف بقيت هذه المسألة بلا حل طوال ثلاثين سنة بعد نهاية الحرب؟ وما هي الديناميّات التي ميّزت العلاقة بين مجموع العائلات المنتظمة في إطار المجتمع المدني والدولة اللبنانيّة منذ عام 1990 الشاهدة اليوم على تعطيل تلك المسألة وجعلها في مأزق بين عدم تجاهلها من جهة وعدم حلّها من جهة أخرى؟
لمراقبة ما يحصل، بين عدم التجاهل وعدم الحل أتوسّل مفهومًا أنتروبولوجيًا هو مفهوم "العبور". إذ إنّ حالات الانتقال حاسمة في نتائجها. و"العبور" مفهوم قديم قدم العالم يُوصِّف حالة انتقالية تفترض "مراسم عبور" كي يتم تخطَيها. فالمراهقة عبور من الطفولة إلى البلوغ. و"العبور" في توسّل الانتقال من حالة إلى حالة أخرى هو بنيوي يفرض بُنىً اجتماعيّةً لازمة: مجتمع يتشارك خصائص لها علاقة بالانتقال و"مدير مراسم" يتوسّل نفوذه الإجتماعي والسياسي كي يضع الآليّة وفقًا للمواصفات المطلوبة.
وفي ما خص موضوعنا، فالمجتمع الذي يحاول الانتقال من حالة إلى أخرى هو مجتمع عائلات المفقودين توجّههم الدولة اللبنانيّة التي تلعب دور راعي الاحتفال أو مدير المراسم. ويبدو أنّ هذا الأخير، أي مدير المراسم، لم يضع بعد موضع التنفيذ، آلية الإنتقال أو مراسم العبور.
وفي لبنان ما بعد الحرب، دخلت مسألة الأشخاص المفقودين في مرحلة انتقال بين حالتين؛ فلم يتم تجاهلها ولم يتمّ حلها منذ 30 عاماً. وخلال هذه الفترة، حافظ النظام السياسي بإصرار على هذه المسألة في الحالة الإنتقاليّة من خلال سلسلة من الممارسات السياسيّة الخبيثة. ففي الواقع، احتضنت الدولة اللبنانية المسألة غير أن ممارسات النظام السياسي الطائفي اللبناني عطّلت حلّها.
وطوال السنين تلك أوهمت الدولة اللبنانية الناس بمبادرات فارغة من أي محتوى عملي ويظهر ذلك عندما توضع المبادرات تلك موضع التطبيق ضمن الأطر السياسية السائدة: فتبَنّت قانون لإثبات وفاة المفقودين عام 1995 (قانون 434/95 "الأصول الواجب اتباعها لإثبات وفاة المفقودين")، وشكلت لجنة تحقيق للاستقصاء عن مصير المخطوفين والمفقودين عام 2000، وهيئة تلقي شكاوى أهالي المخطوفين عام 2001، وأنشأت اللجنة المشتركة اللبنانية – السورية لمعالجة قضية المفقودين والمعتقلين في السجون السورية عام 2005، وعام 2018، أقرّ مجلس النواب "قانون المفقودين والمخفيّين قصراً" وكان إقراره ثمرة تعاون بين المجتمع المدني وممولين أوروبيين ومنظمات محلّية أخرى. إلا أن هذا القانون لم يوضع مطلقاً وحتى اليوم موضع التطبيق.